نظير الكندوري
بعد اجراء الانتخابات النيابية “المبكرة” بكل تداعياتها التي اسفرت عن مفاجئات غير متوقعة لكثير من الكتل السياسية الكلاسيكية المتنفذة في الشأن السياسي العراقي، بات واضحًا أن الوضع السياسي العراقي سائر لا محالة نحو أحد الخيارين أحلاهما مُر على العراقيين، وهما إما ذهاب الكتل السياسية جميعًا إلى التوافق فيما بينهم على تشكيل حكومة محاصصاتية جديدة خشية سقوط النظام السياسي بالكامل في العراق، أو الذهاب إلى حل خلافاتهم عن طريق الاقتتال الداخلي المسلح حتى ينتهي بفرض إرادة أحد الفريقين على الفريق الثاني. وفي الحالتين فإن العراق والعراقيين سيكونون الضحية الرئيسية.
بعد اكتمال العد والفرز الإلكتروني والذي اعقبه فرز يدوي لعدد من الصناديق، اتضحت أوزان الكتل السياسية بشكل نهائي. وأصبح واضحًا أن الكتلة الصدرية تتصدر جميع الكتل الشيعية بعدد المقاعد التي حصلت عليها، في الوقت الذي لم تحصل الأحزاب والمليشيات المقربة من إيران على العدد الكافي من المقاعد البرلمانية التي يجعل منها منافسًا قويًا للصدريين، لكن مع ذلك جاءت الانتخابات بمفاجئة أخرى تخص المقاعد التي حصل عليها نوري المالكي وكتلته السياسية “دولة القانون” والتي جاءت ثانيًا، وبالتالي فإن المالكي يحاول تكرار مشهد انتخابات 2010 حينما استطاع تشكيل تحالف نيابي كبير تمكن من خلاله سحب رئاسة الوزراء من أياد علاوي الفائز الأول في الانتخابات والاستئثار بها.
وحول هذا الشأن، كشفت مصادر سياسية، عن حراك واسع يقوم به المالكي لتشكيل تحالف كبير يضم أكثر من ست كتل سياسية لجمع نحو 90 مقعدا برلمانيا، للحصول على التكليف بتشكيل الحكومة المقبلة واقصاء التيار الصدري عنها، لكن جميع المؤشرات تُشير إلى أن مهمة المالكي في هذا الشأن ربما تكون شبه مستحيلة نظرًا لفارق عدد المقاعد النيابية بينه وبين الصدريين، وكذلك الرفض الكردي والسني للتحالف معه، وبالتالي فإن السيناريو الأكثر ترجيحيًا هو عدم سماح المليشيات الممثلة في تحالف الفتح بخروج الأمور عن سيطرتها وتولي التيار الصدري لمقاليد الحكم في العراق، لأن ذلك يعني بشكل أو بآخر، المغامرة بوجودهم ووجود ميليشياتهم والتخلي عن كل المغانم التي بحوزتهم، ومن المحتمل أن تتجه هذه الأطراف الخاسرة، نحو قيادة انقلاب عسكري على المنظومة السياسية، وإذا ما حصل ذلك فإن حربًا أهلية سوف تندلع بشكل كبير بين المليشيات المقربة من إيران وبين التيار الصدري المتحالف مع حكومة الكاظمي ومليشيات المرجعية (حشد العتبات).

صراع طويل الأمد
إن الخطورة في مثل هذا النزاع المسلح إذا ما اندلع، فإنه سيكون مرشحا للاستمرار لفترة طويلة، خصوصا إذا ما علمنا أن الطرفين سيتلقون الدعم من قبل أطراف دولية معروفة، لذلك من السهل أن نتوقع أن مثل هذا الصراع سيطول أمده لمديات غير معروفة، فمن جانب الأحزاب والمليشيات الولائية، من غير المرجح أن تسمح إيران بإزاحتها من المشهد العراقي، ولأجل ذلك فإنها ستدعمها بكل قوة، وبالمقابل فإن المجتمع الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة سوف تقوم بدعم الصدر وحكومة الكاظمي باسم دعم الشرعية ومكافحة الانقلابيين.
إن اندلاع مثل هذا النزاع الدموي، سوف لن يقتصر على الأطراف الشيعية، وستكون هناك احتمالية انخراط أطراف أخرى من المكون السني والكردي فيه، حيث إن لكل طرف شيعي من يواليه من السنَّة والكرد ويرتبط معه بمصالح يريد الدفاع عنها. كما أن هذا الاقتتال إذا ما حدث، سوف لن يكون محدودًا بفترة زمنية قصيرة نظرًا للتدخلات الدولية التي ستدعم الأطراف المتحاربة، وسيطول أمد الحرب للدرجة التي ستكون كافية لتحطيم ما تبقى من بالبنية التحتية للعراق. وليس مستغربًا إذا ما نشبت هذه الحرب الداخلية فإنها ستفتح الباب على تمزيق العراق وتشظيه، فهي ستمثل فرصة لبعض الساسة الكرد لإعلان استقلالهم والانفصال عن العراق بحجة التخلص من الصراع الدموي كما حدث في يوغسلافيا في تسعينيات القرن الماضي، كذلك الحال مع السنَّة الذين سيجدون انشغال الشيعة فيما بينهم، فرصة مواتية ليتخلصوا من الحيف الذي لحق بهم طيلة السنوات الماضية وإعلان دويلة مستقلة في مناطقهم مدعومة من بعض الأطراف الخارجية.

