جاسم الشمري

استكمالا للجزء الأول من الدراسة المتعلقة بمرتكزات السياسة الأمريكية نحو العراق، وبعد أن ذكرنا المرتكزات الظاهرة، نتناول هنا المتركزات الخفية، أو غير الظاهرة:

ثانياً: المرتكزات الخفية
ويمكن تقسيمها على النحو العام الآتي:
أ‌. دينية عقائدية: ومنها حماية إسرائيل والتواجد في منطقة حيوية في الشرق الأوسط، مع ضمان نهاية تهديد النظام العراقي السابق للكيان الصهيوني!
ولا ننسى هنا مقولة بوش الابن الخالدة بعد انتهاء العمليات العسكرية لاحتلال العراق: إن الرب أمرني باحتلال العراق!
ومعلوم أن الولايات المتحدة الأمريكية تعد من أهم الدول الداعمة لإسرائيل والمؤيدة في نفس الوقت لقيام دولة فلسطين، فبالنسبة لواشنطن وتل أبيب يعد حلّ الدولتين وتطبيع الدول العربية مع إسرائيل هما مطلبان مترابطان لا ثالث لهما، وقد دفع فشل بعض الرؤساء الأمريكيين السابقين لإيجاد حلّ للنزاع عبر سياسة غريبة انتهجها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وهي سياسة قائمة على نهج أكثر جرأة وواقعية حيث عمل على دفع بعض الدول العربية لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل كخطوة أولى في مسلسل حلّ الدولتين.
والآن معلوم أن الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن من كبار الداعمين لإسرائيل، وعندما كان نائبا للرئيس باراك أوباما، نجح في إبرام الاتفاق العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل!

ب‌. استراتيجية: لم يكن في العراق قبل العام 2003 أي دور أمريكي فاعل، ولهذا كانت الخطة غير المعلنة هي ضمان موطئ قدم أمريكي في منطقة حيوية من الخليج العربي والشرق الاوسط، والنتيجة بعد الاحتلال، وجود آلاف العسكر والعديد من القواعد المحصنة في بغداد والغرب والجنوب والشمال، وهذه تضمن التواجد الأمريكي، والتحكم بنقطة قوة مهمة بيد الأمريكان، وبالذات مع تنامي التحركات الصينية والروسية في المنطقة.

– التشجيع والتمهيد عبر منطق القوة لسياسة التطبيع مع إسرائيل بعد تغييب العراق.
– ترتيب سياسة الإقرار بالتواجد الإيراني في العراق، أو بعبارة أدق التخادم الإيراني الأمريكي في العراق، والذي ربما جعل كل منهما المتحكم الأبرز في العراق، وكأن العراق قدم على طبق من ذهب لإيران.
– استمرار سياسة عدم الوضوح أو التناقض في التعامل مع إيران في الميدان العراقي، فمن باب تدعي سعيها لتقليص التدخل الإيراني، ومن باب آخر تتعاون مع القوى السياسية القريبة من إيران.
– دوام سياسة التغافل عن المليشيات، وتركها تعبث بأمن العراق وكأنه جزء من سياسة الفوضى المدروسة والهادفة لسحق الوطن والمواطن العراقي.
– تشجيع مفهوم سياسة دولة اللادولة في العراق، وترك العراق في حالة ضياع، وفي ذات الوقت تستمر في دعم العملية السياسية التي لم تثمر في الغالب العام عن بناء دولة مدنية أو دولة الحقوق أو دولة المواطنة أو لم تؤسس لديمقراطية حقيقية في العراق.

– تجاهل التزوير في الانتخابات: وفي نهاية أيار 2019 أعلن الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق يان كوبيتش، رصد عمليات “تزوير وترهيب” من مجموعات مسلحة في الانتخابات البرلمانية التي جرت 12 مايو/ أيار.
هذه السياسات المقصودة قادت إلى جملة من الكوارث منها:
– تنامي ظاهرة الطلاق: وبهذا الباب أكد المرصد الحريات للدفاع عن المرأة المعنفة ارتفاع معدلات الطلاق في البلاد منذ عام 2004 إلى مليون حالة بحلول 2020، نظراً لارتفاعها المستمر.

