شاهو القره داغي

بعد التفجيرين الانتحاريين المزدوجين في العاصمة العراقية بغداد الأسبوع الماضي، والذي أدى إلى استشهاد 32 مواطنا و إصابة العشرات، خرجت الكثير من الأصوات الطائفية من خلال المنصات الحزبية للعزف على الوتر الطائفي و استغلال الحادثة في إعادة إحياء الطائفية بعدما نجحت تظاهرات تشرين في القضاء عليها خلال الأشهر الماضية.
بعد التفجيرات بساعات خرج المستشار في قيادة عمليات بغداد للحشد الشعبي عباس الزيدي ليقول أن أحد الانتحاريين اللذين فجرا جسديهما وسط بغداد يحمل الجنسية السعودية ، وبدأت المنصات الإعلامية للأحزاب السياسية القريبة من إيران بتوجيه الاتهامات إلى السعودية وتحميلها مسؤولية هذه الحادثة و المطالبة بالرد على المملكة من خلال العمليات الإرهابية.
وبالتزامن مع هذا النشاط الإعلامي في العراق، أعلن فصيل جديد باسم “ألوية الوعد الحق” عن مسؤولية تنفيذ هجوم بالطائرات المسيرة على العاصمة السعودية الرياض ، فيما أكدت الميليشيات العراقية أن الهجوم انطلق من الأراضي العراقية .
و لاحقاً أكدت لجنة الأمن والدفاع البرلمانية أن انتحاريي ساحة الطيران هما عراقيان من الموصل، بينما نفى محافظ الموصل هذه المعلومة!
هذه التصريحات المتضاربة تؤكد بوضوح أن التصريحات والبيانات الرسمية غير دقيقة ولا يمكن التعويل عليها، و أن كل طرف سياسي بإمكانه توجيه الاتهامات و تلفيق الأكاذيب لتحقيق مصالح سياسية و أجندة خاصة. و كل طرف سياسي و أمني ينشر ما يوافق مصالحه دون وجود أي تنسيق بين الأجهزة الأمنية للخروج بخطاب مشترك يجسد الحقيقة و يطمئن المواطنين، بدلا من بث التناقضات المستمرة التي تفضح السياسات الازدواجية و النفس الطائفي و بث الرعب و القلق لدى المجتمع .

الثأر أو خلق الفتنة
وبعد التفجيرات مباشرة أعلنت أجهزة الدولة عن عمليات عسكرية لأخذ الثأر والانتقام من العصابات التي تقف وراء هذه التفجيرات. و بدأت الميليشيات بتنفيذ عمليات أمنية تحت شعار “محاربة الإرهاب والثأر” وقامت باعتقال العشرات من المدنيين ومداهمة المنازل و تكسير السيارات و الممتلكات. فقد بلغ عدد المعتقلين في شرق تكريت بمحافظة صلاح الدين أكثر من 200 مواطنا مع سرقة وتحطيم العديد من سيارات المواطنين وإهانة العوائل. وعلى الرغم من نفي المتحدث باسم الحشد وجود حملات اعتقال عشوائية في صلاح الدين ، إلا أن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر أكد في تغريدة على موقع تويتر هذه الأنباء وقال: ” أن هناك ضغوطات تُمارس من بعض الجهات ضد أهالي المحافظات السنية بحجة محاربة الإرهاب ، وهذا ما قد تنتفع منه بعض الجهات السياسية لأجل الدعاية الانتخابية “!
ليس لدى الأحزاب السياسية في العراق أفكارا او إنجازات او مشاريع لكسب الناخبين و اقناع الجماهير للتصويت لهم في الانتخابات، وبدلاً عن ذلك يلجؤون إلى أساليب أخرى اعتاد عليها العراقيون مع اقتراب الانتخابات ، وهو أسلوب الفتن واشعال النزاعات و الأحقاد الطائفية و المذهبية عن طريق ارتكاب اعمال غير قانونية و شرعية و ممارسة الإرهاب بحق المدنيين بحجة أخذ الثأر ومحاربة الإرهاب!
تحاول الأحزاب السياسية في الدول المتطورة والمحترمة على مستوى العالم تقديم رؤية سياسية و اقتصادية واضحة وقابلة للتحقيق في مرحلة الدعاية الانتخابية التي تسبق الانتخابات. او تذكر الإنجازات التي نجحت في تحقيقها خلال الفترة الماضية وتتعهد بالمزيد من الإنجازات مستقبلاً في حال نجاحه في الانتخابات. بينما في العراق تبدأ الدعاية الانتخابية بتخويف الشعب من الفوضى و الإرهاب لدفعه الى انتخاب الفاسدين مجدداً خوفاً من (الإرهاب المزعوم)، على الرغم من وجود التخادم الواضح بين الفساد و الإرهاب .
من المتوقع أن يزداد الاحتقان الطائفي و يزداد نشاط المنصات الإعلامية التابعة للأحزاب السياسية كلما اقتربنا من موعد الانتخابات. وقد يقع أحداث أخرى إرهابية – كما يُحذر المسؤولين – و نشهد عمليات انتقامية و تصريحات طائفية و تصاعد في خطاب الكراهية لدى السياسيين و وسائلهم الإعلامية ، لضمان تخويف المواطنين. وكما هو معروف فإن احدى الطرق للسيطرة على الناس وتخويفهم هو طريقة “اخلق المشكلة ثم قدم الحلول” كما يقول المفكر (تشومسكي)، ويذكر مثالاً لذلك قائلاً: ” دع العنف ينتشر أو قم بالتحضير لهجمات دموية، مما يجعل الجمهور هو الذي يطالبك باتخاذ إجراءات وقوانين وسياسات أمنية تَحُد من حريته ويتمسك بك اكثر”.
هذه الأطراف التي تقف وراء هذه الحملات سوف تهرول لاحقاً للاتفاق فيما بينها بعد انتهاء الانتخابات و تحقيق غرضها ، ومن المؤسف أن ينخدع المواطن مرة بعد أخرى بخطاب هذه الأطراف السياسية التي أفلست ولم تعد تستطيع الاستمرار إلا باستغلال الخطاب الطائفي الممنهج الذي تضمن له توجيه شريحة كبيرة من المواطنين المتأثرين بهذه الخطابات والذين لازالوا ينخدعون بالشعارات.
الحملات الدموية و الدعاية في زمن الحرب والفوضى هدف رئيسي للأطراف السياسية للضغط على المواطنين وتخويفهم. حيث لا يمكن ان يسمحوا بإجراء الانتخابات في بيئة سليمة بعيدة عن العنف والفوضى و السلاح المنفلت ، أو يسودها السلام و الاستقرار. لان المواطن حينها سيفكر في اختيار الأفضل ولن ينتخب حيتان الفساد و قادة الميليشيات. و من ملامح البدايات تكون النتائج واضحة و متوقعة منذ الآن. لأنه يصعب التفاؤل بالانتخابات ونتائجها في ظل التطورات الحالية ، إضافة لبقاء مخاطر التزوير والغش و الاختراق الالكتروني و الأساليب و الطرق الأخرى لتغيير النتائج والتلاعب بها لصالح المتنفذين.

مقال خاص براسام