يتحدث وليد حامد، مدير إدارة البيئة في جنوب العراق عن إحصاءات وزارة الصحة، التي تشير إلى تسجيل ألفي حالة إصابة بمرض السرطان سنويًا، بسبب مصانع النفط التي تفرز غازات سامة في الهواء بسبب عمليات استخراج النفط من حقول البصرة. حامد انتقد شركات النفط لتجاهلها المعايير والضوابط البيئية والصحية المعتمدة.
تزايدت الدعوات لمعالجة هذه الأزمة الصحية، ففي عام 2018 أعلن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في البصرة عن تسجيل حوالي 800 حالة إصابة بمرض السرطان شهريًا في المحافظة. رقم أكده المكتب في الرابع من يناير / كانون الثاني، قائلًا: ” إن المحافظة تتصدر المدن العراقية في حالات الإصابة بالسرطان. إذ تم تسجيل ما بين 600-700 إصابة شهريًا خلال عام 2020″.
وفي عام 2019، صرحت جمعية البيئة والصحة العراقية في لندن بأن صناعات الغاز والنفط في العراق، فشلت في تحمل مسؤوليتها المرتبطة بالتداعيات البيئية لمشاريع النفط. رغم ما تنطوي عليه هذه الصناعة من مخاطر وأضرار صحية جسيمة.
ورغم هذه الإحصاءات والنظريات التي تثبت العلاقة الوطيدة بين الإصابة بمرض السرطان وعمل الشركات النفطية، إلا أن ذلك لم يمنع المتحدث باسم وزارة النفط عاصم جهاد من التصريح لـ”المونيتور” قائلًا: “إنه على الرغم من أن صناعة النفط والانفجارات النفطية تلوث البيئة، إلا أنه ليس من الصواب إقامة صلة بين حالات السرطان والتلوث النفطي”. كما زعم أن العلم لم يثبت أن هذه الصناعة هي السبب وراء ارتفاع حالات الإصابة بمرض السرطان في المحافظات الجنوبية، بما فيها البصرة.
ويرى جهاد “أن العديد من هذه التقارير تتجاهل أو تتغاضى آثار الحروب التي شهدها العراق، من ضمنها الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت لثمان سنوات، وكذلك حرب الخليج التي استخدمت فيها أسلحة محظورة، كاليورانيوم المخصب. إضافة لملايين القنابل والمتفجرات ومخلفات الحرب الملوثة التي لا تزال تهدد حياة سكان المحافظة. آثار الملوثات العسكرية والكيميائية لاتزال موجودة منذ عقود، ولا يمكن إزالة آثارها بسهولة”.
جهاد أضاف قائلًا: “إهمال معالجة هذه التلوثات ومخلفات الحرب، هو السبب الرئيسي في وفاة عشرات الأشخاص سنويًا. لقد قمت شخصيًا بزيارة مستشفى البصرة لأمراض السرطان، واستمعت إلى دراسة قدمها طبيب، أثبتت أن مخلفات الحروب والأسلحة المحرمة وآثارها المدمرة هي من الأسباب الرئيسية لحالات السرطان في المحافظة. الوزارة تهتم بمعالجة التلوث البيئي، وتسعى لمعالجته، عبر وقف حرق الغاز نهائيًا بحلول عام 2025، من خلال التعاقد مع شركات عالمية في البصرة وميسان وذي قار. إضافة للاستثمار في 50% إلى 60% من الغاز المصاحب”.
وردًا على الاتهامات الموجهة للشركات العالمية، يقول جهاد إن “هذه الشركات تعمل على تطوير حقول النفط وفق أدق المعايير البيئية والصحية، وهي معروفة بالتزاماتها بهذا الصدد”. مضيفًا “أن وزارة النفط ساهمت بشكل فعال في تحسين الوضع الصحي في العراق عبر الدعم المالي وتوفير معدات وأدوات جيدة للمستشفيات المختصة في علاج الأمراض السرطانية. وتجهيزها بأجهزة الفحص المبكر للكشف عن هذه الأمراض. إضافة لتحمل تكاليف تحديث وبناء وحدات متطورة في المستشفيات”.
لكن، خلافًا لوجهة نظر وزارة النفط. يؤكد رياض عبد الأمير، المدير العام لإدارة الصحة العامة بوزارة الصحة، “أن الوزارة لا تملك أي إحصائيات عن المواطنين الذين توفوا بسبب أمراض السرطان الناتجة عن صناعة النفط”. كما “أنه لا توجد أي دراسة علمية تثبت وجود صلة بين حقول النفط والسرطان”.
وتأكيدًا لارتفاع حالات الإصابة بالسرطان، يقول علي البديري النائب العراقي “إن الدراسات الاستقصائية التي قام بها، تؤكد ارتفاع حالات الإصابة بالسرطان في المحافظات النفطية، وفي مقدمتها محافظة البصرة”، لكن دون وجود دليل على أن التوهجات النفطية هي السبب في ذلك.
البديري أكد “أن الشركات العاملة في قطاع النفط لا تملك أي معايير صحية متبعة، كما أن الفساد المستشري في وزارة النفط وانعدام المتابعة والمحاسبة أدى لانتشار هذه الأمراض الفتاكة والخطيرة، بسبب عدم الالتزام بالمعايير البيئية التي أقرتها القوانين”.
أما الدكتور حيدر سلمان، من مديرية صحة البصرة، فيعتقد أن هناك علاقة فعلية بين ارتفاع حالات السرطان والنشاط النفطي. مشيرًا إلى “أن الغاز غير المستخدم والاحتراقات، يؤديان إلى مشاكل بيئية كبيرة على المستويين المحلي والعالمي. كما “أن شركات الغاز تحجم عن احتواء كل إفرازاتها المحترقة، ما يؤدي لانبعاثات تلوث البيئة وتوفر حاضنة لأمراض السرطان”.
الدكتور سلمان يقول “إن البصرة شهدت أمطارًا كبريتية حمضية في 2018، أدت لتسمم 4500 شخص في ثلاثة أيام فقط. اكتظت المستشفيات حينها، وسط صمت وسائل الإعلام التي لم تسلط الضوء على هذه القضية”.
أما في الرابع من مايو / أيار، فقد كشف أطباء عراقيون عن ارتفاع مقلق في حالات السرطان في كل من البصرة وميسان والناصرية.
علي البياتي، عضو مفوضية حقوق الإنسان العراقية، يقول للـ”المونيتور”: “إن هناك تقصيرًا في الاهتمام بالأوضاع الصحية لسكان المناطقة المحيطة بحقول النفط. ويتجلى ذلك في استغلال المزايا الاجتماعية التي تمنحها شركات الترخيص النفطي في مشاريع لا تدعم القطاع الصحي. إضافة لفشل هذه الشركات في الوفاء بالتزاماتها المنصوص عليها في عقود جولة التراخيص، في ظل غياب الرقابة. حيث أنها لم تزل بعد آثار التلوث المرتبط بعمليات الحرق والاستخراج”.
لذلك، فمن الواضح أن هناك خلاف وعدم إدراك بين وزارتي النفط والصحة عندما يتعلق الأمر بانتشار السرطان وحرق النفط والغاز. إلا أنه من المؤكد أن التلوث البيئي في مناطق حقول النفط لم تتم معالجته بعد، خاصة بالنظر إلى أن العراق يعاني بالفعل من انهيار مؤسساته الصحية واستمرار الخلل الواضح في الخدمات المتعلقة بالمياه والكهرباء بشكل عام.

عدنان أبو زيد / المونيتور
ترجمة وتحرير: راسام