أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

المعروف عن الدكتور عبد الجبار الجومرد كونه سياسيا ومؤرخا وكاتبا وخطيبا، من مواليد مدينة الموصل عام ١٩٠٩م، وحصل على شهادتي دكتوراه في القانون والأدب العربي من جامعة السوربون في أربعينات القرن الماضي، كتب في الأدب والتاريخ والسياسة. فقد كان نائبا معارضا في مجلس النواب خلال العهد الملكي وأول وزير خارجية أثر قيام الحكم الجمهوري في العراق في ١٤ تموز ١٩٥٨. صدر له مؤلفات في الأدب والتاريخ ومقالاته السياسية، ولكن القلة من معارفه فقط ومن متتبعي أخباره من يعرف عنه نظم الشعر.
وعلى الرغم من قلة قصائده فإنها تعطي صورة صادقة للمشاعر الوطنية والقومية المخلصة بلغة شفافة يشوبها الصدق وبساطة التعبير فتحول الشعر لديه شيئا فشيئا الى قضية مبدئية.
وأخذ في الوقت نفسه ينشر بعضا من قصائده في الصحف المحلية بعد تخرجه من دار المعلمين الابتدائية ١٩٢٨، كما كان يرسل منها الى الصحف والمجلات العراقية والمصرية (الثقافة والرسالة والكاتب)، كما اهتم بنظم القصائد الشعبية إلى حد دفعه الى نظم ألفية رباعية باللهجة الموصلية وهي مجموعة شعرية تتألف من الزجل الموصلي تصف الحالة الاجتماعية في الموصل خاصة والعراق عامة. وقد وضع (الجومرد) كل رباعية في صفحة كاملة مع شروح وافية عن كيفية قراءاتها وإرجاع كلماتها الموصلية إلى مراجعها الأصلية. ولا تزال مخطوطة مدونة غير منشورة محفوظة لدى عائلته الكريمة ونتمنى أن ترى النور. وبعد انتخابه نائبا في مجلس النواب واشتغاله بالعمل السياسي غدا مقلا في الشعر.
انصب اهتمامه في أشعاره على العراق والأقطار العربية من أجل التحرر من كل أشكال الاستعباد والتبعية الاستعمارية، وقد انعكس ذلك من خلال ما كان ينظمه من شعر أو يكتبه من نثر، فقد وجه نقده للسياسات التي تعمل على عرقلة النهضة في العراق، بل شخص الحالات السلبية والممارسات الخاطئة في كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ففي قصيدته التي كتبها في صيف عام ١٩٣٢ ببغداد صور استنكاره وتذمره من الوضع السياسي القائم آنذاك، كما شكا همه إلى بغداد التي عشعش فيها على حد قوله : ” المنافقون والجهلة”، بروح تاريخية ووطنية، بل نراه يستحضر الماضي ويتأسى على العهد الذي كانت فيه بغداد على أيام (المنصور والرشيد) وكيف غدا حالها في وقته، ولم تؤد واجبها نحوها، وبهذا يقول :
لا يبيت الشريف إلا طريدا وفي دياجيك والابي الجواد
لو رأك المنصور أعرض حز نا وقال الرشيد ما لا يعاد
وفي قصيدة أخرى نظمها في أوائل تشرين الأول ١٩٣٢، وهو في طريقه من بغداد الى الشام، نراه يهجو حكومة نوري السعيد التي وقعت معاهدة ١٩٣٠ بين العراق وبريطانيا، ونلمح فيها جرأته وشجاعته في التنديد بتلك المعاهدة التي قيدت استقلال العراق بقيود ثقيلة، ومما جاء فيها :
محى الله في أرض العراق عصابة لها عمل ناء عن الحق ناكس
حكومة سراق تبيع بلادها كما باع مسروق الودائع حارس
يقولون في بغداد مجلس امة ألا منيت بالخزي تلك المجالس
مجالس شر الناس فيها ممثل لخيرهم والعبد للحر سائس …
كما صور نفسه الأبية التي لا ترضى الذل والهوان، بل تقبل البعد والرحيل والافتراق عن الاحباب في أنفة وكبرياء وترفض اللقاء الذليل، وقال :
سأرحل عن قومي بعيدا وأن تأت
عن القلب أحباب رفاق أوانس
فأعذب من ماء الفرات ودجلة
حياة تأت عنها نفوس خسائس …
وفي قصيدته صيحة في آذان الناخبين من (٢٦) بيتا نشرها في جريدة فتى العراق في ١٠ تشرين الأول ١٩٣٤. سعى (الجومرد) لإسداء النصائح وإعطاء صورة واضحة عن عملية الانتخابات ودور الناخبين فيها، مثلما صور النواب أو المتقدمين للترشيح ونوابا وحالهم قبل الانتخابات وبعد الفوز.
ومما يلحظ أن هذه القصيدة امتلأت بروح السخرية والاستنكار من مثل هذا النوع من العمليات الانتخابية، لما يجري من ممارسات بعيدة كل البعد عن الممارسة الديمقراطية الصميمية التي تعطي للإنسان كامل حريته في اختيار من يمثله أو ينوب عليه كما تطرقت أيضا الى شخصية النائب بشكل عام وكيف ينبغي أن تكون، وأن تمتاز بصدق وجرأة في التعبير عن معاناة الناخبين، وفي المقطع الأول من القصيدة تكمن الشكوى من هذه الانتخابات عندما لا تكون بوعي وصدق في الممارسة.

