الباحث: حسين صالح السبعاوي

إن الأطماع الفارسية في المنطقة العربية ليست وليدة هذا العصر بل قديمة تمتد من عهد الميديين ما قبل الإسلام عندما اجتاح الفرس العاصمة الاشورية “نينوى” وأحرقوها سنة ٦١٢ ق م، إلى الخمينية الفارسية سنة ١٩٧٩، مرورا بالكسروية الزرادشتية، والصفوية، فجميع حكام هذه الفترات – ولا يزال حكام عصرنا – تبنوا العداء للعالم العربي والإسلامي، مستخدمين عدة ذرائع في عدائهم للعرب منها العداء القومي، ومنها الطائفي، وكل هذا من أجل إعادة امبراطوريتهم التي قضى عليها المسلمون سنة ١٦ هجرية.
كان البعض يتوقع أن هذا العداء الفارسي سوف ينتهي بعد رفع الخميني شعار (الإسلام) إلا أن الفرس ازدادوا حقداً وكرهاً للعرب المسلمين وبدأوا بهدم الإسلام من الداخل من خلال تبني الأفكار الباطنية الهدامة والطائفية المقيتة وقد ظهرت عشرات الحركات الباطنية مثل ( الاسماعيلية، والسبعية، والقرامطة، والحشاشون وغيرهم الكثير ) كلها عملت على تشويه الإسلام وهدم دولته من الداخل .
ولم يتوقف عداء الفرس عند الدول المجاورة لهم فحسب، بل تعداها إلى اليمن والشام وأفريقيا وأينما وجد الإسلام صار هؤلاء سكينا في خاصرته، وذلك من خلال التحالف مع الصليبية سواء في العصور الوسطى كفرنسا و البرتغال أو في العصر الحديث كأمريكا وبريطانيا وخصوصا بعد عام ١٩١٧، ومن شدة عدائهم للعرب جعلوا من أنفسهم أدوات بيد القوى الدولية تستخدمهم كما تريد من أجل أن ينالوا ما يريدون من المنطقة، وكلاهما – الفرس والصليبيين – يجمعهم العداء للعرب والمسلمين، فلا قوانين تردعهم ولا شرائع تمنعهم ولا أعراف توقفهم، وكأن هذا العداء أصبح قضية جينية داخل الشخصية الفارسية يتوارثونه جيلا بعد جيل بغض النظر عن نوع النظام الحاكم سواء كان قوميا فارسيا كما هو الحال مع نظام الشاه، أو “إسلاميا” طائفيا كما هو الآن في الحقبة الخمينية، فهم يتحالفون مع أي جهة سواء كانت شرقية أو غربية من أجل تدمير المنطقة العربية، لهذا نلاحظ أن الفرس، وبغطائهم الطائفي، لم يشاركوا في أي فتح إسلامي، بل العكس تجدهم متواطئين مع كل عدو يحارب العرب والمسلمين، وهنا لابد من الإشارة إلى حجم التدخل ومحاولة الهيمنة على منطقة الخليج العربي، وسوف أختصر ذلك على التاريخ المعاصر فقط، أي ما بعد الحرب العالمية الأولى ١٩١٧م ، وسوف أتجاوز الهيمنة الإيرانية على العراق لأنها أصبحت واضحة معلومة للجميع وقد كتبت سابقا عدة مقالات عن هيمنة إيران على العراق:
الأحواز العربية : بغطاء ودعم بريطانيا إستطاع شاه إيران من ضم كامل الأحواز العربية إلى إيران وأسر أميرها الشيخ خزعل الكعبي عام ١٩٢٥ وإيداعه في السجن حتى مات كمدا عام ١٩٣٦، وما زالت الأحواز العربية تعاني من هذا الاحتلال إلى يومنا هذا، بينما لا يوجد أي موقف دولي سواء من مجلس الأمن أو الأمم المتحدة يدين هذا الاحتلال ويرفضه.

