نحن في عام 2021، ولايزال العراق يعاني تحت وطأة الفقر والظلم وخسائر الأرواح الكبيرة والمخاوف اليومية. لايزال العراقيون يعانون من مشاعر العجز والخوف والهزيمة والذل. فمنذ بداية هذا العام، قتل 330 مدنيًا، منهم 27 طفلًا. إحصاءات الجثث في العراق كشف عن 208.800 ضحية مدنية راحت، منذ بداية الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق عام 2003، معظمها حدث بعدما أصبحت البلاد “ديموقراطية” في عام 2005.
وبدعم من التحالف الأمريكي البريطاني الذي احتل العراق في مارس 2003، بدعوى “الحرب على الإرهاب”. قتلت الحكومات المنتخبة “ديموقراطيًا” أكثر من 4000 عراقي خلال ما أسمته بالقصف من أجل إخماد التمرد. أما خلال السنوات الأخيرة، قتلت الشرطة العراقية والميليشيات المسلحة مئات العراقيين في جميع مناطق البلاد. “كما سمحت الحكومات العراقية المتعاقبة بقتل آلاف آخرين في غارات جوية شنها الجيش التركي، والميليشيات المسلحة المدعومة من إيران مثل قوات الحشد الشعبي”.
وقد أجرى العراق أولى انتخابات برلمانية في ديسمبر/ كانون الأول 2005، في وقت كانت البلاد لاتزال تحت الاحتلال الأمريكي والبريطاني. وقد كان من المفترض أن تجرى الانتخابات الخامسة منذ الغزو قبل شهر، أي في يونيو / حزيران الماضي. إلا أنه تقرر تأجيلها حتى أكتوبر / تشرين الأول المقبل، بعد طلب المفوضية العليا المستقلة للانتخابات تمديد مهلة لتنظيم “انتخابات حرة ونزيهة”. ومع ذلك، فقد شابت الانتخابات العراقية أعمال عنف وتزوير واحتجاجات دائمة.
وفي 22 ديسمبر / كانون الأول 2005، وبعد الإعلان عن النتائج الأولية للانتخابات، طالبت فصائل المقاومة آنذاك بمراجعة الشكاوى المتعلقة بتزوير الانتخابات، من طرف هيئة دولية، مهددة بمقاطعة المجلس التشريعي الجديد، تزامن مع اندلاع مظاهرات كبرى في جميع أنحاء البلاد. المتظاهرون أكدوا تزوير الانتخابات لصالح الائتلاف الديني الشيعي، ليتظاهر ما يقارب من 20 ألف شخص في العاصمة العراقية بغداد، وتظاهر آخرون في الموصل، متهمين إيران بالتورط في تزوير الانتخابات. ما أعقب ذلك عمليات تفجير سيارات مفخخة، وهجمات على مسؤولين أمريكيين وعراقيين.
منذ تلك الفترة، وصل أربعة رؤساء وزراء إلى سدة الحكم في العراق، وثلاثة رؤساء دولة. رغم ذلك، لم يتمكن أي منهم من تلبية المطالب المشروعة للشعب العراقي، المتمثلة في إنهاء الفساد، رفع مستويات المعيشة، وخلق فرص عمل للشباب المتعلم، وتوفير الأمن.

لا مجال للديموقراطية في البلد

الخراب الذي لحق العراق لم يكن أمرًا غير متوقع. فالنظام الديموقراطي النيوليبرالي الذي فرضته الولايات المتحدة وحلفاؤها في البلاد لم يكن ليخلف نظامًا ديموقراطيًا شبيها بالموجود في دول الغرب. فالدول المتقدمة كالمملكة المتحدة والولايات المتحدة لا تواجه أي تهديد حقيقي بحرب كبرى، وتتمتع بالازدهار الاقتصادي والاستقرار السياسي والاجتماعي الدائم.
من جهة أخرى، كان العراق – ولا يزال- دولة ضعيفة. فبين عام 2003 و2020، كانت الثوابت الوحيدة في البلاد هي العنف الطائفي والإرهاب والفقر وانتشار الأسلحة والجريمة وغياب الاستقرار السياسي والانهيار الاجتماعي وأعمال الشغب والفوضى والفشل الاقتصادي. كما نلحظ غياب الأمن في “مناطق عدم الاستقرار”.

