لقد أثبت الأحداث بأن سيادة العراق مستباحة، وإن الأراضي العراقية أصبحت ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، ومرتعاً للمنظمات الإرهابية التي وجدت في العراق ضالتها بعد عام2003م، وذلك لضعف الدولة والقوات الحكومية، الأمر الذي جعلها تتخذ من الأراضي العراقية مقراً لها، فهناك ميليشيات مسلحة تابعة لحزب العمال الكردستاني التركي(PKK)في شمال كردستان العراق، حيث تتواجد هذه الميليشيات منذ فترة طويلة في جبل قنديل ومتين ومناطق أخرى، وقد زادت من توسعها الى الداخل العراقي بعد عام2014م لتصل الى مناطق سنجار بمدينة الموصل، بحيث أصبحت تسيطر على هذه المدينة وترفض الخروج منها، وهذا يجري مع صمت حكومي مطبق في التعامل معها خصوصاً بعد أن تم أعادة السيطرة على المدن التي خرجت عن سيطرة الدولة، بحيث أصبح لها نفوذ سياسي وعسكري واقتصادي في مدينة سنجار.

لقد أصبح لهذه الميليشيات علاقات جيدة مع ميليشيات الحشد الشعبي المرتبطة بإيران، التي أخذت على عاتقها تقديم الدعم المالي والسياسي والعسكري واللوجستي خارج إطار الدولة، وقد طلب منها الخروج من المدينة ولكنها ترفض الخروج من الأراضي العراقية مما جعلها تصطدم وتشتبك مع القوات الحكومية في الكثير من الحوادث الأمنية، والأدهى من ذلك كله هو إن هناك من يقول بأن الحكومة العراقية لا علم لها بوجود هذه الأحزاب الكردية الإيرانية على الأراضي العراقية وهذه كارثة حقيقية، وهنا أسأل أين الأجهزة الأمنية والمخابراتية والاستخبارية عن وجود هذه الأحزاب إذا كانت تعلم بوجودها؟، وإذا كانت هذه الأجهزة لا تعلم فالمصيبة أعظم وأطم، وأذا كانت الحكومة تعلم لماذا قبلت بذلك وصمتت عنه؟، لذا فالإشكالية كبيرة في كيفية تعاطي الدولة مع هذه المنظمات والأحزاب على الأراضي العراقية، الأمر الذي جعل الدول المجاورة مثل تركيا وإيران تعمل على مواجهة هذه الميليشيات على الأراضي العراقية كونها تشكل تهديد للأمن القومي لديها، ولسان حالها يقول أما إن تتعامل الدولة العراقية معها أو سنفعل ذلك بأنفسنا.

أما الميليشيات المسلحة التابعة للأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة لنظام الملالي في طهران والتي تتواجد في الكثير من مناطق كردستان العراق فقد صمتت عنها حكومة بغداد مع صمتاً مطبقاً، مما أعطى ذريعة لإيران بتدخلها الى الأراضي العراقية، كما يتواجد تنظيم الدولة على أراضيه، ناهيك عن الميليشيات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة، والسلاح المنفلت، وبهذا تحول العراق لساحة عمل وتواجد للمنظمات الإرهابية، وبات العراق يحكم من مراكز قوى مسلحة تسيطر على الكثير من أراضيه، وهذا كله بسبب السياسات الحكومية الداخلية، وعدم اتخاذها أي إجراءات تمنع تواجد هذه الميليشيات على الأراضي العراقية، وهذا يعود للضعف الحكومي، والانقسام السياسي الداخلي، وضعف المؤسسة الأمنية والعسكرية والأستخبارية، بالإضافة الى تبعية الكثير من الجهات السياسية والعسكرية لإيران التي تتخذ من العراق حديقة خلفية متقدمة لها، يضاف الى ذلك السياسات الخارجية الضعيفة التي جعلت الدول المجاورة للعراق تتجرأ في تجاوزها على السيادة العراقية، علماً إن وجود هذه المنظمات على الأراضي العراقية لا يعطي الحق لإيران باستخدام القوة العسكرية ضدها، كونها تتعارض مع القانون الدولي وعلاقات حسن الجوار، ومنظمة مجاهدي خلق كانت تتواجد على الاراضي العراقية ولكن إيران لم تجرؤ على مهاجمتها قبل عام2003م وشتان ما بين موقف الحكومتين في التعامل مع الأخطار الخارجية.

إن إطلاق إيران لهذه العملية العسكرية على كردستان العراق في هذا التوقيت يحمل دلالات كثيرة، كون العراق يمر بفوضى سياسية عارمة وانفلات أمني داخلي واضح بسبب السلاح المنفلت والصراع على السلطة والنفوذ، لذا فإطلاق هذه العملية العسكرية هو جزء من استعراض القدرات العسكرية الإيرانية، وهي تحمل رسائل واضحة للداخل والخارج الإيراني تقول فيها بأنها غير أبهة بالمجتمع الدولي والقوى الكبرى في المنطقة، وأنها ستفعل ما تريد لعدم وجود رادع لها كما فعلت في سوريا واليمن.

