الموقف العربي:
كان وما زال الموقف العربي ضعيف ومنقسم من القضية الفلسطينية، فقد حاول أعداء الإسلام أن يقزموا القضية الفلسطينية ويجعلوا منها قضية عربية وليس إسلامية بعد تجريدها من بعدها الديني والعقدي، ثم حاول اليهود العرب أن يقولوا بأن القضية الفلسطينية تخص الشعب الفلسطيني، ثم اضافوا لها دول الطوق أو دول المواجهة والتي تشمل مصر والأردن وسوريا ولبنان فقط لتقزيم القضية الفلسطينية، ثم ذهبوا الى أبعد من ذلك عندما قالوا بأنها تخص الشعب الفلسطيني وما يرضى به الشعب الفلسطيني المغلوب على أمره سنرضى به في تخلي واضح عن تحمل المسؤولية في دعم القضية الفلسطينية ونصرة شعبها المظلوم لتحرير أرضه وتحرير بيت المقدس، علماً بأن القضية الفلسطينية هي قضية العرب والمسلمين وهي أمانة في رقاب الجميع، وهي لا تسقط بالتقادم والتخاذل والتطبيع، بل هي تحيا في نفوسنا مهما طال الزمن، لا سيما وأن فيها بعد ديني وعقدي كونها تضم بين أكنافها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى النبي الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

لقد جاء الموقف العربي ضعيفاً ومتخاذلاً ومتناقضاً من قضية الحرب على غزة، خصوصاً وإن الكيان الصهيوني ومعه الولايات المتحدة الامريكية طرحت قضية تهجير أهالي غزة من البداية الى دول الجوار التي رفضت الفكرة، وخاصة الأردن الذي أكد ملكها “عبدالله” على “ضرورة عدم ترحيل الازمة الى دول الجوار”، بينما وافقت مصر على التهجير من حيث المبدأ، ولكن ليكون في صحراء “النقب”، بدلاً من صحراء سيناء في مصر، علماً بأن الرئيس المصري قال “بأنه لا يمكن السماح بالتهجير القسري للفلسطينيين” وأكد “بأنه لا يقبل بأي حال من الأحوال تصفية القضية الفلسطينية”، وبنفس الوقت وصف المقاومة في غزة بالجماعات المسلحة، كما رفض وزير خارجية المملكة العربية السعودية دعوات التهجير وطالب بالوقف الفوري لأطلاق النار، ورفع الحصار، وضمان دخول المساعدات الطبية والإنسانية والغذائية الى القطاع.

لقد فشل مؤتمر القاهرة للسلام في بلورة موقف عربي واسلامي قوي وواضح يضع حداً للعدوان الصهيوني أو للدول الغربية المساندة للعدوان على مدينة غزة، بل إن الدول العربية وخاصةً التي طبعت مع الكيان الصهيوني لم تتخذ أي أجراء للضغط على الكيان الصهيوني وداعميه بما في ذلك سحب السفراء وتجميد التطبيع، لذا نرى بأن البيان الختامي  للمؤتمر كان خجولاً واقتصر على المطالبة بإدخال المساعدات الإنسانية، علماً بأن الغريب في هذا المؤتمر هو حضور الكثير من المسؤولين الغربيين بما فيهم سفيرة واشنطن في القاهرة ووزراء خارجية كل من دول ألمانيا وفرنسا وبريطانيا التي تدعم الكيان الصهيوني دون الالتفات الى أحد بما فيها المنظمات الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي واتفاقيات جنيف، ومع هذا كله فقد أخفق الجميع في إدخال المساعدات الى غزة عبر معبر رفح الذي تسيطر عليه مصر العربية فكيف لهم إن ينجحوا في إصدار بيان يتضمن الضغط على الكيان الصهيوني وحلفائه لوقف إطلاق النار.

 
لقد جاء مواقف الأنظمة العربية الحاكمة متطابق الى حد بعيد من حيث قبولها بالعمل العسكري البري الذي ينوي الجيش الصهيوني القيام به ضد فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ولكنهم يرفضون التهجير، وهذا الرأي مخالف لموقف الشعب العربي الذي يرى بأن الأنظمة العربية تخاذلت عن دعم المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني وهم يرون الغرب كيف اصطف لدعم الكيان الصهيوني سياسياً وعسكرياً، في الوقت الذي وقفت فيه الأنظمة العربية تفرج على قتل الشعب الفلسطيني في غزة بدم بارد دون أن تذرف لهم دمعة، بل ذهبوا الى أبعد من ذلك عندما حددوا موعداً لعقد مؤتمر القمة العربية في الحادي عشر من هذا الشهر!!، وكأن لسان حالهم يقول للصهاينة اقتلوا مزيداً من الأطفال والنساء وقصفوا كل شيء من مستشفيات ومدارس وكنائس ومنازل كما تشاؤون لهذا التاريخ وبعد ذلك يكون لنا موقف أخر، لأن الأمر لو كان يهمهم لعقد هذه القمة في أقرب تأريخ!، علماً بأن التاريخ سيكتب ويسجل هذه الموقف المخزية للنظام العربي الذي وقف يتفرج على قتل شعب اعزل كونه ينادي بحقوقه المشروعة بعد أن تخلوا عن دينهم وعقيدتهم وحتى انسانيتهم، ولو وقفوا لوقفت شعوبهم معهم ولكنهم أخلدوا للأرض.

