إن امتلاك الميليشيات والعشائر للنفوذ والسلاح الغير مرخص بشقيه الثقيل والمتوسط يعتبر من أكبر التحديات التي تواجه الدولة العراقية لتحقيق الأمن والأستقرار، كما تعتبر النزاعات العشائرية في العراق أو ما يسمى بالدكة العشائرية من أكبر التحديات التي تواجه الأجهزة الأمنية والعسكرية في المحافظات الوسطى والجنوبية التي تعيش انفلاتاً أمنياً غير مسبوق، خصوصاً بعد إن أعتمد العرف أو القانون العشائري كأساس لحل القضايا والمشاكل العالقة بين العشائر التي ترفض الانصياع الى المؤسسات القانونية للدولة، الأمر الذي يمثل تهديداً خطيراً لهيبة الدولة العراقية بجميع مفاصلها، وما جرى من اغتيالات متبادلة بين ميليشيا العصائب وميليشيا سرايا السلام في محافظة ميسان وهو خير دليل على عدم الاعتراف بمؤسسات الدولة القضائية لبسط الأمن وفرض القانون وإعادة هيبة الدولة، حيث تم الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة بين ميليشيا سرايا السلام وميليشيا العصائب لخفض التصعيد بينهما وحل المشاكل العالقة بعيداً عن مؤسسات الدولة الأمنية والقانونية التي تم تجاوزها.

 

فشل الكاظمي بتنفيذ وعوده بحصر السلاح بيد الدولة:
إن وعود الكاظمي بمعالجة الكثير من الملفات والمشاكل العالقة بالدولة باءت بالفشل الذريع، ومنها حصر السلاح بيد الدولة، وملف الفساد المالي والاداري، والميليشيات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة، وعصابات الجريمة المنظمة، وشبكات الدعارة والمخدرات، وتقديم قتلة المتظاهرين للعدالة، والمعابر الحدودية، ونزع سلاح العشائر المنفلت، لأنه أدرك بأن سلاح العشائر والميليشيات له خصوصية خطيرة تتجاوز صلاحياته في حصره وضبطه، كما إنه يرى بأن التعرض لسلاح العشائر قد يسبب فوضى عارمة تكون تداعياتها خطيرة على حكومته، وهو يعرف بأن الكثير من العشائر مدعومة من قبل الميلشيات المسلحة ومن خلفها إيران، لذا لجئا إعلامياً الى الترويج عن حصر السلاح، ولكنه فشل عملياً في ذلك بسبب ضعفه في أداء واجباته، وتواطؤه مع الميليشيات المسلحة التي أصبح لها من السلطة والسطوة ما يجعلها تتحكم بمفاصل الدولة العراقية، وهي تفرض أرادتها السياسية بقوة السلاح على الحكومة وعلى السلطات القضائية، وهذا ما حصل في قضايا كثيرة منها خلية الكاتيوشا في مدينة “الدورة”، وقضية “قاسم مصلح”، والحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، ورفض حكومة “عدنان الزرفي”، أما وعوده فيما يخص القوات الأمنية والتزام المؤسسة العسكرية بمهامها الوطنية والمهنية، فما حصل في “الطارمية”، و”الفرحاتية”، وأخيراً ما جرى في “قرية الهواشة في المقدادية”، هو خير دليل على طائفيتها وفشلها في فرض الأمن والاستقرار، كونها وقفت عاجزة عن ردع الميليشيات والعشائر الطائفية التي قامت بأعمال الحرق والتهجير، وتجريف البساتين، وحرق المؤسسات التعليمية، والخدمية بالقرية حيث أكتفت بعدم التدخل.

أسباب عدم قدرة الدولة على حصر السلاح:
لاسيما إن فشل الدولة في حصر السلاح له أسباب كثيرة ومتعددة، ولكن تعتبر الميليشيات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة هي العقبة الرئيسية التي تمنع حصر السلاح بيد الدولة كونها لا تزال خارج هذه المنظومة، حيث يقول زعيم ميليشيا العصائب “قيس الخزعلي” في مقابلة له على “قناة الجزيرة القطرية” :” إن  فصائل المقاومة الإسلامية هي غير تابعة لأجهزة الدولة الأمنية”، بل أني أقول أنها تعتبر القوات المسلحة بشقيها الداخلية والدفاع وهي ندً لها، لأن سلاح العشائر أو الميليشيات عندما يكون أقوى من سلاح الدولة فهذا خلل كبير ينم عن الضعف الحكومي في مواجهة هذا السلاح المنفلت الذي ولد مراكز قوى متعددة ساهمت في عدم قيام دولة قوية وقادرة على ضبط الأمن والاستقرار، علماً بأن هناك جهات حكومية وسياسية عمدت على توزيع ونشر هذا السلاح على العشائر لأهداف سياسية وطائفية تتعلق بتنفيذ مشروعها في السيطرة على المناطق الجنوبية بما فيها السيطرة على الموارد الاقتصادية.

