نظير الكندوري

عنوان غريب لا يفكر فيه حتى أكثر المتفائلين، بأن العالم يمكن أن يجتمع مرة ثانية وبقيادة أمريكية لمحاربة التنظيمات المليشياوية هذه المرة، مثلما حارب تنظيم داعش، لا سيما وأن المليشيات وتنظيم داعش، لها راعي وممول واحد، كما اعترف بذلك الأمريكان أنفسهم.
عدد من السياسيين والمحللين السياسيين الكرد، تجرؤا على التصريح بإمكانية تشكيل مثل هذا التحالف، وأن قيادة الإقليم الكردي، تعمل عليه، بعد تعرض أربيل لقصف صاروخي من قبل المليشيات، طال مقرات بعض القواعد العسكرية الأمريكية.
وفي الوقت الذي قامت الولايات المتحدة بتشكيل تحالف دولي كبير في عهد أوباما لمحاربة تنظيم داعش، بعد أن استولى على الموصل ومناطق واسعة من العراق، نجد أن الولايات المتحدة مترددة كثيرا في محاربتها للمليشيات التي لا تستولي على مساحات من بعض الدول فحسب وإنما تسيطر على دول كاملة كما في حالة العراق أو في اليمن، ولها تأثير كبير على حكومات بلدان أخرى كما هو الحال في سوريا ولبنان.
ويرجح البعض أن سبب إحجام واشنطن عن محاربة تلك المليشيات هو ما كان لها من دور في تسريع تطبيع العديد من الدول العربية مع “إسرائيل”، وجعل إيران العدو المباشر والأول بدلا من “إسرائيل” التي أصبحت في نظر بعض الأنظمة العربية دولة حليفة لا تشكل خطرا عليها، هذا كله يجعل واشنطن لا تتسرع في محاربة المليشيات.

ماذا يدور في الأوساط السياسيين الكردية؟
مؤخرا نشرت صحيفة العربي الجديد، نقلا عن مصادر أمنية كردية طلبت عدم ذكر اسمها، بأن أطرافا سياسية كردية في الإقليم تدفع باتجاه تدويل التحقيقات المتعلقة بالهجوم الذي طال أهدافا أمريكية في أربيل، وذلك من خلال إرسال نتائج التحقيقات التي تجريها أطراف كردية وأخرى أمريكية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، في خطوة للضغط على المليشيات الحليفة لإيران، فيما كشفت وسائل إعلامية عراقية عن وجود تحرك سياسي يهدف إلى إيجاد اتفاق بين بغداد والإقليم بخصوص تدويل ملف قصف أربيل من قبل المليشيات، فيما قام القيادي بالحزب الديمقراطي الكردستاني (ريبين سلام) بتأكيد صحة تلك الأنباء وقال: إن “إقليم كردستان يعمل حاليا على تدويل أكثر من ملف، بضمنها قصف أربيل، ولدينا ملفات أخرى، منها ما هو مرتبط بالغبن الذي يتعرض له الكرد بسبب السياسات المالية في بغداد”. مشددا على “ضرورة ولادة تحالف دولي ضد الجماعات المسلحة التي تهدد أمن بغداد وأربيل، وقطع مصادر تمويلها وملاحقتها”. وكما هو واضح، فإن هذا الاتفاق الكردي مع بغداد لأجل تدويل قضية قصف أربيل، جرى مع الكاظمي وحكومته فقط، دون الأحزاب والمليشيات الشيعية الأخرى والتي هي بالأصل ستكون مستهدفة بهذا التحرك الدولي.

مصالح الكاظمي تلتقي مع مصالح الساسة الكرد في قضية التدويل
إن مسألة تدويل قضية التحقيقات في حادثة قصف أربيل، تمثل التقاء مصالح بين الكاظمي وحكومته والقيادة الكردية هذه المرة، بالذات مع جناح البارزاني من المعادلة الكردية، فالكاظمي الذي يشعر بالإهانة من المليشيات ويحملها مسؤولية فشله في تحقيق أي انجاز طيلة فترة استلامه رئاسة الوزراء، الأمر الذي جعله يشعر بالعجز، وأن هذه المليشيات والأحزاب الداعمة لها، سوف تفوّت عليه فرصة الترشح لولاية ثانية كما يخطط.
فيما جاء قصف أربيل بالصواريخ، ليعطي الكرد فوائد أكبر بكثير من ضررها، حيث قام الكرد باستغلال الحادثة ليربطوا فيها مواضيع عديدة، منها عودة قوات البيشمركة للمناطق المتنازع عليها على اعتبار أن الضربات انطلقت من هناك، ومعاقبة خصومهم في البرلمان الذين يعارضون حصة الإقليم في الموازنة العامة، والتضييق على حزب العمال الكردستاني المدعوم من المليشيات الإيرانية، وهو أمر ستكون تركيا ممنونة منه كثيرا، لأنه سيعطيها الشرعية الدولية لمحاربة حزب العمال داخل الأراضي العراقية تحت راية التحالف الدولي، وكل هذه الأمور ستترجم لمنافع اقتصادية كبرى للإقليم.

