يمكن مسامحة أي شخص يعتمد على محطات التلفزة الغربية مثل سي إن إن أو بي بي سي للحصول على أخبارهم التي تدفعه للاعتقاد بأن الشعب العراقي قام بمظاهرة شعبية حاشدة، وتدفق إلى شوارع بغداد والمدن الأخرى للمطالبة بطرد جميع القوات الأمريكية من بلادهم. وهذا أبعد ما يكون عن الصورة الحقيقية للمظاهرات التي حولت بغداد إلى ساحة معركة.
هناك، في الواقع، احتجاجان شعبيان رئيسيان يجريان في شوارع بغداد. إحداها مظاهرة حاشدة نظمها تجمع قوي مؤيد لإيران داخل البرلمان، حث عليه رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر. اغتنم الصدر، زعيم “سائرون”، وهي أكبر كتلة ائتلافية في البرلمان، الفرصة التي أتاحها رد الفعل الشعبي على اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني على الأراضي العراقية في 3 يناير/ كانون ثاني.
أيد البرلمان العراقي، في 5 يناير/ كانون ثاني، قرار غير ملزم بمغادرة، جميع القوات الأجنبية بما في ذلك 5200 جندي أمريكي، البلاد. كما دعا الصدر الشعب إلى المشاركة في مسيرة (مليونية). ومن المؤكد أن الناس استجابوا، ولكن في واقع الأمر، فإن أيا من التجمعات المؤيدة لدعوته لم تصل إلى مستوى المليونية.
تلقت جهود الصدر لإثارة الأزمة انتكاسة في 22 يناير/ كانون ثاني عندما التقى الرئيس العراقي برهم صالح بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا. مما أثار استياء المحتجين المؤيدين للصدر، حيث اتفق الزعيمان على ضرورة إبقاء القوات الأمريكية في العراق.
منذ أيلول/ سبتمبر 2019، أصبحت مدن العراق في حالة تأهب تقريبا نتيجة لاستياء شعبي حقيقي من الفساد وعدم كفاءة سياسيي العراق والطبقة الحاكمة. وعلى مدى أشهر في عرض غير مسبوق للمشاعر المعادية لإيران، هتف المتظاهرون “إيران برة برة ، بغداد تبقى حرة”.
الغالبية العظمى من المتظاهرين هم من الشباب، والكثير منهم يعاني إلى حد كبير. فعلى الرغم من ثروة العراق النفطية، فكل واحد من خمسة من الشباب العراقي يعيش تحت خط الفقر. وواحد من كل أربعة شباب هو عاطل عن العمل.
في الأيام الأولى كان يعتقد أن الصدر متعاطف مع المطالبة بإصلاحات شاملة ومعارض للجهود التي تقودها الحكومة لتفريق المحتجين. وفي الأصل فإن تلك الجهود تضمنت نشاط من فيلق الحرس الثوري الإيراني، بقيادة قاسم سليماني، وأسفرت عن مئات القتلى وآلاف الجرحى. وقد أظهرت لقطات، نشرت على الإنترنت، العراقيين وهم يضربون صور سليماني بأحذيتهم، وهي إهانة قاسية في الثقافة العربية.
إن الاحتجاجات المناهضة للحكومة لم تظهر سوى القليل من علامات الضعف. ما حدث هو أن بعض قادتها بدأوا يتهمون حركة الصدر بدعم الحكومة في حملتها. بإعلان أن الصدر موال لإيران، وهم على حق بالطبع.
لقد أصدر مقتدى الصدر، الذي يرأس أكبر كتلة في البرلمان، مؤخرا، بيانا على موقع تويتر عبر عن “خيبة أمله” في أولئك الذين اتهموا المظاهرات التي دعا لها بأنه موالية للحكومة. وقال “من الآن فصاعدا لن أتدخل في شؤون هؤلاء المحتجين بطريقة سلبية أو إيجابية” .
في 25 يناير/ كانون ثاني، بدأ أشخاص من أنصار الصدر في تفكيك خيامهم وترك الاعتصامات في وسط بغداد. تزامن ذلك مع هجوم جديد شنته قوات الأمن الحكومية، والتي اقتربت من ساحة التحرير في بغداد، وهو المعسكر الرئيسي المناهض للحكومة، وأعادت فتح العديد من الطرق التي أغلقها المتظاهرون سابقا.
أطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي على ساحة الخلاني، الواقعة على بعد بضع مئات من الأمتار من ساحة التحرير، في حين أشعلت شرطة مكافحة الشغب النار في عدد من الخيام الاحتجاجية على جسر السنك القريب، ونتج عنه عمودا من الدخان الأسود الكثيف في السماء. وقال بيان من قيادة عمليات بغداد إن المربعات الرئيسية والطرق التي كانت في السابق نقطة محورية للمتظاهرين قد أعيد فتحها أمام حركة المركبات.
وفقا لتقارير وسائل الإعلام، فإن بعض المتظاهرين المناهضين للحكومة في ساحة التحرير ألقوا باللوم على العنف في قرار الصدر بوقف مشاركته في حركة الاحتجاج. إلا أن هذا الرأي لم يكن رأيا عاما. فقد ادعى أحد مؤيدي الصدر، وهو طالب في القانون يبلغ من العمر 24 عام، أنه على الرغم من أن بعض أتباع الزعيم الشيعي غادروا التحرير، إلا أن الأغلبية كانت لا تزال حاضرة.
ترجمة وتحرير: راسام

