قراءة تحليلية في المشهد السياسي العراقي
النفوذ الإيراني وتأثيره في ملف تشكيل الحكومة:
إن خسارة الأحزاب السياسية التابعة لإيران “تحالف الفتح” لبعض نفوذها في الانتخابات البرلمانية التي جرت في أكتوبر/تشرين الأول عام2021م، جعلت إيران تعيد جميع حساباتها في العراق، على الرغم من إن الكتلة الصدرية التي فازت بالكتلة الأكبر تربطها علاقات جيدة مع إيران ولكنها ليست بمستوى الأولى، خصوصاً وإن مظاهرات تشرين عام 2019م، أظهرت مدى استياء الشارع العراقي الداخلي من النفوذ الإيراني، حيث تم حرق القنصلية الإيرانية في البصرة والنجف وكربلاء، بالأضافة الى حرق صور المرشد الإيراني في ساحات التظاهر، بعد أن رفع المتظاهرين شعار أيران بر، بره، ثم جاء مقتل “قاسم سليماني” وأبو “مهدي المهندس”، ليشكل ضربة ثانية للنفوذ الإيراني الذي عجز عن تعويضهم الى يومنا هذا وبدأ يعاني من تراجع خطير على مستوى الشارع الشيعي الذي يعتبرونه الحاضنة الشعبية لأحزاب الإسلام السياسي الشيعي التابع لإيران، ثم جاءت الانتخابات البرلمانية الأخيرة لتمنى الاحزاب السياسية التابعة لإيران بخسارة غير مسبوقة، وغير متوقعة غيرت حساباتهم بشكل كبير، مما جعلتهم يصفون الانتخابات بأنها مزورة، ويتهمون دول مثل الإمارات بتزوير الانتخابات، وطالبوا بإعادة العد والفرز اليدوي لصناديق الأقتراع، حيث جاءت النتائج مطابقة لما تم إعلانه من مفوضية الانتخابات، ليقبلوا بهزيمتهم على مضض، بعد أن تم تصديق نتائج الانتخابات في27كانون الأول/ ديسمبر عام2021 م، كما تقبلت إيران نتائج الانتخابات بأعتبارها أمر واقع.
إن خسارة حلفاء إيران لهذه الانتخابات دقت ناقوس الخطر لديها وجعلتها تعيد حساباتها في العراق، خصوصاً وإن هناك هذه الضربات المتتالية التي وجهت للنفوذ الإيراني في العراق أدت الى تقليص نفوذها سياسياً، الأمر الذي تخشاه إيران كونه سينسحب على الوضع الأمني والعسكري والاقتصادي في وقت حرج جداً تمر به طهران، حيث تقول صحيفة “الغارديان” البريطانية إن من مصلحة إيران استمرار الصراع على السلطة في العراق! لإعادة رسم المشهد السياسي بما يضمن تقوية الموالين لها في مؤسسات الدولة وفي الحكومة القادمة، لان بقاء هذه الاحزاب والميليشيات في السلطة يعني استمرار التبعية والولاء لإيران، التي تعتبر العراق بوابة الدخول الى المنطقة العربية، والرئة الاقتصادية التي تتنفس منها بسبب العقوبات الاقتصادية التي فرضت عليها بسبب الملف النووي، لذا فاستقرار العراق وبقائه تحت الهيمنة الإيرانية مهم جداً في هذه الفترة المهمة، وهذا يتطلب منع قيام أي حكومة خارج السيطرة الإيرانية، لذلك نراها مصرة بقاء أنصارها في منظومة الحكم ولا بديل عن هذا الخيار الاستراتيجي، وهذا ما جعل طهران تعمل بخطوات مدروسة للمحافظة على نفوذ الأحزاب السياسية والمليشيات المسلحة ضمن الإطار التنسيقي الذي تتكأ عليه في العراق.
إن هذه الأهداف جعلت إيران تعمل بدايةً على إيجاد انقسام داخلي كبير بين الكتل السياسية كافة لاضعافها وللمحافظة على نفوذها في العراق من خلال دعمها لانشقاق تحالف عزم عن تحالف السيادة، وكذلك العمل على تهديد المستقلين بالقوة والوعيد، وأستخدام المغريات لشراء الذمم والمواقف، كما عملت على تحريك أتباعها وحلفائها الذين عملوا على خلط الأوراق في الساحة العراقية وذلك بدايةً من الطعن و التشكيك بنتائج الانتخابات البرلمانية وصفها بالمزورة والمطالبة بإعادة العد والفرز اليدوي، وصولاً الى تحريك ميليشياتها المسلحة للقيام بشن هجمات متعددة بأستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة لضرب مقر السفارة الأمريكية في بغداد، وقاعدة “عين الأسد” بمحافظة الأنبار، وكذلك قاعدة “حرير” في مدينة أربيل، ناهيك عن القصف الإيراني المباشر لأهداف في كردستان العراق قالت عنها بأنها مقرات ومكاتب تابعة للموساد الإسرائيلي، وجميع هذه الأساليب استخدمتها إيران لكي تنجح في أثارة وخلق الأزمات للمماطلة في تشكيل الحكومة لكي تكسب الوقت اللازم لتحقيق أهدافها.