إن تجدد القصف على المستوى المحلي يأتي في غمرة الاحتجاجات والاضطرابات الأمنية التي تضرب المدن الإيرانية والتي خرجت عن سيطرة النظام، كما أنها تأتي كمحاولة يائسة للتغطية على أزمتها الداخلية بسبب انتفاضة الشعب الإيراني الذي خرج بسبب وفاة الشابة “مهسا أميني”، واحتجاجاً على السياسات الحكومية الداخلية، وهي بمثابة الهروب الى الأمام من الأزمات الداخلية، وذلك من خلال تحويل الانظار والرأي العام الى الخارج من خلال الإيحاء بوجود تهديدات خارجية، حيث يقول مستشار الأمن القومي الأمريكي “جيك سوليفان”، إن ” إيران لا تستطيع صرف النظر عن المظاهرات الداخلية وما يتعرض له الشعب الايراني من قهر من خلال شن هجمات على كردستان”، كما أنها تحمل رسالة واضحة للأحزاب الكردية والمنظمات المعادية لنظام الملالي تقول بأننا لن نسمح لكم بتوظيف الحراك الشعبي الداخلي لمصالحكم، وأننا نستطيع الاستمرار بالتصعيد ضدكم متى ما تطلب الموقف ذلك.

من المعروف بأن حكومة كردستان تفتقر الى القدرات العسكرية الكاملة لمواجهة أي عدوان خارجي، لعدم وجود قوة جوية، أو وجود قوات ألية، وقوات مدرعة، وهذا يعني بأن حكومة بغداد هي المعنية بوجوب وضع حد لهذه التجاوزات التي تعتبر بمثابة أعلان حرب من إيران على العراق وشعبه، وهنا أسأل أين قوات الحدود؟، وأين القوة الجوية العراقية، وأين منظومات الدفاع الجوي؟، وكيف دخلت هذه الطائرات المسيرة الى الأراضي العراقية بهذا العدد الكبير دون أن تكشفها الرادارات!، وكيف قصفت المناطق الكردية بدون أن يكون هناك رد فعل حكومي لمدة خمسة أيام مضت، وأين وزير الداخلي والدفاع من هذا الاعتداء الصارخ على سيادة وأراضي العراق؟، لماذا صمتم كصمت القبور؟، أليس من واجب الحكومة المركزية وقواتها الأمنية واجب الدفاع عن الأراضي العراقية؟، أليس القائد العام للقوات المسلحة هو المسؤول عن قوات البيشمركة؟، أم أنه لا يستطيع تحريك جندي واحد من القوات الكردية؟، وذلك لوجود خلل كبير في إدارة وقيادة الدولة التي تحولت الى مراكز قوى متناحرة تعمل خارج إطار الدولة، والدول التي تحترم نفسها تفعل كما فعلت تركيا عندما دخلت طائرة روسية لمدة خمس ثواني، فتم التصدي لها وإسقاطها!، فالقوات الأمنية والعسكرية واجبها الدفاع عن العراق أرضاً وسماءً وماء ناهيك عن دفاعه عن الشعب وقضايا الأمة.

الخاتمة:
إن هذا القصف الإيراني يريد أن يقول للجميع وخاصة لحكومة كردستان وحكومة بغداد بأنكم لن تستطيعوا تقديم الحماية لشعبكم وأرضكم، وليس أمامكم ألا أن تقدموا فروض الطاعة للولي الفقيه في طهران، وهذا يعني بأنكم لن تكونوا قادرين على حماية الأحزاب الكردية الإيرانية المتواجدة على الأراضي العراقية، كما إن هذه الهجمات تأتي ضمن سلسلة الضغوط التي تمارسها إيران للضغط على حكومة كردستان لتقديم التنازلات في ملف تشكيل الحكومة لصالح حلفائها في الإطار التنسيقي، وتريد أن تقول بأنها قادرة على زعزعة الأمن والأستقرار في كردستان حتى بوجود القواعد الأمريكية، وعلى القيادة الكردية أن تقرأ هذه الرسائل ذلك بصورة جيدة.

وأخيراً نقول بأننا لم نسمع أي تصريحات نارية لميليشيات الحشد الشعبي، أو لحكومة الكاظمي، وكذلك فالإطار والتيار التي تعاملت بميزان مختل ومزدوج مع القصف الإيراني الذي صمت عنه الجميع لم يعدوه بأنه انتهاك لسيادة العراق، كما أننا لم نسمع أي خطوات للدفاع عن النفس كما حصل مع القصف التركي، ولم نسمع أي دعوات لانعقاد مجلس المن الوطني، لأن السيادة عند هؤلاء تبعاً لهوية القاصف، فإذا كانت تركيا أخل بميزان السيادة وإذا كانت إيران فلا مشكلة عندهم لأنهم تابعين لها، فهؤلاء هم قادة العراق الجدد الذين ضيعوا حقوق العراق ومصالحه التاريخية وبددوا ثرواته وسرقوها بسبب عمالتهم وتبعيتهم للخارج.