لا شيء أفظع لو عددت مصائبا
من أجوف مذق يرشح نائب
ما تلك غير جريمة يشقى بها
شعب ويمكث في الضلالة دائبا
النيابة أودعت في أحمق
جرت هذه البلاد نوائبا
وفي المقطع الثاني يسدي (الجومرد) نصيحة للناخب، ويقدم رأيه في الانتخابات :
لا تعط رأيك غير أروع مخلص
إن ضاع حقك جاء فيه مطالبا
وفي بقية القصيدة يصور الجومرد حال النواب في المجلس ومواقفهم إزاء القضايا المفروضة فيه، وحالهم مع الناخبين وهم مأخوذون بنشوة الفوز بعضوية المجلس :

تشقى ويسعد نائب لا يقضي ما
تبغي وتدفع من دماك ضرائبا
في مجلس النواب يبدو صخرة
وإذا تحدث كان يوما ناعبا
سيان عند حديثه وسكوته
لا تدري أمسى خابطا أو خاطبا

ليس النيابة أن تعيش منعما
والشعب يقضي عاريا أو ساغبا
ليس النيابة مظهرا تزهو به
فتسير مختالا وتبرم شاربا
أعلمت أن عليك أثقل واجب
ومن الخيانة أن تفوت الواجبا

ومن خلال استنكاره للممارسة الخاطئة للانتخابات النيابية يتضامن (الجومرد) مع جعفر أبي التمن (١٩٠٨ – ١٩٤٥) الذي كان أحد أقطاب المعارضة السياسية البارزين وقتئذ، لاسيما عندما أعلن مقاطعة الانتخابات عام ١٩٣٣، فقد أرسل الجومرد قصيدة اليه، وهو ما زال طالبا في معهد الحقوق بدمشق، يصور فيها الآمال المعلقة على نشاطه الوطني المعارض، والتطلعات المشروعة التي يعبر فيها بصدق عن معاناة المجتمع. وقد أرسل الجومرد قصيدته إلى أبي التمن على غير سابق معرفة بينهما، ولكن نداء الإخلاص والحب للوطن قد جمع بين الجومرد الشاب في الشام وأبي التمن في العراق. لأن الجومرد كان يرى ان الهموم الوطنية مشتركة بينهما، ولم تقف الحدود المصطنعة عائقا أمامه لذا نراه يقول :