أي تاريخ ينتهي؟
في 31 مايو / أيار الماضي، خلال خطابه تحدث الرئيس الأمريكي جو بايدن عن ديموقراطية بلاده “غير المثالية”. داعيًا إلى مزيد من الجهود للوفاء بوعد “أعظم تجربة” في تاريخ البشرية. بايدن قال “إن الديموقراطية هي أكثر من مجرد شكل من أشكال الحكم، بل هي طريقة للوجود، ولرؤية العالم. الديموقراطية تعني حكم الشعب، والنضال من أجلها يستمر في جميع أنحاء العالم”.
انهيار الاتحاد السوفياتي قبل 30 عامًا كان بمثابة إعلان نهاية الحرب الباردة وهزيمة الأنظمة الشمولية ونجاح النظام الديمقراطي الليبرالي. ما أدى إلى إثبات نظرية “نهاية التاريخ” التي أنشأها عالم السياسة الأمريكي فرانسيس فوكوياما. زوال الاتحاد السوفياتي كان يعني انتصار الغرب، وانتصار الديموقراطية الرأسمالية الليبرالية، كان علامة وفاة أي أنظمة بديلة.
أصبحت الديموقراطية حينها أفضل شكل من أشكال الحكم، التي كان منبعها ليبرالية القرن العشرين، بالإضافة لمفاهيم حقوق الإنسان العالمية والأمن اللذان يركزان على أحوال الناس بشكل خاص. تواجد المؤسسات الديموقراطية لحماية حقوق وحريات المواطنين، أطلق عليه فوكوياما “نقطة نهاية التطور الإيديولوجي للبشرية وتعميم الديموقراطية الليبرالية الغربية باعتبارها الشكل النهائي للحياة البشرية”.
وفي القرن الحادي والعشرين، شهدنا إنشاء ديموقراطيات جديدة بعد الحرب، مثل أفغانستان والعراق في أعقاب حربي 2001 و2003. أو من خلال سلسلة الثورات الشعبية أو ما يعرف بالربيع العربي، الذي بدأ في عام 2011. سقط عدد من الديكتاتوريين، وتمت إزالة الأنظمة الاستبدادية وتأسيس ديموقراطيات برلمانية. رغم ذلك، وبعيدًا عن نظرية “نهاية التاريخ”، فقد أدى السعي نحو التحول النيوليبرالي من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة إلى اقتصاد بائس ودولة فاشلة. المتظاهرون الذين حملوا العلم العراقي وطالبوا بوطنهم، انتهكت حكومتهم حقوقهم الإنسانية، وفشلت في توفير فرص أو ضمانات اجتماعية وصحية وتعليمية لأبناء الوطن.
وبينما تطلق قوات الأمن وشرطة مكافحة الشغب النار على العراقيين باستخدام الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع، يواصل الناس تظافرهم. النظرية الأولى تمثلت في اعتقاد العراقيين أن خلو دولتهم من ديكتاتور سيجعل دولتهم قوية. إلا أن العراق أصبح أضعف وأقل أمنا. إذ لا يمكن تحقيق ديموقراطية ليبرالية بهذه السهولة، سواء من خلال الحرب أو من خلال التحول الثوري. ومن المرجح ألا تشكل الانتخابات المقبلة أي فرق، بسبب الوضع الأمني في العراق الذي يجعل المشاركة السياسية أمرًا صعبًا. بالإضافة للشرعية المشكوك فيها، وغياب المساءلة، ما يجعل الأمل في تحقيق العدالة أمرًا أقرب إلى الخيال.
أما بالنسبة لنظرية “نهاية التاريخ” ، فهو مفهوم أوروبي إلى حد ما.

ليلي هامورتزيادو / أوبن ديموكراسي
ترجمة وتحرير: راسام