الكويت : عانت الكويت كثيرا من التدخلات الفارسية في شؤونها الداخلية خاصة في الحقبة الخمينية بعد عام ١٩٧٩، كان أبرزها محاولة إغتيال أميرها الشيخ جابر الأحمد الصباح سنة ١٩٨٥ من قبل عملاء إيران ثم تلتها اختطاف الطائرة الكويتية سنة ١٩٨٦، ثم حدثت عدة تفجيرات ارهابية نفذها أشخاص مرتبطين بالحرس الثوري الإيراني راح ضحيتها العشرات من المواطنين وآخرها ما يعرف “بخلية حزب الله” أو “خلية العبدلي” سنة ٢٠١٥، حيث عثر على أطنان من الأسلحة والمتفجرات في أحد المزارع في مدينة العبدلي شمال الكويت وقد ألقت السلطات الكويتية القبض على المجرمين وهم من حزب الله اللبناني المرتبط بإيران مع ضابط إيراني.
وما زالت الكويت تعيش حالة الخطر والتهديد سواء من جهة البحر أو من جهة الحدود الشمالية التي أصبحت أشد خطرا بعدما هيمنة إيران على العراق.

البحرين : تعتبر إيران بأن البحرين محافظة من المحافظات الإيرانية وهذا منذ عام ١٨٤٠، وبقيت تطالب بها في المحافل الدولية، كما خصصت لها مقعدين في برلمانها شغلهما: عبدالله الزبرة وعبد الحميد العليوات، وهما من الإيرانيين الذين هاجروا إلى البحرين. بقيت البحرين تعاني من الضغط الإيراني حتى شهر آب ١٩٧١، حيث أثبت الإستفتاء الشعبي رغبة البحرينيين في الحصول على الاستقلال عن إيران، وصادق مجلس الأمن الدولي على نتائج الإستفتاء، لكن استمرت إيران في مطالبتها بالبحرين رغم قبولها لقرار مجلس الأمن. وقد صرح بذلك عدة مسؤولين إيرانيين منهم شريعتمداري حيث قال ( أن للبحرين حسابا منفصلا عن دول مجلس التعاون الخليجي، لأنها جزء من الأراضي الإيرانية )، واليوم أنشأت جمعية الوفاق البحرينية مرتبطة بإيران ويرأسها “علي سلمان” وتطالب بقلب النظام، وقد قامت بعدة أعمال شغب من أجل قلب النظام وآخرها عام ٢٠١١، لو لا أن أرسلت المملكة العربية السعودية قوات درع الجزيرة التي استطاعت السيطرة على أعمال الشغب وتثبيت النظام الملكي في البحرين.

الإمارات العربية المتحدة: في ٣٠ تشرين الثاني عام ١٩٧١ غزت إيران عسكريا، وتحت الحماية البريطانية، ثلاث جزر عربية، هي طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، وفر سكان هذه الجزر إلى إمارات وساحل عمان هربا من البطش الفارسي، وقد جاء هذا الاحتلال للجزر العربية بعد ثلاثة أشهر من تنازلها عن المطالبة بالبحرين، وهذا دليل على الدور البريطاني في مساعدة إيران لإحتلال الجزر العربية مقابل التخلي عن البحرين، سيما أنها احتلت الجزر بعد ٤٨ ساعة من انسحاب بريطانيا من الخليج، وكأنها استبدلت منطقة بأخرى بالتنسيق مع القوات البريطانية المنسحبة، كما حدث عام ١٩٢٥ عندما احتلت الأحواز بالتنسيق مع الأخيرة.
وعندما جاء نظام الخميني إلى السلطة استبشرت الإمارات خيرا بأن هذا النظام “إسلامي ” ويمكن التفاهم معه بخصوص عودة الجزر الثلاث إليها، لكنها تفاجأت بالرد الإيراني بأن جميع دولة الإمارات كانت تابعة للدولة الإيرانية وأن المطالبة بالجزر الثلاث يعد “وقاحة” ويمكن أن يؤدي إلى حرب بين الدولتين.