– تخريب المعامل والمصانع: تشير الأرقام الرسمية إلى وجود قرابة 30 ألف منشأة حكومية تحتاج إلى إعادة تحديث بالكامل وأغلبها تم تدميره خلال الحرب ومعظمها في محافظات كانت معرضة لهجمات المتطرفين وخاصة في نينوى.
– ضياع التعليم: سبق للجنة التربية البرلمانية في مجلس النواب العراقي أن أعلنت عن حاجة العراق الى 12 ألف مدرسة، وأكدت تشكيل لجان تحقيقية مـع الـشـركـات الوهمية التي أنيطت لها مهمة بناء وترميم المدارس والوسطاء الذين جاؤوا بها للتعاقد مع الوزارات المعنية.

– تدمير المنازل: تقارير وتقديرات ميدانية أكدت أن ما بين 120 إلى 180 ألف وحدة سكنية دمرت بالكامل في مدن بعض المحافظات في الموصل وكركوك وتكريت وديالى (شمال)، والأنبار (غرب)، وحزام بغداد، نتيجة العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش.

– نهب المليارات: في آذار 2021 أكد الرئيس العراقي برهم صالح، اليوم الأحد، أن مشروع قانون استرداد عائدات الفساد يتضمن إجراءات عملية استباقية رادعة، مشيرا إلى أن العراق خسر ألف مليار دولار منذ 2003 بسبب الفساد، ومنها 150 مليار هربت للخارج.

– الحشد والمليشيات: تعد مرحلة تشكيل ميليشيات الحشد الشعبي في 13 يونيو 2014 التطور الأكثر خطورة الذي ظهر على الساحة العراقية في هذا الإطار العسكري الميليشياوي، بعد فتوى «الجهاد الكفائي» التي أطلقها المرجع الشيعي علي السيستاني، بحجة محاربة تنظيم داعش في الموصل.

واستغلت غالبية الفصائل المسلحة والأحزاب الشيعية «الحشد الشعبي» كمؤسسة عليا ينضوي الجميع فيها، على أنها تمثل توجهًا شيعيًا مسلحًا.
وقبل ثلاثة أسابيع قال فالح الفياض رئيس هيئة الحشد إن:
كل دولة تطلق على الحشد الشعبي “مليشيا، قوات خارجة على القانون”، لن يكون للعراق معها اي تفاهمات بكل المجالات!
وهذا تدخل واضح في السلطات التنفيذية للحكومة!

– الاعدامات: تستمر في العراق خطط تنفيذ عقوبة الإعدام، وهي عقوبات بعيدة عن روح القانون لأنها في الغالب انتقامية وليست عدلية! فضلا عن خراب المؤسسات الإصلاحية وغير ذلك من الصور البشعة التي مليء بها العراق بعد العام 2003.
– وأخيرا – وبعد خراب البصرة – نجد أن واشنطن تقر بالعملية السياسية وكأنها عملية سياسية ناضجة وصحية، وتتغاضى عن المظاهرات الشعبية التي عمت العراق منذ نهاية العام 2011 وحتى اليوم، وكل ذلك على حساب أرواح العراقيين وحرياتهم وكرامتهم وحتى انتمائهم للعراق!
العملية السياسية في العراق كانت نتيجة لمجموعة أكاذيب، والقاعدة القانونية العقلية الشرعية تقول، ما بني على باطل فهو باطل!

خلاصة الكلام وبعيدا عن المرتكزات الخفية والظاهرة أتصور أن أمريكا مسؤولة مسؤولية أخلاقية وقانونية عن كل ما جرى ويجري في العراق منذ العام 2003 وحتى اليوم، وهي التي يفترض عليها مساعدة العراقيين للخلاص من الحالة السلبية القائمة.

مقال خاص براسام