فليهنأ الوطن المفدى بزعيمه شرفا و (مبدأ)
ماضي يضيء لحاضر كالبدر للساري وأهدى
ما شابه كلف به نسجت له الأطماع بردا
وفي قصيدته (بؤس الفلاح وشقاؤه) يروي الجومرد معاناة الفلاح العراقي وما يتعرض له من اضطهاد، ويصف أوضاع الأراضي الزراعية المهملة المجدية، التي لم تعط للفلاح ثمارها ولم توفر له سبل العيش كحد أدنى. ويرفع (الجومرد) في مقطعها الأول دعاءا كي تخضب أرض العراق وتعطي بعد أن أجدبت ليرى غرسها الزاكي وقد أينع وأزهارها متفتحة معطرة، فيقول :
سقى واديك يا وطني سحاب جاد وابله
وأخضب بعد طول الـ جدب والارزاء ماحله
وأينع غرسه الزاكي معطرة خمائله
مفتحة أزهاره مسلسلة جدائله
ومن خلال الفلاح يثبت (الجومرد) همومه ومعاناته التي هي هموم الوطن ومعاناته ويصف ما حل بهذا الوطن من أمراض وأسقام وضيق عيش.
ويصف موقف الحكومات العراقية وقتئذ لأنها حصرت اهتمامها بجمع الضرائب فقط، دون العمل على تحسين المستوى المعاشي للفلاح :
وما برحت حكومته وقد جفت مناهله
تشد عليه في طلب الـ ضرائب لا تماهله
وهل للمرء من حول اذا نضبت محاصله
مضى زمن وقد غالتك يا وطني غوائله
فما فتئت مصائبه ولا حلت مشاكله
وفي قصيدة أخرى نظمها سنة ١٩٥٦، خلال احدى سفراته الى بيروت شكا من الأحوال السياسية العامة المزرية التي ألمت بالعراق في تلك السنة، ومن هنا ذكر فيها أن له في بيروت خير عزاء وملجأ إذا ما أصابه مكروه من الدهر ونوابه، فقد عنف وهجا بصريح العبارة ساسة الحكم القائمين على السلطة في بغداد وقتئذ، من الذين أطفأوا على حد رأيه بريق عاصمة العراق، وبهذا حاول أن يظهر سوء تصرفهم ويصف عدم ارتقائهم الى مستوى المسؤولية في إدارة شؤون البلاد. وقال :
بيروت إن لمت لا تعجبني فليس في لومي من مآرب
وإنما المنصف في أن أرى في اللوم قول الحق لم يغضب
“زحمت بغداد” وقد أسلسلت قيادها للذئب الأجنبي
وهو إذ يذم بغداد هنا متألما لا يذمها حضارة وتاريخا ومجدا، إنما يذم فيها من غدا من بعض ساستها ذيلا للأجنبي والساسة الذين كانوا لا يضعون نصب أعينهم مصالح الوطن وكرامة أبناءه.
وفي إحدى قصائده يصور الجومرد (النفاق الاجتماعي) بوصفه حالة بغيضة متفشية بين البعض من أبناء المجتمع، ويدعوا الى نبذها وتركها لأنها ليست من القيم الوطنية والعربية الأصيلة، ومما جاء فيه :
وملثمين على النفاق بأوجه صم يصيح اللؤم من قسماتها
صبغ الوفاء بياضه بسواده والمكرمات هيوبها بسيابها
متراهنين على المدينة أحرزوا غاياتها وتناهبوا حلياتها
ورثت نفوسهم خبائث أصلها لؤما وزادت دقة من ذاتها
أيد تجف على الربيع والسن سرق السراب الافك من كلماتها
وفي قصيدته (بالله رحمة بالفقراء) يشير الى حالة الفقر المدقع وسطوة الأجنبي على العراق وتحكمه برقابة أهله وبنيه. إذ بات الغريب صاحب سلطات وإدارة وجاه وأمسى أبناء الوطن أصحاب الحق في خيره تعسا تحف بهم المصاعب وتنهال عليهم الكوارث. وبلغة شعرية مباشرة وواضحة، كان يسمي الأشياء بأسمائها، مثلما يصور الحالة المؤلمة التي غدا عليها المواطن، ويقول :
ملك الموت على موت حكم فجفاني الرشد والعقل انهزم
قد مشى الإفلاس في جيبي كما يتمشى (البيك) في (حوش الحرم)
غير أنا يا أخي في البلد لم أجد يوما به العيش انتظم
قضت الأيام في قانونها بعضنا يشقي وبعضنا في نعم
بلد يهلك فيه أهله وبه كل غريب يحترم
حالة المسكين تحكي حالتي وكثيرا مثلنا في ذا الألم
انقذونا قبل نفنى مما نفعكم لو صارم الموت حكم
ومن الجدير بالذكر أنه عايش فترة التمزق والسيطرة الاستعمارية على الوطن العربي لهذا كانت قصائده تعبيرا عن التواصل مع ماضي الامة في جوانبها المشرقة – كما سنرى في الحلقة القادمة –