أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

الكتاب والصحفيون:

كان لفئة المثقفين الأثر الكبير في دفع عجلة التطور الفكري والفني للصحافة عبر تاريخ النضال السياسي، وقد تجلى ذلك في المنشورات وإصدار الصحف قبل الثورة وأثنائها لا سيما أن المحتلين حاولوا من جانبهم تجريد الفئة المثقفة الواعية من وسائل العمل الفعال عن الجماهير. ومن هذه الوسائل المطالبة بحرية الرأي وإصدار الصحف، فقد طالب رجال الحركة الوطنية منذ وقت مبكر من الاحتلال البريطاني للعراق بحرية الصحافة إذ جاء في منشور بعنوان (هذا بلاغ للناس) باسم (جمعية الدفاع المقدس السرية) المطالبة (إعطاء بعض الحريات للمطبوعات رغبة بالوقوف على أفكار أحرار العراق) كما احتجت (الجمعية العربية العراقية) على الإجراءات اتخذتها السلطة المحتلة والقاضية بمنع اصدار صحف وطنية حرة في مذكرتها المرسلة إلى مؤتمر الصلح في (فرساي) يوم ١٥/ أيلول/ ١٩١٩م إذ قالت: “نحتج على منع الكتاب من انشاء صحف سياسية واجتماعية” واحتج أيضا (حزب العهد فرع الموصل) على ذلك بكتابه المرسل إلى مركز الحزب في دمشق يوم ٣٠ تشرين الثاني ١٩١٩ ، قائلا: “وقد منعت السلطة المحتلة اصدار الجرائد الوطنية السياسية منعاً باتاً فلا يوجد الآن في جميع أنحاء العراق سوى الجرائد الرسمية”.

كان لثورة العشرين صحافتها، فقد كانت الصحف التي تصدر في بغداد والتي يرقى تاريخها إلى فترات تسبق هذا التاريخ بفترة فقد لعبت دوراً مهما حتى قيل أن هذه الصحف قد هيأت الأذهان للثورة، وذكرت شعب العراق وبقية الشعب العربي بأمجاده الخالدة وراحت تحضه على استعادة تلك الأمجاد والتصدي لجلاديه من المستعمرين المحتلين وعملائهم المأجورين، ومما لا شك فيه فإن اصدار هذه الصحف وفي تلك الفترة الحرجة وباسم الثورة إنما يشير إلى تحول نوعي في أسلوب نضال العراقيين، وإلى دور الفئة المثقفة.

أما أبرز الصحف والمجلات التي دعمت ثورة العشرين، فهي:

١ – مجلة اللسان: صدر العدد الأول منها في تموز ١٩١٩م حيث تولى الإشراف عليها المؤرخ علي ظريف الأعظمي الذي أطلق عليه هذا الاسم تيمناً بمجلته (لسان العرب) التي أصدرها في إسطنبول، كانت المجلة ملتقى العاملين في حقل الحركة التحررية الاستقلالية وتحديداً من أعضاء جمعيتي العهد السرية وحرس الاستقلال، وقد استمرت المجلة في الصدور فترة (١٤) شهراً، ثم قرر أعضاء حزب (جمعية) العهد السرية اصدار صحيفة يومية بدلاً من مجلة اللسان.

٢ – جريدة الفرات النجفية:

صدر العدد الأول من جريدة الفرات في ٢١ ذي قار عام ١٣٣٨هـ المصادف ١٨ أيلول ١٩٢٠م، أشرف على إصدارها الشيخ محمد باقر الشبيبي وجاء في ترويتها أنها جريدة سياسية أدبية تاريخية أسبوعية مؤقتة، وكانت تصدر بواقع أربع صفحات ومن الحجم الصغير، كانت تتحدث باسم الثوار وتعبر عن آرائهم وتتعقب أخبار المعارك في كل الجبهات، فتأتي على نشرها وتعلق عليها، وكانت ترد على تصريحات الحكام الإنكليز وتسفه أحلامهم. وكانت الصحيفة الوحيدة التي نشرت مقررات المؤتمر العراقي الذي عقد في دمشق في السابع من آذار ١٩٢٠ والذي نودي فيه باستقلال العراق، توقفت الجريدة عن الصدور بعد عددها الخامس.

٣ – جريدة الاستقلال البغدادية:

صدر العدد الأول من الجريدة في ٣٠ أيلول ١٩٢٠ وصاحب امتيازها هو عبد الغفور البدري، وجاء في ترويتها بأنها جريدة عربية حرة تصدر صباح الأحد ونشرت في افتتاحية العدد الأول خطة الجريدة ومما جاء فيها: “الاستقلال مشروع وطني حر يخدم أفكار العرب عامة والعراقيين خاصة، يدافع عما يدافعون ويطلب ما يطلبون ولا يبال إذا انزعج منه الخائنون”.

