المقدمة:
تعج الساحة السورية بالتدخلات الخارجية التي عقدت الوضع بشكل كبير، فهناك تدخل عسكري روسي كبير ،وكذلك ايراني يشمل قوات من الحرس الثوري الايراني ،بالإضافة الى تدخل حزب الله اللبناني ،والميليشيات العراقية ،والباكستانية ،والافغانية ،وهناك تدخل امريكي مع دعم عسكري ولوجيستي لميليشيات كردية يطلق عليها قوات سوريا الديمقراطية ،وهناك تدخل عسكري تركي تمثل في عملية درع الفرات ،وعملية غصن الزيتون ،وأخيراً عملية نبع السلام، ،وأخيراً هناك تدخل عسكري جوي اسرائيلي ضد التواجد الايراني في سوريا ،التي تحولت لساحة صراع لقوى خارجية متعددة ،ومن يرى وجود هذه القوى الخارجية في سوريا يتواصل الى استنتاج مفاده بأن هذه الاعداد الكبيرة للقوات شكلت حالة من عدم الاستقرار ،والقدرة على الحسم على مختلف المستويات السياسية ،والاقتصادية ،والعسكرية ،والانسانية وجميع هذه الجهات لها مصالح تتقاطع مع بعضها البعض الاخر ،فتركيا لديها مخاوفها الامنية من التنظيمات المسلحة الكردية الانفصالية التي تشكل تهديد مباشر للأمن القومي التركي ،كما أنها تتخوف من موجة نزوح جديدة لن تستطيع تركيا استيعابها ،بل إن الموجودين في داخل تركيا اصبحوا يشكلون عبئاً ثقيلاً على الوضع السياسي الداخلي ،أما روسيا فهي تعارض إنشاء أي كيان انفصالي يمكن أن تشكله التنظيمات المسلحة سواءً كانت كردية، أو معارضة سورية، لذا فخيار المنطقة الامنة الذي تم الاتفاق عليه في ايلول عام2018،لن يخدم أهداف موسكو على المدى الطويل ،لأنها تعزز وجود المعارضة السورية ،وتحد من فرص سيطرة النظام على كامل الاراضي التي خرجت عن سيطرته بعد عام2011،كما إن تطور العلاقات بين التنظيمات المسلحة الكردية والنظام السوري يزيد من إشكالية الوضع في سورية ،رغم علاقتها المتينة مع الولايات المتحدة الامريكية وهل ستسمح لها بالاتفاق مع النظام؟ وهي من تقوم بحمايتها وتقديم الدعم العسكري اللازم لها .
مناطق خفض التصعيد في سورية:
بعد معركة حلب عام2016اطلقت موسكو مسار أستانة الذي يضم تركيا وايران ،وبعد جولات من اللقاءات توصلت الدولة الضامنة في الرابع من ايار /مايو عام2017،الى اتفاق لإنشاء أربع مناطق لخفض التصعيد في سوريا :تشمل كل من مدينة إدلب، وريف حمص الشمالي، والغوطة الشرقية، والمنطقة الجنوبية التي وضعت تفاصيلها بالاتفاق مع الاردن ،ولكن حقيقة الامر إن روسيا كانت تخطط لاستعادة هذه المناطق بسلسلة من العمليات العسكرية بما فيها مدينة ادلب ،ولكن التوافقات الروسية التركية فيما يخص مؤتمر سوتشي جعلت روسيا تؤجل استعادة بعض المناطق لفترة قادمة لأن استمرارها كان مهدداً بفشل مؤتمر سوتشي مما أدى لوقف العملية العسكرية في مدينة إدلب ،أو كانت هذه مقصودة لتحييد أقوى جبهات المعارضة السورية عن بقية المناطق الاخرى التي كانت تشكل تهديد مباشر على العاصمة دمشق في الغوطة الشرقية مثلاً ،لذا فقد توجه النظام الى الغوطة الشرقية وبقية المناطق الاخرى، ليهجر مسلحي المعارضة الى الشمال السوري ،وهذا ما حصل في جميع مناطق خفض التصعيد ،لتجتمع قوى المعارضة السورية في مدينة ادلب ،التي دخلت في اتفاق جديد تم التوصل اليه في مدينة سوتشي، عام2018، حول مدينة إدلب بين روسيا وتركيا باعتبارهما ضامنين لهذه الاتفاق ،الامر الذي أجل المعركة العسكرية على مدينة إدلب لفترة قادمة.
