الكاتب: نظير الكندوري
مع فشل كافة المحاولات التي قامت بها الكتل السياسية والأحزاب الخاسرة بالانتخابات النيابية الأخيرة، لعرقلة الإجراءات التي تقوم بها مفوضية الانتخابات والتي ستؤدي لا محالة إلى إقرار النتائج الأولية المعلنة، وجدت تلك الأحزاب والكتل الخاسرة وبضمنها المليشيات نفسها أنها أمام حالة خطر كبير وهي تواجه حقيقة إقصائها من المشهد السياسي والأمني العراقي، بل وتجريدها من كل المكتسبات التي كانت تتمتع بها طيلة الفترة السابقة، ومن ثم فإن عليها التخلي عن سيطرتها الأمنية وتحكمها بالسياسة الداخلية والخارجية للبلد والتي رهنتها بأجندات دولة جارة هي إيران.
بل والأكثر من ذلك، يبدو أن الأمور سائرة إلى حل جميع المليشيات الخارجة عن القانون وسحب سلاحها، ودمج مليشيات الحشد الشعبي في أجهزة الدولة الأمنية، وهناك احتمالية كبيرة أن تقوم الحكومة القادمة، بمحاسبة رموز تلك الأحزاب والمليشيات وتقديمهم إلى المحاكم جراء اقترافها العديد من الجرائم بحق العراقيين، بالإضافة إلى ضلوعها في علميات فساد مالي كبرى بحيث جعلت الاقتصاد العراقي يعاني الأمرّين.
ومن خلال نظرة سريعة لكل مواقف وتصريحات قادة الأحزاب والمليشيات الخاسرة بالانتخابات، يتبين لنا أن أكثر الأطراف التي لها مصلحة في تنفيذ عملية الاغتيال الفاشلة ضد الكاظمي هي الأطراف الخاسرة بالانتخابات، كما أن طريقة تنفيذ العملية تبدو مشابها بشكل كبير لعمليات المليشيات التي سبق وأن قامت بها ضد مصالح أمريكا في العراق، لا سيما وأن العملية تأتي بعد يوم واحد من تهديدات ساقها زعيم مليشيا عصائب أهل الحق ضد الكاظمي، وتهديدات أخرى من قبل زعيم مليشيا سيد الشهداء أبو الاء الولائي، بالإضافة إلى سلسلة التهديدات التي يسوقها بمناسبة أو بدون مناسبة المتحدث باسم مليشيا حزب الله العراقي أبو علي العسكري.

لماذا يستهدف الكاظمي بالتحديد؟
ووفق هذه الرؤية فإن عملية اغتيال الكاظمي الفاشلة، لم تشكل مفاجئة ولا هي مستغربة لمراقبي الشأن العراقي. أما لماذا يتم استهداف الكاظمي بدلًا من استهداف أحد زعماء الكتل الفائزة وبالذات رموز التيار الصدري، فالأمر يعود لأسباب عديدة ربما أهمها هو عدم ابداء الكاظمي المرونة الكافية مع الأطراف التي خسرت الانتخابات، مثلما كان يعطيها سابقيه من رؤساء الوزراء لتقوم بعمليات التزوير في الانتخابات، كما أن الكاظمي الذي يطمح بولاية ثانية من خلال استغلال علاقته القوية مع التيار الصدري جعلته أكثر حزمًا مع الأطراف الأخرى ومنعها من القيام بعمليات التزوير. على جانب آخر، يبدو أن الكتل الخاسرة، استهدفت الكاظمي بدلًا من استهدافها لرموز التيار الصدري، كون الكاظمي لا ينتمي لحزب أو كتلة سياسية تدافع عنه بكل قوة، الأمر الذي يجعله هدفًا سهلًا بالنسبة لها قياسًا مع أهداف من الكتلة الصدرية التي تمتلك مليشيات لا يستهان بقوتها.
أما من حيث توقيت عملية الاستهداف، فإن الكتل الخاسرة تجد نفسها في عجلة من أمرها وتتسابق مع الزمن لخلق حالة من الاضطراب الأمني عساها تستطيع الحيلولة دون مصادقة نتائج الانتخابات من قبل المحكمة الاتحادية، وتطمح بعد ذلك لإلغاء الانتخابات وإعادة أجرائها مرة ثانية، هذا ما جاء على لسان أكثر من مسؤول سياسي في الكتل الخاسرة.

