الباحث: حسين صالح السبعاوي
بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا في ٢٤ شباط ٢٠٢٢ تحت ذريعة حماية الأقليات الدينية والقومية الروسية من النظام الحاكم وتجريد أوكرانيا من السلاح وإزالة أثر النازية منها – حسب زعم فلاديمير بوتين الرئيس الروسي – لكن هذا الغزو لم يستند إلى أي شرعية دولية لا من الأمم المتحدة ولا بقرار من مجلس الأمن بل على العكس فقد نددت الأمم المتحدة بهذا الغزو الغير مبرر كما ندد الاتحاد الأوروبي وبقية المنظمات الدولية، وقد سبق الغزو اعتراف روسيا من جانب واحد بجمهورية دونيتسك الشعبية وبجمهورية لوغانسك الشعبية في ٢١ شباط، بينما تعتبر أوكرانيا أن هذه المناطق تابعة لها فيها مجموعة انفصالية تدعمهم روسيا فقط ولم يعترف بالجمهوريتين أحد في العالم.
هناك اوجه شبه كثيرة بين الغزو الروسي لأوكرانيا والغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣ وهناك أيضا اوجه اختلاف، ومن أوجه الشبه بينهما:
١- كلا الاحتلاليين الروسي لأوكرانيا والأمريكي للعراق لا يستندان إلى شرعية دولية فلا يملك أياً منهما قراراً من مجلس الأمن أو قرارا من الأمم المتحدة .
٢- اعتمدت الدولتين – روسيا وأمريكا – في احتلالهما على مجموعة أكاذيب بانت ما بعد الاحتلال، فأمريكا ادعت بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل سرعان ما ثبت بأنه مجرد افتراء، وكذلك روسيا ادعت بأنها تدخلت لتخليص أوكرانيا من النازيين الجدد ونزع أسلحة أوكرانيا بينما في اليوم الثاني من الغزو طالب بوتين العسكر الأوكراني بالانقلاب على السلطة المنتخبة لغرض التفاهم معهم.
٣- ما قامت به دولة بيلاروسيا مع روسيا أشبه بما قامت به إيران مع الولايات المتحدة في غزوها للعراق .
٤- صناعة ما يسمى بالمعارضة لإضفاء الشرعية على الغزو، حيث قامت أمريكا بتشكيل ما يسمى (المعارضة العراقية) في الخارج لتجلبهم معها في الغزو ومن ثم تسليمهم السلطة، كذلك قامت روسيا بدعم الانفصاليين في دونباس و لوغانسك لغرض استخدامهم في الغزو وهذا الذي حدث.
٥- ردة الفعل السريعة من قبل العراق وأوكرانيا في مقاومة المحتل، فمنذ الساعات الأولى للغزو الأمريكي للعراق بدأت المقاومة في مواجهة المحتل، كذلك بالنسبة للشعب الأوكراني كانت ردة فعله سريعة في مقاومة الغزو الروسي لبلادهم .
٦- الحسابات الخاطئة لأمريكا وروسيا في احتلالهما للعراق وأوكرانيا، فكلاهما كانا يعتبران الحرب نزهة واحتلال الدول مجرد ساعات وتستسلم، لكن جاءت الأحداث على غير ما كانوا يتوقعون، فكلاهما تورطا في مستنقع كان ثمنه غاليا أكبر مما كانوا يتوقعون.
٧- استخدام الأسلحة المحرمة دوليا من قبل الطرفين ضد العراق وأوكرانيا خاصة القنابل العنقودية والفسفورية.
أما أوجه الإختلاف بينهما :
١- بالنسبة لأمريكا قامت بتشكيل تحالف أكثر من ثلاثين دولة في غزوها للعراق أما روسيا فهي قامت بغزو أوكرانيا بمفردها وتساندها بيلاروسيا فقط لحد الآن.
٢- صدرت عقوبات إقتصادية عديدة ضد روسيا من أمريكا وأوروبا وكانت عقوبات قاسية ضد العملة الروسية ( الروبل ) حتى فقد قرابة ٤٠% من قيمته، وصدرت عقوبات أخرى ضدها بما فيها من الفيفا وحرمت من المشاركة في الملاعب الدولية ومنعت من المشاركة في كأس العالم لعام ٢٠٢٢ بينما أمريكا لم يصدر بحقها أي عقوبة في غزوها للعراق وهذا يثبت قوة النفوذ الأمريكي على مستوى العالم على خلاف النفوذ الروسي.
٣- بالنظر إلى المنظمات الإنسانية والحقوقية واستقبال اللاجئين والنازحين نجد أن هناك ازدواجية واضحة وعنصرية مقيتة من قبل الغرب بالتعامل مع المهجرين العراقيين والعرب والمسلمين عموما على خلاف تعامله مع المهجرين الأوكران، وهذا يثبت كذب شعاراتهم حول حقوق الإنسان والإنسانية عموما، ومن أبرز التصريحات العنصرية ما قاله مراسل قناة cbs بأنه ” لا يمكن التعامل مع المهاجرين الأوكران كما هو مع المهاجر السوري والعراقي والأفغاني…” إضافة لذلك تلك التصريحات المسيئة لرئيس وزراء بلغاريا للمهاجرين العرب على خلاف تعاطفه مع المهاجر الأوكراني .
إن هذه الازدواجية في المعايير أفقدت ثقة الشعوب المضطهدة بالمجتمع الدولي ومنظماته الحقوقية والإنسانية فهي تنتفض في مكان وتصمت في مكان آخر على ما يجري من انتهاكات، لكن يبقى الغرب هو الخاسر من هذه الازدواجية لأنها ستكون على حساب (القيم الإنسانية) التي تبناها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فاليوم هناك تراجع كبير لدى الحضارة الغربية التي تأسست على احترام حقوق الإنسان بغض النظر عن اللون والجنس والمعتقد ولم يبق لهذه الحضارة سوى المعالم المادية والتطور الصناعي والعسكري الذي من الممكن أن يكون وبالاً عليها إذا ما ضبط بقوانين وتشريعات تحترم سيادة الدول وتحافظ على حقوق الإنسان دون تمييز وما هذه الحرب الدائرة الآن بين روسيا وأوكرانيا إلا بسبب التراجع الحضاري لدى الغرب وفقدان المؤسسات الدولية دورها في فض النزاعات وتفادي الحروب بينما على العكس نجد الولايات المتحدة أحد المحرضين على هذه الحرب وعلى جميع الصراعات التي يعيشها العالم اليوم خاصة في مناطقنا العربية من أجل فرض هيمنتها وتسويق أسلحتها المكدسة وبيعها على الأطراف المتنازعة خدمة لمصالحها الخاصة حتى لو كانت على حساب دماء وأرواح الشعوب المستضعفة لهذا نجد أن القاسم المشترك بين الاحتلالين الروسي لأوكرانيا والأمريكي للعراق هو غياب الشرعية الدولية وانتهاك القوانين من قبل الدول الكبرى من أجل فرض هيمنتها على الدول الأخرى ونهب خيراتها وانتهاك سيادتها ومن ثم تنصيب حكومات أشبه بالدمى تتحكم بها كيف ما تريد حسب مصالحها متجاوزة ميثاق الأمم المتحدة الذي دعا إلى احترام سيادة الدول وعدم التدخل بشؤونها .
مقال خاص براسام

