أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

وصل (سليمان نظيف) إلى الموصل في تشرين الثاني ١٩١٣م، خلفاً لواليها بالوكالة وقائد الفيلق السادس (أسعد باشا) (١٩١٢ –١٩١٣م)، في ظل فوضى عارمة كانت تعم ولاية الموصل، وقد ذكر ذلك القنصل البريطاني في الموصل (تشارلز هوني) في تقريره عن الأوضاع التي تعيشها الولاية في تلك السنة وقال:

“الفوضى كانت تعم ولاية الموصل والولايات الشمالية، الأكلاك في نهر دجلة قد نهبت، كذلك الحال بالنسبة للقوافل التجارية، كما ارتفعت أسعار الحبوب …”.

رغم قصر مدة ولاية (سليمان نظيف) إلا إنها كانت إحدى الفترات المهمة في تاريخ هذه الولاية وخاصة مركزها الموصل، وتشير المصادر إلى طبيعة المهام التي تولى (سليمان نظيف) تنفيذها في هذه الولاية والتي ارتكزت على مرتكزين رئيسيين هما:

أولاً: جهود سليمان نظيف الإصلاحية:
كرس (نظيف) وقته واهتمامه للأشغال العامة كما أولى أهمية بالجوانب التالية:
– باكورة أعماله تحسين المواصلات في المدينة من خلال افتتاحه لعدد من الشوارع منها (شارع نينوى) الذي يمتد من بناية الجسر الحديدي الى نهاية منطقة رأس الجادة بطول (٢٠) كم وعرض (١٨م)، كلفت بلدية الموصل التي كان يرأسها (أمين أفندي) بتنفيذه، وأشرف (نظيف) بنفسه على سير العمل، كما استعان بشركة سكة حديد بغداد لتقديم المشورة الفنية، ورغم الصعوبات التي واجهتها بلدية الموصل أثناء مد هذا الشارع ومشاكل عديدة، فقد تعرض (٢٤) داراً للهدم، وبعد تسوية المشكلة بالتعويض جرى افتتاح المرحلة الأولى من الشارع عام ١٩١٤م، إلا ان نقل (سليمان نظيف) والياً لبغداد حال دون إتمام المرحلة الثانية من الشارع والتي أكملتها القوات البريطانية عام ١٩١٨م بعد احتلالها للموصل، في الوقت نفسه جرى افتتاح المرحلة الأولى (شارع النجفي) وتوسيع شارع النبي جرجيس.

– قام (سليمان نظيف) باستحصال الموافقات الرسمية لإكمال إنشاء مدرسة الصناعة في الموصل، فشرعت بلدية الموصل بتشييد هذه المدرسة بعد تقديمها لمنحة مالية قدرها (١٠٠٠) باون لإتمام العمل، خصص هذا المبلغ من واردات الجسر المقام على نهر دجلة، وبالفعل تم افتتاح المدرسة التي استمرت الدراسة فيها حتى عام ١٩١٨م.

– حاول (سليمان نظيف) تحويل المدرسة الإعدادية في الموصل إلى مدرسة سلطانية التي تتميز بتنظيمها ومستواها، وكانت مدة الدراسة فيها سبع سنوات، إلا انه أخفق في استحصال الموافقات، وافتتحت في كركوك بعد أن استحصلها ممثل كركوك في مجلس المبعوثان العثماني (علي بيرقدار) مما أدى إلى حرمان مدينة الموصل من انشاء مثل هكذا مدرسة …

– شرعت بلدية الموصل وبإشراف (نظيف) نفسه بإنشاء بناية جديدة لمديرية شرطة الولاية.

– ولأهمية طرق المواصلات عمل على تسوية طريق السيارات الذي يربط السليمانية بكركوك وبالموصل.

– اشتهرت الموصل بالصناعات النسيجية لذا أولى (نظيف) صناعة النسيج، وتحديداً تقديمه الدعم لإنتاج نوع من الانسجة المصنوعة من القطن والصوف المعروفة بـ(القطان)، كما يعد أول من أدخل الأزياء الأوربية (الافندية) إلى الموصل والمتكونة من (الجاكيت) والبنطلون.

– كما قام (نظيف) بترقية الخدمات البرقية من خلال تسيير البريد مرتين في الأسبوع بين الموصل وديار بكر وكركوك وبغداد.

– شجع (نظيف) الزراعة في الموصل وتحديداً زراعة الفستق بإعفائه المزارعين من دفع الضرائب لمدة عشر سنوات.

– الحد من عمليات السرقة والنهب في ولاية الموصل، إذ يصف مترجم القنصلية البريطانية ويدعى (ناصر) أنه استلم عددا من الرسائل من المبشرين البريطانيين (جورج ريد وبيرنارد) ذكروا فيها أنهم تعرضوا للهجوم من قبل قطاع طرق على طريق العمادية، وذكر المترجم انه توسط “لدى والي الموصل لوضع حد لهذه الاعمال، فبعث الوالي برسالة شديدة اللهجة الى قائممقام العمادية حول القضية وحثه على اتخاذ الإجراءات المناسبة، فقام القائممقام بإلقاء القبض على ستة أشخاص مشتبه بهم إلا أنه بعد التحقيق تبين عدم ثبوت التهمة الموجهة لهم فأفرج عنهم، وعلى أثره عاقب الوالي القائممقام على فشله وأعفاه من منصبه”.

– كما حاول (سليمان نظيف) إيصال المياه إلى مدينة الموصل عبر شبكة من الأنابيب، وذلك بطرح فكرة المشروع على مدير شركة سكة حديد بغداد (منير باشا)، وتحقيقاً للغرض ذاته تم إيفاد أحد المهندسين لإعداد الخرائط، كما استحصل الموافقات الرسمية، إلا أن الشركة الموقعة على العقد سرعان ما وضعت شروطاً تعجيزية لتنفيذ المشروع الذي أدى الى إفشال المشروع قبل تنفيذه.

ومن الجدير بالذكر أن حدثاً دار بين القنصل الفرنسي في الموصل والقنصل البريطاني العام عندما أشار الأول إلى أن الشركة صاحبة الامتياز ستأخذ مبلغ (٣) قروش من كل متر مكعب من الماء من المستهلكين، حيث يعد هذا المبلغ كبيراً في بلدة فقيرة كالموصل، كما أوضح أن في نية الشركة المنفذة استخدام المياه الزائدة عن الحاجة في إقامة مشروع اروائي حول مدينة الموصل، أما القنصل البريطاني فرجح فشل هذا المشروع أمام اعتماد أهالي الموصل على مياه الأنهار في تلبية احتياجاتهم اليومية بالإضافة إلى ذلك فإن الشركة لا تمتلك الصلاحيات الكافية لإجبار الأهالي على شراء المياه بهذه الأسعار الباهظة.

رغم الصعوبات التي واجهت (سليمان نظيف) خلال مدة ولايته للموصل والتي وقفت حائلاً دون إنجاز الكثير من المشاريع الخدمية التي سبقت الإشارة إليها، يمكننا القول بأن تنفيذ هكذا مشاريع وفي وقت قياسي يعد نقله نوعية في تاريخ هذه المدينة – إن صح لنا التعبير- وكان بالإمكان أن تكون لها نتائج أفضل على المدى البعيد لو استمر (سليمان نظيف) في الولاية لفترة أطول.

وبعيداً عن موضوع الأشغال العامة فقد كلفت السلطات الاتحادية (سليمان نظيف) بمتابعة نشاطات فرع حزب اللامركزية في الموصل والذي جرى افتتاحه عام ١٩١٣م، وكان هذا الحزب قد تأسس في مصر على يد عدد من المثقفين منهم رشيد رضا، حقي العظم، شبلي سمثيل، والذي من أهدافه تأكيده على اللامركزية الإدارية في حكم الدولة وتعبئة الرأي العام لتأييد اللامركزية، وعلى ما يبدو أن السلطات الاتحادية أصدرت أوامرها بإنزال أقسى العقوبات بالمشتغلين بهذا الامر والذي كان من أبرزهم سعيد الحاج ثابت وثابت عبد النور وآخرين، وبالفعل أجرى (سليمان نظيف) تحقيقاته حول موضوع وتم إلقاء القبض على عدد من أعضاء فرع الحزب في الموصل والذي برئت ساحتهم.

وأخيرا كيف عالج (سليمان نظيف) مشاكل توطيد الحكم العثماني في شمال العراق، وخصوصا مع الشيخ عبد السلام البارزاني ومع عشائر تلعفر ومع اليزيدية ، هذا ما سنتطرق إليه في الجزء القادم.

المصادر المعتمدة :

١ – أحمد علي الصوفي، تاريخ بلدية الموصل، ج١، (الموصل، ١٩٧١).

٢ – سعيد الديوه جي، تاريخ الموصل، ج٢، (الموصل، ٢٠٠١م).

٣ – الموصل وكركوك في الوثائق العثمانية ١٥٢٥ – ١٩١٩م، ترجمة خليل علي مراد وعلي شاكر علي، نسخة خطية مصورة محفوظة، مركز دراسات الموصل، جامعة الموصل ١٩٩٥م.

٤ – فاضل بيات، المؤسسات التعليمية في المشرق العثماني، دراسة تاريخية إحصائية في ضوء الوثائق العثمانية، مركز الأبحاث للتاريخ والفنون الإسلامية، (إسطنبول، ٢٠١٦م).

٥ – عامر بلو إسماعيل، الموصل سنة ١٩١٣م، وفقا لتقارير القنصلية البريطانية في الموصل، مجلة اضاءات موصلية العدد (٢٠) حزيران ٢٠٠٩م.

٦ – نجات كوثر أوغلو، التعليم في كركوك قديما وحديثا ١٥٣٤ – ١٩٥٨م، لندن، ٢٠١٦م.

٧ – جاسم محمد حضير الجبوري، سعيد الحاج ثابت: نشاطه الوطني والقومي، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة الموصل، (٢٠٠٠م).

مقال خاص براسام