إن ضعف القضاء العراقي، والأجهزة الأمنية، ومؤسسات الدولة الأخرى في تحقيق العدالة، يشكل عقبة كبيرة في إنفاذ القانون، كما إن انتشار وتفشي البطالة، والفقر، والجهل، والأمية، والعصبية العشائرية والدينية، وانتماء الكثير من أفراد العشائر للميليشيات المسلحة والاجهزة الأمنية وتبادل المصالح الاقتصادية، جعل الكثير من العشائر تفكر في حماية نفسها ومكاسبها خارج إطار الدولة، وخاصة وإن لديها عمليات لتهريب الأسلحة والمخدرات والنفط، مما جعل الكثير من شرائح المجتمع العراقي لا تثق بالسلطة القضائية، ولا بالإجراءات الحكومية في تطبيق القانون وأنصاف الضحايا، كونهم يعتبرون أنفسهم محصنين من العقوبة، مما جعل الكثير من الناس يلجأ الى السلاح لحل مشاكله، لو تفحصنا معظم النزاعات المسلحة سنجد بأنها حدثت نتيجة عدم تدخل القانون بشكل حازم لحل المشاكل قبل وقوعها، أو منع تطوره، الأمر الذي يعتبر السبب الأبرز والمهم في اذكاء وإشعال نيران المعارك والنزاعات العشائرية.

أن جميع الحكومات التي شكلها المحتل بعد عام2003م، فشلت في حصر السلاح بيد الدولة على الرغم من برنامجها الحكومي يتضمن ذلك، علماً بأن الحكومة الكاظمي قد أطلقت عمليات “الوعد الصادق” لنزع السلاح المنفلت، والقضاء على منافذ التهريب، كما شكلت “قوات الصدمة” لحصر السلاح بيد الدولة، ومواجهة سلاح العشائر المنفلت في جنوب العراق، إلا إنها فشلت في السيطرة على مخزون السلاح العشائري الذي يحوي مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة كالصواريخ والمدافع، وكذلك فشلت في وقف عمليات التهريب والفساد المالي والأداري في المنافذ الحدودية، ومن يراقب تطورات الوضع الأمني في جنوب العراق يجد بأن القانون يضعف كلما اتجهنا جنوباً بسبب الاسلحة التي تمتلكها العشائر والتي أصبحت أقوى من سلاح الدولة، حيث بدأت تهدد وتبتز الكثير من الكفاءات والشخصيات المعروفة من أصحاب الأموال بما فيها الشركات الاستثمارية في الجنوب مقابل عدم التعرض لهم، مما دفع الكثير منهم الى ترك العمل والهجرة من العراق، لذا فغياب الردع سبب رئيسي في استمرار الانفلات الأمني وانتشار السلاح المنفلت.

إن السياسية الناعمة التي أتبعها القادة الأمنيين في مناطق النزاعات العشائرية بعدم الصدام مع أي طرف من أطراف النزاع جاء بسبب المجاملات السياسية، وبسبب ارتباط الكثير من الشخصيات الأمنية القيادية مع جهات سياسية وعشائرية تؤثر في أيقاف أي معالجات أمنية، مما يجعلهم غير قادرين على إنفاذ القانون، خصوصاً فيما يخص بعض الشخصيات المتهمة بجرائم تمس أمن الدولة، الأمر الذي فسر خطأً من قبل الميليشيات والعشائر على أنه ضعف، مما فاقم من تردي الأوضاع الأمنية، وفاقم من قضية انتشار السلاح لدى العشائر، الأمر الذي يعتبر من أهم أسباب تداعي الوضع الامني، علماً إن معظم هذا السلاح مرخص من الدولة لأن معظم أفراد العشائر ينتمون الى الميليشيات والأجهزة الأمنية وهذه مشكلة أخرى يجب الانتباه اليها ، بالاضافة الى وجود سلاح يتبع لمرجعيات دينية يجعلها مشاركة في هذا الانفلات الأمني.

إن عدم وجود قرار سياسي جريء وحازم من رئيس الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة يساعد على أستمرار الفوضى، فإذا لم يكن هناك قرار سياسي قوي وحازم، وبعيد عن التدخلات الخارجية والداخلية والمؤثرات الحزبية، والمجاملات الاجتماعية والدينية، فلن نستطيع أن نتكلم عن آليات للردع، خصوصاً أذا فشل الحوار في حل المشاكل العالقة بين العشائر تحت أشراف الدولة، وألا فلا بد من اتخاذ قرارات حاسمة بما فيها إقحام الاجهزة الأمنية لمواجهة هذا السلاح المنفلت، وحمايتها من أي تبعات قانونية لضبط الأمن وإنهاء المعاناة في المناطق الجنوبية، وهنا يجب أن نشير الى إن عدم وجود قرار سياسي يعود الى طبيعة تشكيل النظام السياسي، وتشكيل الحكومات العراقية، والتي غالباً ما تكون توافقية، وتخضع لأرادات وتدخل خارجي، بالإضافة الى المساومات الداخلية، علماً إن في الفترة الأخيرة أسندت رئاسة الوزراء الى شخصيات ليس لديها تكتل سياسي أو حزبي مما جعلها تابعة وخاضعة ضعيفة وفاقدة لقرارها السياسي، الأمر الذي جعلها تتأرجح بين الضغوط الداخلية والخارجية، وهذه الموازنات صعبة تجعل من الحكومة غير قادرة على اتخاذ قرارها السياسي حسب مصالح البلد العليا، مما جرأ العشائر والميليشيات أكثر للتطاول على مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية.