الباحث : حسين صالح السبعاوي

إن التحالف الفارسي الصليبي هو تحالف قديم بدأ منذ ظهور الدين الإسلامي وانتشاره في الجزيرة العربية والشام ومصر والعراق بمعنى منذ سقوط الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية الرومية على حدٍ سواء. وعندما نتكلم عن الفرس نقصد الشعوب الفارسية من فرس ومغول وتتر التي تحالفت مع الصليبيين ضد العرب والمسلمين. وهنا أريد أن أذكر في هذا المقال عن ثلاث تحالفات قامت بين الفرس والصليبيين ضد العالم الإسلامي كان من نتائجها هو تدمير البلاد العربية والإسلامية وقتل مئات الآلاف من المسلمين وأن العراق قد ناله الجزء الأكبر من الدمار والقتل والتشريد نتيجة هذا التحالف المشؤوم كان من أبرزها هو سقوط الخلافة العباسية واحتلال بغداد وتدميرها سنة ١٢٥٨ .

التحالف المغولي الصليبي :
بدأت بوادر هذا التحالف منذ سنة ١٢٢٠ في عهد جنكيز خان مع البابا هونوريوس الثالث وقد ذكر البابا لأتباعه سنة ١٢٢١ بأن قوات آتية من الشرق الأقصى لإنقاذ الأرض المقدسة وهنا يقصد بيت المقدس، لكن بعد وفاة جنكيز خان سنة ١٢٢٧ قسمت امبراطوريته بين ورثته وحدثت بينهما حروب ونزاعات داخلية. لكن بقيت محاولات الصليبيين لإعادة هذا التحالف حتى استقر الحكم بيد الخان الأكبر ( كيوك ) فقام البابا اينوست الرابع سنة ١٢٤٥ بإرسال الراهب الدومينيكاني اسلاين والتقى مع ( بايجو) أحد قادة المغول قرب بحر قزوين وقد اتفقا على التعاون فيما بينهما لمحاربة المسلمين وسلم الراهب اسلاين رسائل من البابا إلى الخان الأكبر المغولي. استمرت هذه المحاولات لإنشاء تحالف بينهما سواء من قبل البابوية أو من قبل ملوك أوروبا ومنها عندما قام الملك الفرنسي لويس التاسع بحملته الصليبية الخامسة على مصر استقر الملك لويس في قبرص التقى مع مبعوثين من ( الجيغداي ) نائب الخان كيوك على فارس فقام لويس بالترحيب بهما وأرسل معهما هدية للخان على شكل كنيسة متحركة ومعها هدايا كثيرة للخان لكن عندما وصلا المبعوثين مدينة قراقورم العاصمة المغولية تبين أن الخان كيوك قد مات وأصبحت أرملته ( أوقول قايمش ) وصية على العرش سنة ١٢٤٩ وقد استقبلتهم ورحبت بهما والمشهور عن اوقول كرهها الشديد للعرب والمسلمين وقد وعدتهم بأن تشن حملة عسكرية على الشام وبيت المقدس متى تحسنت الظروف .
استمرت المحاولات الصليبية مع المغول للتحالف بينهما إلا أن أبرز هذه المحاولات هو ما قام به الملك ( هيثوم ) ملك أرمينيا التي بدأت منذ سنة ١٢٤٧ إلى سنة ١٢٥٤ حيث التقى هيثوم بنفسه مع الخان الأكبر بعدما وجد أن إرسال المبعوثين لا تحقق النتائج المرجوة وبعد لقاء هيثوم بالخان الأكبر قد تم اقناعه بشن حملة مشتركة ضد المسلمين ومحاولة استعادت بيت المقدس بحيث تبدأ الحملات الصليبية من الشمال ويبدأ المغول من الشرق وانتهت هذه التفاهمات بتكليف الخان لشقيقه هولاكو بشن حملة عسكرية تبدأ بتدمير الخوارزميين حتى تصل الى بغداد وتنهي الخلافة العباسية وهذا الذي حصل سنة ١٢٥٨ بدخول هولاكو بغداد وتدميرها وقتل من فيها ثم استمر هولاكو في تقدمه نحو دمشق واحتلها أيضا ثم أراد التوجه نحو مصر لكن القائد المملوكي بيبرس قد تصدى له وخاض معركة ضارية ضد المغول في منطقة عين جالوت والتي سميت المعركة بإسمها سنة ١٢٦٠ وانتصر عليه وشتت قواته وأصبحت بين أسير وطريد ثم توجه بيبرس إلى الإمارات الصليبية وحرر مدينة عكا من الصليبيين سنة ١٢٩١ وبهذا قد تفكك هذا الحلف .
أسباب التحالف الصليبي المغولي :
١- لا يوجد أي مصلحة تجمع بين المغول والصليبيين سوى العداء للعرب والمسلمين فالمغول أقوام وثنية متخلفة تعيش في أقصى الشرق بينما الصليبيين كانوا أصحاب ديانة وحضارة نشأت في أقصى الغرب فلا يوجد بينهما ترابط ثقافي أو جغرافي أو اقتصادي .
٢- كان الصليبيين يطمحون في دخول المغول إلى الديانة المسيحية بينما كان المغول يريدون إخضاع الصليبيين لسلطانهم بدليل عندما ارسل لويس ملك فرنسا هدية على شكل كنيسة إلى كيوك وطلب منه الدخول في المسيحية في المقابل طالبتهم أرملته بالطاعة لها مع إرسال المزيد من الهدايا على أنها جزية، ولهذا لم يكن التحالف بينهما واضح ومبدئي .
٣- كان الصليبيين يريدون إيقاف هجمات المغول نحو جورجيا وارمينيا وتحويلها إلى الشرق باتجاه الخوارزميين ثم إلى بغداد والشام وقد تحقق لهم هذا الهدف بتدمير العراق والشام .
أخيرا عندما مات هولاكو وزوجته دقوز خان حزن العالم النصراني كثيرا وقد كتب اسطيفان أوريليان وعدٌ هولاكو وزوجته بمنزلة قسطنطين وهيلانة لما قاما به من خدمة للنصارى .