معركة إدلب أكثر كارثة إنسانية في العصر الحديث:
يعتبر التطور العسكري الكبير في الشمال السوري في مدينة ادلب بمثابة كارثة على المستوى الانساني فهذه المعركة المؤجلة هي من أكبر الكوارث الانسانية في العصر الحديث، والتي قد تؤدي الى تهجير أكثر من (3)
،مليون سوري وعليه فأن سيناريو السيطرة على إدلب باستخدام القوة العسكرية سيكون كارثياً على المعارضة السورية وعلى تركيا ،واوروبا، بسبب الاعداد الكبيرة للمدنيين السوريين الذين تصل أعدادهم الى اربعة مليون شخص مما سيضغط بشكل كبير على الدول الضامنة ،وسط صمت دولي مطبق بما فيها مجلس الامن ،والجامعة العربية التي تقف مع دولها موقف مخزي من تطورات الاحداث في سوريا ،بحيث الخارجين من ريف ومدينة ادلب لا يعرفون أين يذهبون ،فتركيا لا تسمح لهم بالدخول لعدم قدرتها على الاستيعاب ،والامم المتحدة عاجزة عن تلبية مطالبهم الانسانية في هذه الظروف المناخية القاسية ،فالبقاء يعني أنك تحت القصف الموت والخروج يعني المصير مجهول ،واليك أن تتصور حجم الكارثة.
أهم بنود الاتفاق لمنطقة خفض التصعيد في ادلب:
أولا: الإبقاء على منطقة خفض التصعيد في إدلب، وتحصين نقاط المراقبة التركية واستمرار عملها.
ثانيا: سيتخذ الاتحاد الروسي جميع الإجراءات اللازمة لضمان تجنب تنفيذ عمليات عسكرية وهجمات على إدلب، والإبقاء على الوضع القائم.
ثالثا0إقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق(15-20)كيلو متراً داخل منطقة خفض التصعيد.
رابعا: إبعاد جميع الجماعات الإرهابية الراديكالية عن المنطقة منزوعة السلاح، بحلول15 أكتوبر (تشرين الأول(.
خامسا: سحب جميع الدبابات وقاذفات الصواريخ المتعددة الفوهات والمدفعية ومدافع الهاون الخاصة بالأطراف المتقاتلة، من داخل المنطقة منزوعة السلاح بحلول10أكتوبر 2018.
سادسا: ستقوم القوات المسلحة التركية والشرطة العسكرية الخاصة بالقوات المسلحة التابعة للاتحاد الروسي، بدوريات منسقة وجهود مراقبة باستخدام طائرات من دون طيار، على امتداد حدود المنطقة منزوعة السلاح ،والعمل على ضمان حرية حركة السكان المحليين والبضائع، واستعادة الصلات التجارية والاقتصادية.
سابعا: استعادة حركة الترانزيت عبر الطريقين إم4(حلب- اللاذقية) وإم5(حلب- حماة) بحلول نهاية عام 2018.
