أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

مدخل :
في أواخر عام ٢٠٠٩م كنت أزور الأستاذ الفاضل المرحوم (محمد غانم العناز) – رحمه الله تعالى – وكان سفيرا للعراق لأكثر من ربع قرن وتنقل في دول عده، فأعتكف يدون مذكراته الشخصية، وتشرفت بمراجعتها تاريخيا، قال لي : “كلفت سفيرا للعراق في دولة قطر في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وعند تقديم أوراق اعتمادي لأمير قطر أهداني نسخة من موسوعة دليل الخليج (أربعة عشر جزءا مكتوبة بالأصل باللغة الإنكليزية)، وكذلك فعل وزير الخارجية القطري بإهدائي نسخة اخرى من الموسوعة، وهي طبعة مترجمة من قبل مكتب أمير قطر، ط٢، (الدوحة، ١٩٩٥)، وقام (العناز) رحمه الله تعالى بإهدائي إحدى النسختين، وكانت بحق هدية ثمينة لا تقدر بثمن، واستذكرتها هذه الأيام، ولأهميتها وضرورة الاطلاع عليها سأدون في عدة حلقات عن الموسوعة وعن من هو كاتبها (لوريمر)، ولماذا ولمن كتب هذه الموسوعة؟ ثم سأقوم بعرض عام لها.
بدأت أتساءل :
– كيف استطاع (لوريمر) إنجاز هذه الموسوعة المكونة من أربعة عشر جزءا؟ القسم التاريخي منها سبعة أجزاء، وسبعة أجزاء القسم الجغرافي.
حقيقة لا يسعك إلا أن تقف في ذهول أمام دقة العمل وذكر التفاصيل، حتى أنه عند مروره على القرى يذكر تفاصيلها ولا سيما قبائلها وعدد ماشيتهم وطبيعة تلك المنطقة الجغرافية.
إذن ما الهدف الرئيسي من إعداد مثل هذه الموسوعة ؟
أعتقد أولا: لأهداف البحث العلمي ومعرفة ونشر تاريخ الحضارات، لذا اعتبر (لوريمر) من أشهر البريطانيين الذين كتبوا بدقة وشمولية عن تاريخ العراق الحديث وسواحل الخليج ووسط الجزيرة العربية من خلال اطلاعه على التقارير البريطانية الرسمية وكتب الرحالة الذين زاروا المنطقة ومن خلال الدراسة الميدانية المباشرة التي يقوم بها بنفسه أثناء رحلته للمنطقة.
وثانيا: لأهداف سياسية واستخباراتية لجمع المعلومات التاريخية والسكانية وتمركز القبائل ونفوذها وطبيعة المواقع الجغرافية ونقل تلك المعلومات إلى حكوماتهم لأهداف سياسية آنذاك، إذ كان الصراع بين القوى الاستعمارية لاحتلال واستغلال ثروات المنطقة محتدما في تلك الفترة.
وفعلا كان هذا العمل استخباراتيا بحتا حيث أدرج لدى الحكومة البريطانية تحت تصنيف (سري) لا يطلع عليه إلا كبار السياسيين البريطانيين الذين يعملون في العراق أو منطقة الخليج العربي والجزيرة العربية في تلك الفترة ويتم تداوله بينهم على شكل تقارير سرية.
لذا اعتبر مشروع (لوريمر) في كتابة (موسوعة دليل الخليج) بديلا عن أجهزة الاستخبارات البريطانية في اختصار الجهد والوقت في جمع المعلومات.
عليه نرى أن بريطانيا أولت منطقة الخليج اهتماما بالغا منذ القرن الثامن عشر للميلاد، وذلك لدوافع اقتصادية وسياسية وعسكرية واستراتيجية، وهي عوامل متفاعلة ومتلازمة، فابتدعت نظاما للسيطرة على المنطقة مستمدا من تجاربها السياسية والاستعمارية في الهند، فقامت بتعيين المقيمين السياسيين والموظفين في الخليج ممن كانوا تابعين للحكومة البريطانية.
ففي عام ١٩٠٣م تم تكليف (لوريمر) من قبل الحاكم البريطاني في الهند، اللورد “كيرزون” لجمع أدلة ومعلومات للدبلوماسيين والوكلاء البريطانيين في منطقة الخليج، ومنح في البداية مدة ستة أشهر لإنهاء المهمة، لكن (لوريمر) أصر على منحه المزيد من الوقت ليضمن جمع معلومات وأدلة شاملة.
كان “كيرزون” يهدف من هذا المشروع إلى إصدار دليل سهل يمكن لموظفي الدولة ودبلوماسييها العاملين في منطقة الخليج العربي الرجوع إليه للحصول على المعلومات الأساسية اللازمة للعمل في المنطقة وفي تعاملهم مع وجهاء وأعيان وأفراد الإمارات العربية على سواحل الخليج والقبائل العربية في الجزيرة العربية، إذ أن الحكومة البريطانية كانت ترى في ذلك أهمية كبرى من أجل تعزيز نفوذها في المنطقة خصوصا في وجه القوى الأوربية الأخرى.
شرع (لوريمر) بعمله عام ١٩٠٤م واستعان بفريق عمل من موظفي الحكومة البريطانية الهندية للعمل على تصنيف المعلومات وترتيبها على وفق منهج علمي ثابت، ومن المعاونين الذين رافقوه (جاسكين) – الذي أصبح فيما بعد المقيم التجاري المساعد في بغداد، والملازم (جابريل) الذي أصبح موظفا سياسيا في حكومة الهند وفريقا من الباحثين السياسيين والعسكريين والجغرافيين، رافقوه في جولة إلى سواحل الخليج، فزاروا المراكز المهمة وسجلوا وجمعوا ما أمكنهم، ومن الأماكن التي زارها مسقط وصحار والشارقة والبحرين والكويت والبصرة وبغداد وكربلاء وبوشهر وبندر عباس والمحمرة.