حكومة محاصصية جديدة
أما إذا استطاعت إيران احتواء كل الخلافات الشيعية، وهو احتمال ضعيف، فإن السيناريو المتوقع، أن يتم تشكيل حكومة توافقية محاصصاتية بين جميع الكتل الفائزة، بمعنى استمرار النظام الحالي كما كان الحال عليه في كل الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق منذ 2003، وسيستمر الفساد وسيستمر نظام المحاصصة الحزبية والطائفية والقومية، وهو النظام الذي ثار عليه العراقيون في ثورة تشرين وما سبقها من انتفاضات واعتصامات عديدة. إن تكرار المشهد السياسي كما كان في الدورات السابقة سيكون سببًا لتفجر الاحتجاجات الشعبية مرة ثانية، مع إمكانية أن لا تكون احتجاجات سلمية في هذه المرة، بسبب حالة اليأس التي وصل إليها الشعب العراقي من إمكانية تحقيق مطالبه بالطرق السلمية.

ما دور القوى الوطنية في الرد على كلا السيناريوهين؟
إن الشعب العراقي وشبابه الواعي الذي نجح في أن يكون رقمًا صعبًا لا تستطيع الكتل السياسية تجاوزه، قادر على فرض رؤيته للحيلولة دون جر العراق إلى فوضى الاحتراب الداخلي الذي سيقود العراق للخراب الكامل، أو تكرار حكومات الفساد من جديد، ولدى الشعب العراقي من الوسائل والإمكانيات ما تمكنه من فرض رؤيته على تلك الأحزاب والمليشيات الإرهابية.
فإذا ما وقع أحد السيناريوهات التي ذكرناها، فإنه يقع على عاتق القوى الوطنية من شباب متظاهرين وقادة فكر ورأي وتنظيمات وطنية واجب العمل للحيلولة دون انزلاق العراق نحو الحرب أو الرجوع للفساد، وقلب الطاولة على هذه الأحزاب مبكرًا قبل أن تدخلنا في نار حربٍ لا تبقي ولا تذر، من خلال تنظيم صفوفهم والعمل على سحب الشرعية من كل أحزاب النظام، وترشيح ثلة من العراقيين يمثلون الشرعية الحقيقية للعراقيين، من كتاب ومفكرين وثائرين وطنيين وشباب متظاهرين، ومخاطبة المجتمع الدولي بأن يتعامل معهم كممثلين حقيقين عن العراقيين، وسحب اعترافهم بأحزاب السلطة ومليشياتها وتصنيفها كمنظمات إرهابية تريد جر العراق إلى حرب أهلية.
أما باقي الشرائح المجتمعية العراقية، فإن عليهم عدم الاستجابة لدعوات الأحزاب والمليشيات للاقتتال الداخلي ورفع السلاح في وجه بعضهم البعض، لأن هذه الحرب هي من أجل مصالح حزبية ومليشياوية، ولا علاقة لها بمصلحة الشعب العراقي ولا بطموحاته، بل هم يريدون استخدام الدم العراقي في حروبهم البينية حتى يستأثروا بثروات الوطن وحدهم أو تسخيرها لراعيتهم إيران، ولنا في تجربة الحرب الأهلية اللبنانية عبرة لم يريد أن يعتبر. أما إذا اتفقت تلك الأحزاب والمليشيات على تكرار المشهد الذي استمر عليه النظام في كل الحكومات التي شكلها بعد الاحتلال، فإن على الطليعة النضالية العراقية العمل على مواصلة نضالها ضد هذه الأحزاب وبمستويات عديدة، أهمها الطعن بشرعية الانتخابات التي جرت بنسبة مشاركة متدنية جدًا من قبل شعبنا، بالإضافة إلى ممارسات مفوضية الانتخابات وتلاعبها بنتائج الانتخابات ومحاولاتها ترضية بعض الخاسرين فيها على حساب إرادة الشعب العراقي. وهناك أساليب نضالية مهمة على العراقيين تفعيلها، تتمثل في تفعيل آليات العصيان المدني التي ستضرب جميع أحزاب النظام بضربات اقتصادية موجعة تجردها من أسباب قوتها عبر فرض حصار اقتصادي على جميع المصالح الاقتصادية التابعة للأحزاب والمليشيات المتحاربة أو المتوافقة، ومقاطعة أسواقهم وشركاتهم وجميع مصالحهم ومكاتبهم الاقتصادية.

مقال خاص براسام