التعليق:
السؤال لماذا لم تلتزم روسيا والنظام بهذا الاتفاق ،رغم عدم تطبيق جميع بنوده من قبل الطرفين؟ ولماذا لم يتم الجلوس لطاولة مفاوضات لمناقشة الوضع في ادلب قبل البدء بالعملية العسكرية التي شنتها قوات النظام السوري مدعوماً بالطيران الروسي والميليشيات الايرانية؟ وللجواب على هذا التساؤل نقول بأن من يراقب الساحة السورية يجد أن أطلاق النظام لهذه الحملة العسكرية للسيطرة على مدينة ادلب بالقوة وبموافقة روسية فيه استعادة لنفس السيناريو الذي جرى في الغوطة الشرقية ،والمنطقة الجنوبية، وريف حمص الشمالي !وهنا نسأل هل كانت هذه المناطق التي سميت بحفض التصعيد ألا فخ روسي للتفرد بهذه المناطق الواحدة تلو الاخرى، أم إن الحرب خدعة وبالتالي هي خدعة عسكرية روسية تحاول من خلالها كسب الوقت لجمع المعلومات ،وتهيئة القدرات العسكرية اللازمة للسيطرة عليها ،ومحاولة لحسم الصراع في سوريا عسكرياً وإعادة فرض سيطرة النظام على هذه المناطق بالتدريج بعيداً عن أي حل سياسي قادم يضمن الانتقال السياسي للسلطة ،ومهما كانت نتيجة هذه المعركة على الصعيد الانساني، حتى وصلنا الى بقاء منطقة واحدة وهي مدينة إدلب ،مما سمح للنظام بترصين جبهته الداخلية ،وجلب قوات كبيرة تسمح له من القيام بمناورة كبيرة وعلى محاور متعددة تحد من قدرة المعارضة على وقف الهجوم بسبب القدرات العسكرية المحدودة ،كما أنها مكنته من كسب الوقت للحصول على المعلومات للضغط على تركيا والمعارضة السورية لتخلي عن بعض المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية.
روسيا والنظام السوري وايران وميليشياتها والحل العسكري:
يبدو أن التطورات العسكرية في شمال سورية تبين بأن روسيا ،والنظام السوري ،وايران وميليشياتها قد حسمت أمراها باستعادة مدينة إدلب رغم الاتفاقات المبرمة على خفض التصعيد في هذه المنطقة بين تركيا وروسيا ،ورغم المعارضة الواسعة للمجتمع الدولي على هذه المعركة في هذه الظروف المناخية الصعبة، التي قد تسبب موجة نزوح كبيرة تتخوف منها أوروبا وتركيا بشكل كبير ،وقد جاء التطور الخطير في الموقف بعد مقتل ستة جنود أتراك جراء القصف المدفعي للنظام على أحدى نقاط المراقبة التركية ، بعد أن اندفعت قوات النظام تساندها الميليشيات الايرانية وبدعم روسي كبير لتسيطر على مدينة معرة النعمان ،وسراقب ،والنيرب لتصل الى الطريق الدولي(أم4)،و(أم5)، لتسيطر على مجموعة كبيرة من المدن والقرى والبلدات الصغيرة ،كما جاء إعطاء الرئيس التركي المهلة لقوات النظام السوري ومن تجحفل معها الى نهاية شهر شباط/يناير الحالي، لتقوم بالانسحاب الى ما وراء نقاط المراقبة التركية في مدينة إدلب وحسب أتفاق سوتشي ،وهذه المهلة أعطت للنظام وروسيا فرصة لتقوم بقضم المزيد من الاراضي والسيطرة عليها ،ليفرض واقع جديد يصب في مصلحة روسيا والنظام الذي بدأ يضيق عليه الخناق اقتصادياً ،مع صدور قانون سيزر الذي ستنفذه الولايات المتحدة الامريكية ضد النظام الاسدي في سوريا.
موازين القوى على الارض:
لاشك إن النظام في سوريا مدعوم من قبل حزب الله اللبناني ،ومن قبل ايران ،والميليشيات المتعددة الجنسيات العراقية، والافغانية ،والباكستانية بالإضافة الى إن القوات الروسية تمتلك من القدرات العسكرية والاستخبارية ،والالكترونية ،والجوية ،والتقنيات الحديثة ،ووسائل المراقبة والرصد ،والمدفعية ،والصواريخ ،وأجهزة الرؤية الليلية ،والقوات الخاصة المجهزة بأحداث التقنيات الحديثة ما يمكنها من حسم المعركة ،خصوصاً مع أتباع سياسية الارض المحروقة ،باستخدام كثافة نيران غير مسبوقة ،واسلحة محرمة دولياً ،معتمدين على سياسية التهجير للمدنيين من خلال استهدافهم لإجبار المعارضة السورية على تسليم هذه المناطق أو الانسحاب منها ،لتجنيب المدنيين القتل ،والخراب ،والدمار كما إن الحملة الواسعة والعنيفة التي شملت الاندفاع في محاور متعددة ،وبكثافة نارية كبيرة يفسر لنا الانهيار الكبير في الموضع الدفاعي للمعارضة السورية التي تمتلك قدرات عسكرية محدودة جداً ،تفتقد الى قابلية الحركة ، والى القوة النارية ،والى منظومة قيادة وسيطرة فاعلة، لذا نرى الانهيار الكبير في الموضع الدفاعي للمعارضة السورية ،لذا جاء التطور الكبير في الموقف التركي والذي يتمثل بتحشيد للقوة العسكرية ،والذي تجاوز العمليات العسكرية التي قامت بها تركيا في درع الفرات، وغصن الزيتون، ونبع السلام بدخول بطاريات صواريخ ضد الطائرات ،وراجمات صاروخية ومنظومات تشويه ،وقوات الية ،ومدرعة قد تغير الموقف ،وتشكل ردعاً لقوات النظام ومن ورائها لوقف العملية العسكرية الجارية حالياً في الشمال السوري.