عمان: هناك عدة جزر عربية سيطرت عليها إيران ومنها جزيرة ( صرى) عام ١٩٦٤، وشيدت عليها مطاراً عسكريا، وجزيرة ( إهنيجم ) عام ١٩٥٠، كما احتلت إيران جزيرة ( الغنم ) التابعة لسلطنة عمان، وهذه الجزر واقعة على مضيق باب السلام ( هرمز ) وجميع هذه الجزر عربية تابعة لدولة عمان سابقا.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف هيمنت إيران على هذه المناطق وما هي الوسائل التي استخدمتها ؟ والجواب:
١- كان لبريطانيا دور كبير في تمكين إيران وفرض هيمنتها على المنطقة، خاصة في ما حدث مع الأحواز العربية سنة ١٩٢٥ وما حصل عام ١٩٧١ ضد الجزر العربية وسيطرة إيران عليها.

٢- قضية الهجرة والتجنيس في دول الخليج العربي، سيما أن هذه الدول عندما استقلت كانت قليلة السكان وتمتلك مساحات واسعة من الأراضي قياسا لسكانها الأصليين، إضافة لاكتشاف النفط فيها في بداية القرن العشرين مع وفرة مالية كبيرة، وقد أرسلت إيران الكثير من مواطنيها بحجة العمل أو الاستثمار إلى هذه الدول، وبمرور الزمن حدث تزاوج بين المهاجرين والسكان الأصليين وقد مُنحوا الجنسية، مما أدى إلى تغيير ديمغرافي في السكان مع تغيير ثقافي، ومن الجدير بالذكر أن الشخصية الإيرانية تؤثر ولا تتأثر بغيرها من الثقافات، علما أن نسب المجنسين في دول الخليج العربي تتراوح ما بين 20-60% حسب الإحصائية المتداولة.

٣- الأقليات الدينية الطائفية في دول الخليج وخاصة من الشيعة الاثني عشرية المرتبطين بإيران سهلت تغلغل إيران، لا سيما وأن هذه الطوائف يعتبرون الخميني والخامنئي مرجعيتهم الدينية فيجب أن يطاعا حتى لو كان على حساب الوطن الذي يعيشون فيه، وهؤلاء أصبحوا حاضنة لمشروع ولاية “الفقيه الفارسي”، والكثير منهم الآن خلايا نائمة تنتظر أي أوامر تأتي لهم من “المرشد” للقيام بأعمال الشغب وإثارة الفوضى في بلدانهم.

٤- التجارة والاستثمار، حيث لجأ الكثير من المستثمرين الفرس إلى التخفي تحت غطاء أعمال تجارية في دول الخليج وخاصة في دولة الإمارات، حيث يبلغ حجم التجارة بين الدولتين أكثر من عشرين مليار دولار سنويا، وهؤلاء أصبحوا لوبيا مهما له تأثيره على الشأن السياسي، فضلا عن الشأن الاقتصادي من خلال العلاقات التي نسجوها في تلك الدول التي يقيمون فيها.

الخلاصة:
إن معظم دول الخليج العربي مهددة في أمنها القومي وباستطاعة إيران قلب أي نظام فيها أو فرض الهيمنة عليها كما هو الحال في العراق سيما أن الحليف الدولي لهم هو الولايات المتحدة الأمريكية التي لا يؤمن غدرها، كغدر بريطانيا سابقا، وقد تكررت تصريحات عدة مسؤولين بأن القوات الأمريكية ممكن أن تنسحب من المنطقة في أي لحظة، ولأن دول الخليج لا تملك مشروعا لمواجهة الخطر الإيراني سوى الاعتماد على الحليف الأمريكي، الذي لا يؤمن جانبه كما قلنا، ستكون المنطقة لقمة سائغة لإيران.

مقال خاص براسام