الخاتمة
لقد كانت عملية “طوفان الأقصى” عملية هجومية مدبرة ناجحة شنت من البر والبحر والجو بأسناد صاروخي كبير، حيث استطاعت أن تحقق أهدافها وتسيطر على المستوطنات في منطقة غلاف غزة بما في ذلك قيادة المنطقة الجنوبية المسؤولة عن غلاف غزة، الأمر الذي أدى الى أسر الكثير من القيادات العسكرية والمدنية، بعد أن فقد العدو توازنه، وأختل ميزانه العسكري، الأمر الذي أدى الى انهيار جيشه، بعد أن فقد قدرته وارادته على القتال، ومع هذا فقد بدأ جيش الصهيوني عمليته البرية مدعوماً من الغرب بالقصف الجوي والصاروخي والمدفعي بعد إن أعلن الحرب على قطاع غزة، حيث ارتكب الاحتلال جرائم إبادة جماعية، وهي جرائم حرب تتمثل بقتل المدنيين الأبرياء من الأطفال والنساء وتدمير المدارس والمستشفيات والكنائس والمنازل على رؤوس ساكنيها في محاولة منه لتهجير أهالي غزة وتأليبهم على حماس، ولاستعادة هيبة جيشهم الذي مرغت كرامته بالأرض، بعد أن فشلوا في مواجهة فصائل المقاومة الفلسطينية في مسرح العمليات، لذا فالشعب الفلسطيني يتعرض لواحدة من أفظع أعمال القتل الجماعي وحملات الإبادة والتطهير العرقي وما يجري هو جريمة ضد الإنسانية لا يمكن التستر عليها.

يحاول الجيش الصهيوني الدخول الى مدينة غزة من خلال تدمير المدينة باستخدام سياسية الأرض المحروقة، ومحاولاً قتل أكبر عدد ممكن من المدنيين، حيث تدور الان رحى معركة برية قاسية للتقدم الى داخل المناطق المبنية من خلال محاور هجوم رئيسية وأخرى ثانوية أو تثبيتية، أو تظليلية، بينما تقوم فصائل المقاومة بصده ومنعه من التقدم، وهناك خسائر كبيرة في صفوف الجيش الصهيوني، حيث نجحت قواته الصهيونية في التقدم من ثلاث محاور رئيسية هي المحور الجنوبي من تقاطع صلاح الدين باتجاه وادي غزة وصولاً الى شارع الرشيد، وهذا المحور يحاول العدو من خلاله فصل شمال القطاع عن جنوبه، بينما يتقدم العدو بمحورين رئيسيين من الشمال الغربي (بيت لاهيا-العطاطرة) والشمال الشرقي في بيت حنون محاولاً التقدم الى داخل المدينة للوصول الى الانفاق والأسرى معاً، علماً بأن العدو أعلن بأنه أحكم تطويق شمال قطاع غزة، ولكن الحقيقة تقول بأن هناك خسائر كبيرة تكبدتها قواتهم المهاجمة، كما إن هناك ضغط كبير من أهالي الاسرى، وهناك ضغط عربي واسلامي كبير بدأ يضغط على الولايات المتحدة الامريكية، الأمر الذي يجعل جميع الخيارات مفتوحة بما فيها وقف القتال وتبادل الاسرى بضمانات دولية، ومنها استمرار الحرب بتكلفة باهظة لن يتحملها الكيان الصهيوني اقتصادياً وداخلياً واقليمياً وعالمياً، خصوصاً وإن قادة الكيان يقولون بأنها ستكون حرب طويلة.

إن هذا القصف الذي يقوم به العدو الصهيوني لتدمير المستشفيات والمدارس والكنائس والمنازل على أهلها جاء بعد أن فشل الاحتلال في مواجهة فصائل المقاومة في ميدان القتال، لذا فهذا القتل والتدمير هو جزء من الانتقام لرد الاعتبار لجيشهم، ولتهجير أهالي غزة، حيث يصف “نتنياهو” الحرب بأنها قضية حياة أو موت، كما أنه يحاول التسويق لشرق أوسط جديد، لذا فهو يعاني من ضغوط داخلية تتمثل بعائلات الأسرى التي تنادي بأطلاق سراح أبنائها، وكذلك تعاني من ضغط الأحزاب اليسارية التي تحمل نتنياهو المسؤولية الكاملة عما جاء في 7 أكتوبر/تشرين الأول، كما إن هناك خلافات كبيرة بين القيادة السياسية للكيان والقيادات العسكرية، الأمر الذي أجبر نتنياهو على حذف تغريدته التي يحمل فيها قادة الأجهزة الأمنية والاستخبارية مسؤولية الهزيمة، يضاف الى ذلك هناك ضغوطات خارجية تتمثل بالدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية التي تضغط لوقف القتال وفتح المعابر ودخول المساعدات الإنسانية والغذائية، لذا فحكومة نتنياهو وبن غفير سوف يتم الإطاحة بها عاجلاً أو أجلاً.