أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

مدخل:

يشكل التعليم أهمية متميزة في حياة الشعوب وبه يقاس تقدم المجتمع وتأخره، أما بالنسبة للعراق فالمسألة مختلفة تماما إذ عانى قطاع التعليم وبكل مراحله الدراسية من الحرمان والتخلف وتضارب وسائل التطبيق للعملية التربوية من أبنية ومدارس وكتب منهجية لاسيما الظروف التي مر بها العراق خلال ثورة نيسان – مايس ١٩٤١م وما أعقبها من الاحتلال البريطاني الثاني للعراق، والسياسة التي فرضتها السلطات البريطانية المحتلة في مجال التعليم التي اقتصرت على تخريج الموظفين الإداريين لتولي الوظائف الحكومية وليس لإعداد جيل مثقف ومن ثم ظل تطور هذا القطاع يجري ببطء شديد وفي حدود ضيقة جدا، فعلى سبيل المثال لم تتجاوز أعداد المدارس الابتدائية الموجودة في ألوية (محافظات) العراق وللسنة الدراسية ١٩٤٤ – ١٩٤٥ إلى (١٠٨) مدرسة، فضلاً عن تأثير ظاهرة عدم الاستقرار السياسي على الصعيد الرسمي وخلال المدة من (١٩٤٥ – ١٩٥٨م) من سرعة تبدل الوزارات، إذ جرى خلالها تشكيل (٢٥) وزارة وانعكاس ذلك على قطاع التعليم الذي عانى هو الآخر من المشكلة ذاتها لذا شغلت قضايا التعليم جانبا من مناقشات أعضاء مجلس النواب وخلال دوراته السبعة وللمدة من (١٩٤٥ – ١٩٥٨م)، إذ لم يترك النواب فرصة إلا واستغلوها ليؤكدوا من خلال مداخلاتهم ان التعليم هو أحد الأسس المهمة لإعداد جيل مثقف ومهيئ لبناء المجتمع وتطوره، كذلك عمل النواب على تسليط الضوء على أبرز السلبيات التي اعترضت سير العملية التربوية – كما سنرى – .

– التشكيلات الوزارية (١٩٤٥ – ١٩٥٨م) وأثرها على سير العملية التربوية:

مما لا شك فيه إن التغيير الوزاري لم تقتصر أبعاده السلبية على تغيير وزير المعارف فحسب، بل أنها تعدتها إلى الهدم الإداري للوزارة ذاتها، إذ كان التقليد السائد عند تبديل كل وزير أو مدير عام، فان هذا التبديل يسري على بقية الموظفين في الوزارة، وكان إصلاح المعارف متوقفا على تبديل الأشخاص لا على تحسين العملية التربوية واتقان عملية التعلم ونشر العلم، ومن ثم حاول كل مسؤول إداري في وزارة المعارف حال توليه منصبه الإداري القيام بمشاريع وحسب ما يوصي اليه اجتهاده في محاولة منه لإظهار مدى قدرته على العمل في المعارف، ففي الجلسة الثالثة والثلاثين لمجلس النواب في ٢٤ حزيران ١٩٤٧ أشار قاسم أمين ـنائب بغداد) إلى ذلك بقوله: “… كلما تأتي وزارة إلى الحكم تجد في وزارة المعارف بعض التغييرات في الأنظمة والوظائف، وبعد أن تذهب تلك الوزارة بعدها تقلب ما عملته قبلها …”.

لهذا نلحظ أن لهذه الظاهرة انعكاساتها السلبية على واقع عمل الوزارات، وبقدر تعلق الأمر بوزارة المعارف ساد طابع الارتجال على خطط هذه الوزارة وبرامجها التي لم يكتب لها النجاح لغياب أصحابها، فقد يحدث أن يفتح نموذج خاص من المدارس إلا انه سرعان ما يغلق في العام التالي.

ومن المفيد بالإشارة إلى أن وزارة المعارف قامت بتشكيل لجنة (المناهج العامة والتدريسات) التي أوكل إليها مراقبة تطبيق المناهج الدراسية في المدارس، لكن سبقت محاولة السلطات البريطانية محاولة تغيير المناهج وتحديداً بعد اخفاق حركة مايس ١٩٤١م، وهو الاحتلال البريطاني الثاني للعراق – لتغيير المناهج الدراسية عندما لاحظت سلطات الاحتلال ان تلك المناهج فيها توجها قوميا يدعو إلى وحدة الأمة العربية وتحرير أراضيها من السيطرة الاستعمارية. وبعدها تم تغيير المناهج في سنوات عام ١٩٤٥ و ١٩٤٦ و ١٩٥٧م.

شكلت الوزارة في عام ١٩٤٦ لجنة مشروع العشر سنوات التي أوكل إليها مهمة إعادة النظر في تطوير الجهاز التربوي وتطوير النظام التعليمي في العراق خلال العشر سنوات التالية من تاريخ تأليفها، حيث شخصت في تقريرها الصعوبات التي تقف حائلاً دون تنفيذ ما يعرف بإلزامية التعليم لعل أبرزها فقر السكان وعدم استقرارهم فضلا عن انعدام تأمين السكن المناسب في القرى والارياف وصعوبات أخرى.