التحالف الصفوي الصليبي :
هو التحالف الذي يطلق عليه بالتحالف الصفوي الهبسبوركي أو التحالف الصفوي النمساوي بدأ هذا التحالف في بداية القرن السادس عشر عندما تقدمت الدولة العثمانية بفتوحاتها إتجاه أوروبا وكادت أن تخضع جميع الدول الأوروبية لسلطانها لو لا ظهور الشاه اسماعيل الصفوي وتحالفه مع شارل الخامس امبراطور النمسا سنة ١٥١٦ – ١٥١٩ ثم إنضم إلى هذا التحالف كارلوس الأول ملك اسبانيا وأرسل مبعوثا الى الشاه اسماعيل يعرض عليه التحالف… بقيت المراسلات بينهما وإرسال المبعوثين حتى رد الشاه اسماعيل على هذه الرسائل برسالة مكتوبة باللاتينية سنة ١٥٢٣ إلى شارل الخامس يعرض فيها تنسيق العمليات المشتركة ضد العدو المشترك العثماني، توفي الشاه اسماعيل سنة ١٥٢٤ .
استأنفت الاتصالات بين النمسا وبلاد فارس سنة ١٥٩٣ عندما أرسل الإمبراطور رودولف الثاني من براغ رسالة إلى الشاه عباس لغرض استئناف التحالف بينهما وقد استمر هذا التحالف إلى سنة ١٦١٥
بدأ التحالف البرتغالي – الصفوي سنة ١٥٠٩ عندما ارسل (البوكيرك ) القائد البرتغالي مبعوثه ( جومير ) إلى الشاه اسماعيل ومعه رسالة ذكر فيها إني أقدر احترامك للمسيحيين في بلادك واعرض عليك الاسطول والجند والأسلحة لاستخدامها ضد قلاع الترك، وإذا أردت أن تنقض على بلاد العرب أو أن تهاجم مكة فستجدني بجانبك في البحر الأحمر امام جدة أو في عدن أو في القطيف.
أهم النتائج التي تمخضت عن التحالف الصفوي الصليبي :
١- تراجع الدول العثمانية من التقدم نحو أوروبا .
٢- إحتلال الأسطول البرتغالي لعمان وبقية السواحل الخليجية .
٣- إحتلال بغداد من قبل الشاه اسماعيل الصفوي .
٤- دخول العثمانيين بعدة معارك مع الصفويين كان من أبرزها معركة جالديران سنة ١٥١٤ انتصر فيها العثمانيين .
٥- عقد إتفاقية بين البرتغال والصفويين سنة ١٥١٥ كان من أبرز بنودها تقديم المساعدة للشاه من قبل الأسطول البرتغالي أثناء احتلاله القطيف والبحرين ، اعتراف الشاه بسيطرة البرتغاليون على مضيق هرمز، توحيد القوتين في مواجهة العدو المشترك العثماني .
انتهى هذا التحالف في بداية القرن الثامن عشر عندما خسرت الدولة الصفوية عدة معارك مع العثمانيين وانسحاب البرتغاليون من الخليج العربي بعدما واجهوا مقاومة ضارية من عمان .