المحكمة الاتحادية العليا غيرت موازين القوى السياسية:
إن من الحقائق التي يجب أن نقف عندها هو إن إيران فقدت قدرتها على احتواء الجميع بسبب دعمها للإطار التنسيقي الذي يرتبط بالحرس الثوري الإيراني تنظيمياً، وبالولي الفقيه عقدياً، لذا فهو جزء من المشروع الإيراني في المنطقة، وهذا ما جعل إيران تميل أليه بشكل أو بأخر، كما إن هذا التقارب والولاء جعلها جزء من الصراع الداخلي المحلي مع بقية الأطراف السياسية التي تربطها علاقات جيدة مع إيران وبل وتعتبر نفسها حليفة لها ولكنها لا تنفذ كل ما يطلب منها، لذا يمكن لنا أن نقول بأنها فقدت قدرتها على التأثير على بقية الأطراف كما تفعل مع الإطار التنسيقي، كما إن عدم قدرتها على تعويض خسارتها بمقتل “قاسم سليماني “، جعلها تتخبط في التعامل مع القوى السياسية العراقية، كما إن قيامها بأستخدام نفوذها وعلاقاتها مع رئيس مجلس القضاء الأعلى “فايق زيدان” لدعم الإطار التنسيقي غير موازين القوى السياسية في الساحة العراقية والتي كانت في مصلحة الإطار، حيث تم وضع العصا في الدولاب بأصدار قرارات متعددة يمكن أن نصفها بأنها محل خلاف وجدل قانوني كبير، ومنها ألغاء خيار تعيين رئيس الجمهورية بالأغلبية البسيطة بعد أن فشل البرلمان في تحقيق نصاب الثليثين لبدء جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، وهذا يعني بأن الإطار التنسيقي نجح أيقاف عملية تشكيل الحكومة من خلال حصوله على الثلث المعطل الذي يمنع اكتمال النصاب القانوني لأنتخاب رئيس الجمهورية، ثم المضي لأنتخاب رئيس الوزراء.
وليت المحكمة الاتحادية العليا أكتفت بأصدار قرار الثلث المعطل فقط، بل أنها أصدرت قرارات متعددة أخرى جاءت لصالح الإطار التنسيقي، ومن هذه القرارات أستبعاد “هوشيار زيباري” عن المنافسة فيما يخص منصب رئيس الجمهورية بتهمة “إهدار المال العام والفساد واستغلاله منصبه الوظيفي”، في معركة يمكن أن نصفها بتكسير العظام بين المكونات السياسية، وقد جاء هذا القرار للضغط على حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني لتقديم تنازلات فيما يخص تشكيل الحكومة، وفيما يخص منصب رئيس الجمهورية لصالح حلفائها من حزب الأتحاد الوطني الكردستاني، ومما زاد من تعقيد الأزمة السياسية إن المحكمة الأتحادية العليا أصدرت قرارها المرقم(59)والذي يتضمن “عدم التعامل مع إقليم كردستان فيما يخص الملف النفطي،” لكون “القانون الذي تبناه برلمان الإقليم في كردستان عام 2007م لتنظيم قطاع النفط والغاز مخالف للدستور”، ولا أعرف لماذا صمتت المحكمة الاتحادية من 2007م الى2022م، على هذه المخالفة الكبيرة التي تضر بالمصالح العليا للدولة العراقية!، علماً بأن إصدار جميع هذه القرارات هي لخط الأوراق، وخلق مناخ مناسب لحلفائها في الحكومة القادمة، وبذلك تكون إيران قد نجحت في منع تشكيل حكومة عراقية خارج الأرادة الإيرانية، كما نجحت في إعادة سيطرتها ونفوذها من جديد من خلال الأطر الدستورية والقانونية التي عطلتها و وظفتها لمصالحها، علماً بأن هذه الخطوة هي التي استفزت الصدر وجعلته يقدم على سحب نواب كتلته من البرلمان العراقي مما زاد من تعقيد مسألة تشكيل الحكومة القادمة.
التخابر مع دولة أخرى ليست جريمة في العراق:
من المعروف والطبيعي بأن تكون العلاقات بين الدول حسب الأطر الرسمية التي حددتها العلاقات الدولية بين الدول، والتي غالباً ما تكون محصورة من خلال التمثيل الدبلوماسي المتبادل، ولكن عندما تنظر الى المشهد السياسي العراقي تجد بأن قضية التخابر وإقامة علاقات شخصية وسياسية وتجارية وعسكرية مع دول الجوار خارج الأطر الدبلوماسية قضية عادية لا يعاقب عليها القانون العراقي بعد عام2003م، والدليل على ذلك لم يحاسب أي شخص على هذا الموضوع الخطير، بل إن هناك من يعمل ضمن المؤسسة الأمنية والعسكرية العراقية ويقول بأنه يدين بالولاء للولي الفقيه في إيران دون حسيب أو رقيب، وهذا يعد انتهاك وتجاوز لكل الأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها بين الدول، ولو دققنا في هذا الأمر لوجدنا بأن إيران هي الدولة الأكثر تجاوزاً على سيادة العراق بسبب تدخلها في الشأن الداخلي العراقي وعلى جميع المستويات، لوجود طبقة سياسية وأجنحة مسلحة تعلن انتمائها وتبعيتها للولي الفقيه في إيران، لذلك نجد بأن قائد فيلق القدس الإيراني هو الذي يقوم بإدارة وتحريك هذه القيادات بما يتلائم مع المصالح الإيرانية.