المواقف من التطورات في الشمال السوري:
إن عملية تحشيد القوة التي تقوم به تركيا غير الكثير من موازين القوى على الارض ،وأجبر قوات النظام على التوقف عن قصف المدنيين في مدينة إدلب فضلاً عن التقدم بتجاهها ،كما أنها تجعلنا أمام مرحلة جديدة كما سماها الرئيس التركي فدخول ما يقارب(10)،ألاف جندي تركيا من أكثر من(1000)،ألية عسكرية تشمل دبابات ،ومدرعات ،ورادارات مراقبة ،ومنظومة تشويه(كوران)ومنظومة دفاع جوي بضمنها بطاريات صاروخية ضد الطائرات ،وراجمات صواريخ ،وقوات خاصة يجعل الاوضاع في سوريا معقدة بشكل كبير وأما م خيارات مفتوحة وصعبة ،وقد هددت تركيا بفرض منطقة أمنة وحظر جوي فوق مدينة إدلب ولن تسمح بقصف المدنيين فيها، وقد تم أسقاط مروحتين الى الان ،كما أنه سيكون هناك تغير في قواعد الاشتباك ،وسيكون هناك رد مباشر على أي تجاوز على القوات التركية ،كما بدأت تركيا بانتقاد الموقف الروسي الى جانب النظام السوري الذي يجب أن ينسحب حسب أتفاق سوتشي ،وقد وصل وفد روسي الى تركيا للتوصل الى تفاهمات ولكن الاجتماعات فشلت بسبب تعنت الطرفين ،بعد أن طالبت روسيا أن يكون هناك أتفاق جديد حسب المعطيات الجديدة على الارض ،الامر الذي رفضه الجانب التركي وقد صدرت تصريحات روسية من الرئاسة، والدفاع ،والخارجية تحمل تركيا مسؤولية التصعيد ،كما إن المهلة التي أعطاها الرئيس التركي الى نهاية هذا الشهر هي فرصة ثمينة للتوصل الى اتفاق مع روسيا حول مدينة إدلب ،أما بعودة الاطراف لاتفاق سوتشي ،أو كتابة أتفاق جديد يضمن المصالح التركية والمعارضة السورية ،وقد دعمت الولايات المتحدة الامريكية الخطوات التركية في الشمال السوري وكذلك حلف الناتو ،ولكن الى أي مدى سيصل الدعم الامريكي ؟أما على مستوى الدول الاوروبية فهناك شبه صمت أوروبي على ما تقوم به تركيا في الشمال السوري من عملية تحشيد للقوة وتصعيد عسكري ،وهذا على عكس ما جرى في ليبيا وعملية نبع السلام وهي بمثابة موقف داعم للعملية التركية كون أوروبا تتخوف من موجة نزوح جديدة قد تصل اليها.