تكرار تجربة الحوثيين في اليمن
في الجمعة الماضية التي قررت فيها تنسيقية المتظاهرين الرافضين لنتائج الانتخابات، تسميتها بـ “جمعة الحسم” شهد تصعيدًا كبيرًا من قبل المتظاهرين لاقتحام المنطقة الخضراء لغرض الاستيلاء على السلطة بالقوة، في تكرار لتجربة الحوثين في اليمن حينما استولوا على السلطة. وشهدت تلك التظاهرات مصادمات كبيرة بينهم بين قوات مكافحة الشغب أدت لسقوط قتيل من المتظاهرين بالإضافة إلى سقوط عدد من الجرحى من الطرفين. لكن حينما فشلت جهودهم في تنفيذ التجربة الحوثية، قرر قادة المليشيات استحداث خرق أمني كبير يحقق لهم ما فشلوا في تحقيقه من خلال التظاهرات، والذي يمكن من خلاله إعلان حالة الطوارئ في البلاد وإلغاء نتائج الانتخابات وإعادتها إجرائها مرة ثانية. لكن يبدو أن الخطة الثانية هي الأخرى قد باءت بالفشل، الأمر الذي فتح الباب على عدد من سيناريوهات لا تأتي جميعها بخير للبلاد.
كيف يمكن للكاظمي أن يستفيد من محاولة اغتياله؟
المليشيات وباقي الأحزاب الخاسرة كانت تريد من محاولة اغتيال الكاظمي تغيبه من المشهد السياسي العراقي، لكن النتائج جاءت عكس ما كانت ترجوا، فمحاولة الاغتيال وفَّرت للكاظمي تأييدًا دوليًا وعربيًا رسميًا، بل تعدى هذا الأمر إلى أن تأييدًا شعبيًا لا بأس به قد حصل عليه الكاظمي على حساب غرمائه، لكن هذه الشعبية التي طرأت على الكاظمي تبقى مرهونة بردة الفعل التي يفترض عليه القيام بها ضد من تجرأ على القيام بمحاولة اغتياله، وإذا ما فوت الفرصة على نفسه باستغلال هذا التأييد الدولي والمحلي والقيام بضربة قاصمة لتلك المليشيات ولكل من تورط في هذا العمل، فإن شعبيته ستنحدر بسرعة وبشدة، وسيخسر التأييد الدولي والعربي واعتباره شخصية ضعيفة لا يقوى على الصمود أمام نفوذ وقوة المليشيات والأحزاب الولائية وبالتالي فإن البحث عن خيارات أخرى من قبل تلك الأطراف سيكون أمرًا واردًا وبشدة.
سيناريوهات ما بعد محاولة الاغتيال الفاشلة؟
ومن تطورات حالة المشهد العراقي ما بعد محاولة استهداف الكاظمي الفاشلة، يبدو أن مستقبل الحالة في العراق يتجه نحو مسارين متضادين ربما لا ثالث لهما، ففي حالة قيام الكاظمي بتوجيه الاتهام إلى الأحزاب والمليشيات الولائية الخاسرة بالانتخابات وتحميلها مسؤولية محاولة الاغتيال الفاشلة، فمن المحتم أن الخطوة التي ستليها هي قيامه بالرد أمنيًا وعسكريًا عليها من خلال الاستعانة بجهاز مكافحة الإرهاب بقيادة عبد الوهاب الساعدي، على اعتبار أن هذا الجهاز هو الأكثر موثوقية للكاظمي، لكن هذا الجهاز لوحده لن يستطيع مواجهة قوة المليشيات العسكرية لوحده، إلا إذا تم الاستعانة بالدعم الاستخباراتي واللوجستي الأمريكي، وهو الأمر الذي أبدت الولايات المتحدة على لسان رئيسها جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن استعدادها للمساهمة في دعم الكاظمي ، وربما هذا يفسر لنا أيضًا سبب استدعاء قوات أمريكية مدرعة من سوريا إلى العراق حسب ما نشرته وسائل أعلام إيرانية وسورية.
أما إذا حاول الكاظمي احتواء المشكلة والتعامل معها بشكل لين لتجنب إثارة غضب المليشيات، فإن المليشيات ستفسر هذا الخيار كانتصار لها على حساب القوى السياسية الفائزة بالانتخابات – التيار الصدري – وانتصارًا على الدولة والحكومة العراقية بكافة أجهزتها الأمنية والسياسية، وسيشجعها على القيام بعمليات استفزازية أخرى لفرض إرادتها على الجميع وفرض وجودها في حكومة توافقية يكون لها حصة في جميع المناصب الحكومية كما كان معمولًا به في جميع الحكومات السابقة، الأمر الذي ربما سيؤجج الشارع مرة ثانية بانتفاضة ثانية لا تقل حجمًا عن انتفاضة تشرين.
أمر آخر يجب مراعاته، هل أن مقتدى الصدر سيقبل بهذا السيناريو الثاني الذي سيكون على حساب نتائجه الكبيرة في الانتخابات وضرب مشروعه بحكومة الأغلبية التي ينادي بها؟ ومن خلال مراقبتنا لسلوكيات الصدر، فإننا لا نستبعد قيام الصدر بمصالحة مع غرمائه، لكن تأثير ذلك على ولاء أتباعه سيكون كارثيًا، وبقاؤهم على نفس تأييدهم له في ظل هذا التذبذب في سياساته أمر مشكوك فيه، وبالتالي فمن غير المرجح أن يقوم الصدر بهذه التضحية مهما كلف الأمر وسيبقى مصرًا على موقفه.
ومن هذا نرى أن هذين الخيارين المتضادين لن يعودا بالنفع على العراق، وليس أمام الأطراف المتصارعة من خيار سوى الدخول في نفق صراعٍ سياسي وعسكري على السلطة، والذي سيدفع ثمنه المواطن العراقي والبلد بالمقام الأول.



مقال خاص براسام