التحالف الثالث :
بدأ هذا التحالف بعد وصول الخميني إلى السلطة في إيران سنة ١٩٧٩ وإنهاء حكم الشاه محمد بهلوي، اعتمد هذا التحالف على دعم إيران بتصدير ثورتها إلى العالم العربي والإسلامي حتى ولو بالقوة ومن خلال إثارة الطائفية في العالم العربي والإسلامي وإشعال الحرائق فيها مقابل دعم إيران لأمريكا في إحكام سيطرتها على المنطقة تحت ذريعة محاربة الإرهاب وقد نتج عن هذا التحالف إحتلال أفغانستان وإسقاط نظام طالبان سنة ٢٠٠٢ ذو التوجه الإسلامي الرافض للمشروع الإيراني الذي جاء به الخميني والذي تولاه من بعده خليفته خامنئي، ثم إحتلال العراق سنة ٢٠٠٣ وإسقاط نظام صدام حسين ذو التوجه القومي الرافض للتمدد الإيراني في المنطقة العربية والذي دخل في حرب مع إيران دامت ثماني سنوات خرج منها منتصرا سنة ١٩٨٨ وبإحتلال العراق وأفغانستان بالتعاون الإيراني الأمريكي أصبح الطريق أمام إيران مفتوح للتوغل نحو باكستان وبقية الدول المجاورة لأفغانستان كما أصبح الطريق مفتوح أمامها للتوغل داخل الدول العربية وقد استطاعت إيران إسقاط ثلاثة عواصم عربية بعد سيطرتها على بغداد وهي كل من دمشق وبيروت وصنعاء ومن الممكن إسقاط بقية العواصم العربية في السنوات القادمة خاصة دخول الخليج العربي الضعيفة والمفككة والتي تحادي إيران من جهة البحر وبهذا تكون إيران قد أحكمت سيطرتها على اغلب الدول العربية بفضل تحالفها مع الولايات المتحدة .
وتأكيدا لما ذكرناه فقد صرح الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي يقول فيه : الفضل يعود لإيران في إسقاط حكومة طالبان في أفغانستان، كما قال وزير الدفاع الإيراني علي شمخاني على أمريكا أن لا تنسى فضل إيران في دخولها أفغانستان والعراق !
ومن الجدير بالذكر أن العراق قد دفع الثمن غاليا نتيجة التحالف الفارسي الصليبي وقد أحتل ثلاث مرات من قبل إيران، كما أن قضية القدس حاضرة بجميع التحالفات سواء من خلال الحملات الصليبية الأولى أو من خلال شعارات إيران الحالية التي تدعي تحرير الأقصى، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن من يصدق إيران في ادعائها بتحرير الأقصى ويسلم بهذا الإدعاء هو أشبه بمن يسلم الذئب رعي الغنم… فلولا إيران ما سقطت الخلافة العباسية ولو لاها لما سقطت القدس بيد الصليبيين .
إيران هي سكين في خاصرة المسلمين منذ سقوط الإمبراطورية الفارسية الكسروية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في معركة القادسية سنة ١٦ هجرية بقيادة سعد بن أبي وقاص، وكلما علا نجم إيران سيكون على حساب العالم العربي والإسلامي ولا يعلو نجمها إلا بالتحالف مع الصليبيين ضد المسلمين .
( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين )

مقال خاص براسام