الخيارات التركية في الشمال السوري:
لا شك أن الوضع معقد بشكل كبير ويحتاج الى توازنات صعبة على المستوى الداخلي ،والخارجي ،ومن المؤكد أن تركيا تستطيع أن تواجه قوات النظام وحلفائه ،ولكنها ترى أن العقبة تكمن في وجود القوات الروسية ،فتركيا لا تريد أن تخوض حرب مع روسيا في الشمال السوري وهذا ما جاء على لسان الرئيس التركي قائلا: “بأنه لا توجد حاجة لدخول تركيا في نزاع خطير أو تصادم مع روسيا “وهذا يعني إن تركيا تحاول أن تميل للمفاوضات للتوصل لاتفاق ،وتغليب العمل السياسي على العمل العسكري الذي فيه محددات كثيرة تجعل تركيا ترجح العمل السياسي أكثر ،وهذا يعود لأسباب كثيرة منها: إن هناك تعاون اقتصادي وعسكري كبير بين البلدين خاصة بعد حصول تركيا على منظومة الدفاع الجوي (إس-400)،وأنشاء مفاعل نووي من قبل شركة (روس-أوتوم)الروسية بقيمة (20)،مليار دولار كما إن هناك تباين كبير في القدرات العسكرية بين روسيا وتركيا ،وخاصة وإن سلاح الجو الروسي متطور بشكل كبير ولا يمكن تحييده بسهولة ،بالإضافة الى الورقة الاقتصادية حيث تعتمد تركيا على روسيا في ملفات مهمة كالطاقة ،والسياحة ،والتبادل التجاري ،مع قدرة روسيا على استخدام الورقة الكردية كعامل ضاغط على أنقرة ،كما إن الولايات المتحدة الامريكية هي حليف غير موثوق لتركيا في الوقت الحاضر ،وسبق وإن وقفت ضد تركيا والمعارضة السورية ،وكذلك أوروبا التي ترفض هذه العملية العسكرية كونها تخشى من موجة هجرة جديدة ولكنها لن تقدم الدعم لتركيا ،كما إن تركيا تفتقد الى الدعم العربي لهذه العملية ،ومن المؤكد أن القدرات الاقتصادية التركية ،والتوافقات السياسية الداخلية قد تحد بشكل كبير من اتخاذ القرار العسكري لهذه العملية، ولكنها أذا أجبرت على الدفاع عن نفسها فسوف تمضي حتى النهاية في هذا الخيار ،أما أذا تخلت روسيا عن النظام وهذا ما ستبعده تماماً فالأمر سيكون مختلف بشكل كامل ،لذا فالخيارات التركية محدودة وصعبة وقد تكون كما يلي :
أولا: الاتفاق بين تركيا وروسيا على الرجوع الى اتفاق سوتشي ،على أن تفتح الطرق الدولية (أم4) ،و(أم5)، ويتم الانسحاب من بقية المناطق التي سيطر عليها النظام ،وهذا ما ترفضه روسيا لحد الان.
ثانيا: التوصل الى اتفاق جديد بين روسيا وتركيا على أن تأخذ المعطيات الجديدة بنظر الاعتبار ،على أن يتضمن إقامة منطقة أمنة على ما تبقى من مدينة إدلب ،لأنه لم يعد هناك خيار يسمح باستقبال تركيا لمزيد من المهجرين، وهذا خيار خطير يهدد بفقدان المعارضة الكثير من الاراضي ويعتبر خرقاً للاتفاقات السابقة ،مما يجعل المعارضة وقبلها تركيا تقول هل ستلتزم روسيا بهذا الاتفاق؟ وهذا الخيار غير مقبول الى الان من قبل تركيا التي تقول أنه لا يمكن السكوت على هذا التطور العسكري الكبير في مجريات الاحداث.
ثالثا: تركيا تريد الان إرغام الاطراف الغير ممتثلة لوقف أطلاق النار ،لفسح المجال للعمل السياسي وجعل وقف اطلاق النار مستداما ،ولكن هل ستنجح تركيا بهذا؟ وهل ستمتثل جميع الاطراف بها ؟ وكم سيستمر من الوقت؟ وهذا ما صرح به وزير الدفاع التركي خلوصي أكار ،لذا فهي تحاول الان من خلال ارسال التعزيزات العسكرية الكبيرة وأنشاء نقاط مراقبة جديدة لمنع روسيا والنظام وحلفائه من السيطرة على مزيد من الاراضي التي كانت خارج سيطرتهم ،مستغلين الانهيار الكبير في صفوف المعارضة بإدامة الزخم في جميع المحاور ،وقد اربع دول أوروبية الى وقف العملية العسكرية على مدينة ادلب منها إستونيا، فرنسا ،والمانيا ،وبلجيكا ،وجعل وقف أطلاق النار حقيقي ودائم.