وبرغم هذه السلبيات التي اعترضت مسيرة العملية التربوية وفي محاولة لتقويم هذه المسيرة تم استقدام عدد من الخبراء الأجانب عام ١٩٥٠م، في محاولة من الحكومة العراقية لدراسة تجربة التعليم الإلزامي وإمكانية تطبيقها في العراق، وأكد هؤلاء الخبراء في توصياتهم استحالة تطبيق التعليم الإلزامي في العراق واعتبروه “ضربا من الخيال”.

بحكم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي كان يعيشها العراق آنذاك، وتحقيقا للغاية ذاتها قامت الحكومة العراقية باستدعاء أحد خبراء منظمة اليونسكو في العام الدراسي ١١٩٥٦ – ١٩٥٧م وهو (هيوبرت هندرسن) الذي قدم من خلال تقريره احصائيات دقيقة عن واقع التعليم في العراق فيما يخص عدد التلاميذ والمعلمين ومعاهد اعداد المعلمين والمباني المدرسية وتمويل التعليم والدراسة والكتب وفي ضوء ذلك التحليل للنظام التعليمي وبيان نواحي القوة والضعف فيه قدم مقترحاته لرفع مستوى التعليم وتحسينه من الناحية النوعية مع خطة لتقييم التعليم والزاميته.

كما يلحظ أن الحكومة العراقية دأبت على إصدار عدد من الأنظمة والقوانين لتقويم مسار العملية التعليمية. نذكر منها نظام إدارة المدارس الابتدائية المحلية المرقم (٣٨) لسنة ١٩٥١م وبموجب هذا النظام أوكل إلى الإدارات المحلية في الالوية (المحافظات) العراقية مسؤولية افتتاح المدارس الإبتدائية والإشراف عليها وفق أحكام قانون المعارف والأنظمة الصادرة بموجبه، وكذلك النظام المرقم (٣١) لسنة ١٩٥٢م الذي نظم بموجبه الدراسة في المدارس الثانوية الرسمية، وكذلك قانون وزارة التربية والتعليم رقم (٣٩) لسنة ١٩٥٨م والذي بموجبه ألزم وزارة التربية والتعليم بفتح مدارس ودورات فنية وتجارية ذات درجات وحسب مقتضى الحاجة.

وبرغم تلك الجهود التي اضطلعت بها الحكومة العراقية ظلت الأمية إحدى أهم الآفات التي يعاني منها المجتمع العراقي التي بلغت ذروتها في عقد الخمسينات من القرن الماضي لتصل إلى ٩٢٪ ولترتفع هذه النسبة بين القبائل البدوية ولتصل إلى ١٠٠٪.

حاولت الحكومة العراقية الحد من تنامي هذه الآفة الخطيرة عندما قامت وزارة المعارف عام ١٩٣٩م بافتتاح صفوف مسائية في عدد من المدارس الابتدائية إذ وصلت أعداد الطلبة الملتحقين بها (١٦) ألف طالب، إلا أن هذه التجربة سرعان ما أصابها الإخفاق بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية وما رافق ذلك من تردي للأوضاع الاقتصادية لعموم سكان العراق مما أثر سلبيا على أعداد الملتحقين بهذه المدارس، مما أدى إلى تصاعد أعداد الأميين في العراق، وفي هذا المجال قدمت بعثة اليونسكو عام ١٩٥٣م تقريرها التي أوضحت من خلاله أن نحو ٦٦٪ من الطلاب و ٧٢٪ من الطالبات الذين يدخلون المدارس الابتدائية لا يحصلون على الشهادة الابتدائية فيما اكتفت مجاميع أخرى بالشهادة الابتدائية.

سوف نستعرض في الحلقات القادمة الواقع التعليمي في ضوء مناقشات مجلس النواب.

المصادر المعتمدة:

١ – صالح محمد حاتم: تطور التعليم في العراق ١٩٤٥ – ١٩٥٨م، دراسة تاريخية، كلية الآداب، (جامعة بغداد، ١٩٩٤م).

٢ – أحمد جودة، تاريخ التربية والتعليم في العراق وأثره في الجانب السياسي، دراسة تحليلية ١٥٣٤م، ٢٠٠٩م،
(بغداد،٢٠٠٩م).

٣ – محمد سعيد أبو طالب، تطور البحث التربوي من أجل التخطيط الابتدائي في العراق خلال الفترة ١٩٢٢ –
١٩٧٢م، (د. م. ١٩٧٤م).

٤ – خالد سليمان أحمد العبيدي تقويم التعليم الإلزامي في العراق، رسالة ماجستير، كلية التربية، (جامعة بغداد، ١٩٨٢م).