شارك في تحرير جريدة الاستقلال عدد من الكتاب والشعراء ومنهم محمد مهدي البصير وسليمان فيض وعبد الرحمن البناء وقاسم العلوي وآخرون، وفي ٩ شباط ١٩٢١ صدر العدد السادس والاربعون من الاستقلال وهو يحمل مطالب الشعب العراقي والتي لخصته في سبعة أمور، هي:
1- اطلاق حرية الصحافة وتطبيق قانون المطبوعات العثماني إلى ان يسن غيره وفقاً لنظام الاحتلال.
2- اطلاق حرية الاجتماعات وتشكيل اندية سياسية رسمية.
3- إصدار العفو العام الخالي من كل قيد وشرط عن جميع المجرمين السياسيين واطلاق سراح المسجونين.
4- ارجاع المبعدين والمنفيين والسماح للمشتتين بالرجوع إلى اوطانهم.
5- رفع الادارة العرفية العسكرية والاحكام الكيفية التي اتاحت على الشعب العراقي منذ الاحتلال حتى الان لتتمكن الأمة من التفاهم مع السلطات بكل حرية واطمئنان.
6- رفع المحاكم العسكرية والقضاة العسكريين والقوانين التي رتبت اخيراً وتطبيق القوانين الجزائية والحقوقية السابقة «بمقتضى الاحتلال أيضاً».
7- الاسراع في الانتخاب الحر وتشكيل المؤتمر العام من دون مداخلة رجال الاحتلال وبدون اي تضييق على افكار الاهالي بخصوص الانتخابات، هذا ما طلبه الشعب العراقي».

وحال صدور هذا العدد وتوزيعه أصدرت الحكومة قرارها القاضي بتعطيل الجريدة، وتم سجن هيئة تحريرها عبد الغفور البدري سنة كاملة ومحمد مهدي البصير تسعة أشهر وقاسم العلوي ستة أشهر ولم يطلق سراحهم إلا بأمر من الملك فيصل الأول.

٤ – جريدة الاستقلال النجفية:

صدر العدد الأول منها في ١ تشرين الأول ١٩٢٠م. تولى كل من محمد عبد الحسين وعبد الرزاق الحسني مهمة الإشراف على الجريدة وحددت افتتاحية العدد الأول من الجريدة كأهداف الصحف الوطنية الصادرة خلال الثورة بالعمل على “رد أضاليل المحتلين وتهمهم” ونشر “مظالمهم البربرية” ورفع الستار عن حقيقتهم وتوضيح مطالب الأمة المشروعة لدى العالم، وإذاعة أنباء المعارك والحوادث المحلية وأرادت الاستقلال من خلال مقالاتها أن تكون وسيلة توقف الأمة على الحالة السياسية، صدر العدد الثامن والأخير من الجريدة في ١١ تشرين الأول ١٩٢٠م.

وخاتمة القول:

على الرغم من قلة الصحف الصادرة خلال هذه الفترة وقصر عمرها إلا انها تعد مؤشراً مهماً لما حدث من تحول نوعي ملموس في نضال العراقيين وأسلوب تحركهم السياسي بعد الحرب العالمية الأولى.

خلاصة مما تقدم:

تبين أن للمثقفين دور بارز في نهوض الحركة الاستقلالية في العراق لا سيما أنهم أدركوا مختلف الجوانب المتعلقة بطبيعة السلطة السياسية. حيث نشطت الفئة المثقفة في إماطة اللثام عن حقيقة المستعمر البريطاني وفي فضح السياسة الإدارية والمالية التي وقعت عبئاً ثقيلاً على كاهل الشعب العراقي، وتمكن المثقفون من إذكاء روح العداء للمحتل وبيان انعدام الشعبية والدينية معه.

– عمل المثقفون بشكل حثيث من أجل إرساء قاعدة تحالف جماهيري واسع شمل العراق كله تحت شعارات قوية وواضحة أصبحت الأساس المتين لانطلاق الثورة.
– نجح المثقفون في تعبئة الروح الاستقلالية لدى الجماهير وتوسيع الهوة بين المطالب الوطنية وأهداف المستعمر البريطاني، انعكست بشكل واضح على المرحلة التي أعقبت الثورة.
– التزام المثقفين بالحقوق السياسية والمدنية للمواطنين وسعوا إلى تحقيقها، فكان التزامهم بحرية الرأي والصحافة والنشر وتأليف الأحزاب والجمعيات ضمن الأهداف التي كانت محط أنظارهم.

من أهم المصادر المعتمدة:
أولاً: عبد الرزاق الحسني، الثورة العراقية الكبرى عام ١٩٢٠م.
ثانياً: محمد مهدي البصير، تاريخ القضية العراقية (جزأين).
ثالثاً: محمد مهدي البصير، ديوان (البركان)، (بغداد، ١٩٥٢م).
رابعاً: وميض جمال عمر نظمي، ثورة ١٩٢٠م الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية
الاستقلالية في العراق.
خامساً: علي البزركان، الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية.
سادساً: عبد الله الفياض، الثورة العراقية الكبرى ١٩٢٠م ، (بغداد، ١٩٦٣م).
سابعاً: ل، ن، كوتلوف، ثورة العشرين التحررية في العراق، ترجمة عبد الواحد كرم (بغداد، ١٩٧١).
ثامناً: المس، بيل كرترود، من تاريخ العراق القريب، ترجمة جعفر خياط، (بيروت، ١٩٧٠).
تاسعاً: محمد طاهر العمري، تاريخ مقدرات العراق السياسية، ج٣، ١٩٣٥م).
عاشراً: ساطع الحصري، مذكراتي في العراق، (بيروت،١٩٦٨م).

مقال خاص براسام