من هو (لوريمر) – حياته – عائلته – وفاته ؟
هو (جون غوردن لوريمر) المعروف اختصارا (ج. ج. لويمر)، ولد في مدينة كلاسكو الشمالية البريطانية في ١٤ حزيران ١٨٧٠م، والده روبير لوريمر كان قسا، وأمه إيزابيلا لوكهارت اسكتلندية عملت مع عائلتها في الهند، كما عمل أخيه (روبرت) في الخدمة المدنية الهندية، وشقيقته هليدا وأخيه وليم عالمين في اللغة.
تولى (لوريمر) منصب المساعد الأول للمندوب السامي البريطاني عام ١٨٩١م ولكفاءته الدبلوماسية والسياسية العالية نقل الى مقاطعة سيملا عند سفوح جبال الهملايا ليتولى الشؤون الخارجية لحكومة الهند البريطانية آنذاك.
تزوج (لوريمر) من السيدة ماريان أغيس، واستقر أولا في ولاية البنجاب الهندية، إذ تولى منصب المساعد الأول للمندوب السامي البريطاني عام ١٨٩١م.
وفي عام ١٩٠٩م أصبح (لوريمر) المندوب السامي للتاج البريطاني لدى الأقاليم العربية التابعة للباب العالي العثماني، وفي عام ١٩١١م تولى منصب القنصل العام في بغداد، وقد عد الدكتور (صالح محمد خضر) (لوريمر) في مؤلفه الموسوم (الدبلوماسيون البريطانيون في العراق ١٨٣١ – ١٩١٤، (بغداد، ١٠٠٨) من أفضل المقيمين والقناصل العامين البريطانيين، بما تميز به من خبرة ودقة ووضوح التقارير التي كان يرسلها بسبب سعة اطلاعه وثقافته ومعرفته باللغات الشرقية.
ومن المفيد الإشارة إلى كون نهاية (لوريمر) نهاية مأساويه حزينة أثناء عمله كمقيم سياسي في مدينة بوشهر، ففي الثامن من شباط عام ١٩١٤م عثر عليه ميتا جراء اطلاقات نارية بالبطن نتج عن بندقية اوتوماتيكية الاطلاق عن عمر يناهز الثالثة والأربعين، حينما اختلى بنفسه في غرفة ملابسه الخاصة لتنظيف بندقيته الآلية.
بعد وصول خبر وفاته الى الوكيل البريطاني في البحرين الرائد (أرثر برسكوت)، الذي دون في سجل يومياته أن “الأخبار المفاجئة صدمت الجميع وقد نكس علم الوكالة، واغلق المكتب توقيرا للمتوفى، إن موت (لوريمر) منتحرا لم يزل غامضا ولم تعرف لحد الآن الأسباب الرئيسية لعملية الانتحار.
أقيمت جنازته في اليوم التالي في مقابر إدارة التلغراف – الهندو – أوربية في بوشهر، وقامت الفرقة (١٠٢) من لواء الحرس الملكي البريطاني وبحارة البحرية البريطانية بحمل النعش من السفينة الحربية (فوكسن) بينما عزفت الجوقة العسكرية، وشمل الحضور، إلى جانب زوجته وموظفي المقيمية، حاكم مقاطعة موانئ الخليج ووكيل وزارة الخارجية الفارسي ورئيس البنك الامبراطوري الفارسي بالإضافة الى كبار التجار الفرس في بوشهر ثم نقل إلى مقبرة (وارستون) في (ايدنبرغ) إذ تم دفنه مع اشقائه.
(لوريمر) لديه مؤلفات عديدة أبرزها موسوعة (دليل الخليج) بأجزائه (الـ (١٤) الأربعة عشر، – موضوع حلقاتنا القادمة –

المصادر :
١ – صالح محمد خضر، الدبلوماسيون البريطانيون في العراق ١٨٣١- ١٩١٤م، (بغداد، ٢٠٠٨).
٢ – جعفر الديري، جون لوريمر ومصنفه دليل الخليج، مقال منشور في جريدة الوطن، البحرين، ٦ شباط ٢٠١٥.
٣ – علي عفيفي، نخيل الخليج العربي في دليل الخليج العربي، (دار الرافدين، لبنان، ٢٠١٥).
٤ – ستيفن همسلي لونكريك، أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، ترجمة جعفر خياط، (بغداد، ١٩٨٥).
٥ – عبد العزيز سليمان نوار، المصالح البريطانية في أنهار العراق ١٦٠٠ – ١٩١٤م، (بغداد، ١٩٦٨).
٦ – علاء موسى كاظم نورس، العراق في العهد العثماني، دراسة في العلاقات السياسية ١٧٠٠ – ١٨٠٠م، (بغداد – ١٩٧٩).