رابعا: منع روسيا والنظام من القيام بعمل مباشر على مدينة ادلب من خلال التحشيد العسكري ،وإقامة نقاط مراقبة جديدة لضمان عدم تدفق النازحين والمهجرين جراء العمليات العسكرية الى تركيا ،أو أوروبا ،وهذا مدعوم من قبل المجتمع الدولي على المستوى السياسي من خلال التأييد للإجراءات التركية فقط.
خامسا: الخيار العسكري هو أخر الخيارات التركية ،وأعتقد أنه لن تمضي به حتى يفرض عليها باستهداف مباشر ،فعند أذن سيكون خيار الدفاع عن النفس ،وهو محدود ولن يتطور الى حرب مفتوحة مالم تطرأ تغيرات كبيرة على الموقف الدولي وخاصة الامريكي والاوروبي ،وبهذا التطور الكبير في الشمال السوري يجعل الروس في موقف تفاوضي جيد ،وبنفس الوقت هم في حرج كبير لأن السيطرة على كامل الشمال السوري سيجعلهم يصطدمون بالأتراك الذين يسيطرون الان على مساحات واسعة من الاراضي وهذا ما لا يريده الطرفين.
تداعيات العملية العسكرية في الشمال السوري:
أولا: على المستوى السياسي: إن التصعيد العسكري الذي قامت به روسيا والنظام السوري وحلفائها في الشمال السوري يعني انتهاء الحل السياسي في سوريا ،والعمل على الحل العسكري ،وأنه لا يوجد أي مسار انتقالي للسلطة في سوريا ،ولا قيمة لكل القرارات التي صدرت من مجلس الامن ،والجامعة العربية.
ثانيا: على المستوى الانساني: لقد بدأت المأساة الانسانية للمدنيين السوريين بتهجير ما يقارب مليون شخص نازح على الحدود السورية التركية ،واذا استمرت المعركة قد نصل الى أكثر من ثلاثة مليون نازح ، مما يعني موجة تهجير قد تصل الى أوروبا ،وهذا يجري وسط صمت مطبق للجميع بما فيها مجلس الامن ،والدول العربية ،مما يعني مأساة حقيقية لا توجد القدرة على استيعابها.
ثالثا: على المستوى العسكري: التصعيد العسكري الحالي لن يحسم الصراع في سوريا ،وسيعقد المشهد بشكل كبير ،وسيجعل المعارضة السورية تعود لحرب العصابات مرة أخرى ،ولكن تكرر الخطأ الكبير الذي ارتكبته بالسيطرة على مدن كبيرة لم تستطع الدفاع عنها ،خصوصاً مع تفاوت القدرات العسكرية.
رابعا: قد يدفع التصعيد العسكري بالشمال السوري نحو التقسيم خصوصاً مع التفاهمات التي تتسرب بين النظام ،والقوات الكردية الذي يشمل الاتفاق على الادارة الذاتية للمناطق التي يسيطر عليها الكرد ،وقد يكون هناك تدخل دولي لفرض منطقة أمنة في الشمال السوري ،بإدارة المعارضة السورية.
الخاتمة :
سيكون المدنيين في الشمال السوري هم الضحية الاكبر في الصراع الدائر بين قوى المعارضة وتركيا من جهة وبين روسيا وايران والنظام والميليشيات من جهة أخرى، و يبدو إن الاستنزاف الكبير لموارد الاطراف المشاركة في الحرب بسوريا سيستمر لفترة قادمة ،مع غياب الحل السياسي الحقيقي في سوريا ، وعدم قدرة المجتمع الدولي على وقف الاجرام الروسي الايراني وحلفائها من الميليشيات الطائفية ،خصوصاً مع سعي موسكو الى حسم الصراع بالقوة العسكرية ولكنها روسيا لم تقل لنا كيف سيتم التعامل مع المهجرين داخل خارج سوريا؟ ولم تقل كيف سيتم التعامل مع التواجد الايراني وميليشياته الطائفية؟ وكيف سيتم التعامل مع القضية الكردية ؟وكيف سيكون الحل السياسي في سوريا؟.