ماذا عن الموقف الأمريكي المتوقع من قضية التدويل؟
أمريكيا ما زال موقف الإدارة الأمريكية ضبابيا في تعاملها مع المليشيات العراقية المحسوبة على إيران، وبالرغم من تعرض مقرات قواتها للقصف في أربيل وقاعدة بلد الجوية لم يصدر من واشنطن سوى الإدانة مع وعود بالرد في الوقت المناسب، لكن بعد أيام قليلة من هذه الحادثة قام حلف الناتو برفع أعداد جنوده بالعراق بشكل مفاجئ من 500 إلى 4000 جندي وسط ترحيب أمريكي على لسان وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستون، ويرى البعض أن واشنطن التي خفضت قواتها بالعراق أعادت زيادتها عبر نافذة حلف الناتو حتى لا تثير حفيظة الأحزاب الشيعية (المصرة) على خروج القوات الأمريكية من العراق.
من جانب أخر، تعاملت الإدارة الأمريكية الجديدة بشكل ودي مع بعض المليشيات المدعومة إيرانيا، حيث أنها رفعت اسم مليشيا “أنصار الله” اليمنية من قوائم الإرهاب، في بادرة غزل سياسي للجانب الإيراني يتعلق برغبة واشنطن للرجوع إلى الاتفاق النووي، لكن الرد الإيراني كان مختلفا وبعيدا عن التوقعات الأمريكية، فمليشيا الحوثي صعّدت من عملياتها العسكرية، فيما أوعزت إيران لمليشياتها في العراق بضرب المصالح الأمريكية في أربيل وقاعدة بلد الجوية، الأمر الذي فسره البعض بأنها اختبار إيراني لمعرفة قدرة صبر الإدارة الأمريكية الجديدة وتقييم ردود أفعالها، ويعتقد أن الضربات الإيرانية سوف تجد طريقها للزيادة والاستمرار إذا ما تأخر الرد الأمريكي عليها.
لكن مع كل هذه الضبابية في الموقف الأمريكي حفزت الضربات الصاروخية التي قامت بها المليشيات على أربيل الإدارة الأمريكية للإفصاح عن استراتيجيتها في العراق، جاء ذلك هذه المرة على لسان القائم بأعمال المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة (ريتشارد ميلز) حينما كشف عن أولويات بلاده في العراق بالقول: إن “استراتيجيتنا هي بناء عراق مستقر وديمقراطي يسيطر على المليشيات ويمنع عودة تنظيم داعش للظهور في البلاد”. لكن ميلز شدد على ضرورة مواجهة المليشيات المدعومة إيرانيا في العراق، منددا بالهجمات التي استهدفت مدينة أربيل، وأشار إلى أن “إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لديها خطة استراتيجية لتحقيق الاستقرار في العراق”.
مع ذلك لم نلمس حتى الآن أي خطوة أمريكية على الأرض تنفيذا لاستراتيجيتها الجديدة في العراق، حتى بعد الاعتداءات التي تعرضت لها مصالحهم، فيما رفضت توجيه الاتهام لإيران مباشرة بالوقوف وراء الهجوم، لكن الواضح أن ما تفكر به الإدارة الأمريكية حاليا هو الوصول إلى اتفاق نووي جديد أو العودة للاتفاق النووي السابق مع إيران، وفي سبيل ذلك قام بايدن بتقديم عربون ثقة للإيرانيين من خلال سحب إعلان سلفه دونالد ترامب حول استئناف كل عقوبات الأمم المتحدة على إيران. لكنه في ذات الوقت، أعلنت إدارة بايدن أنها ستعيد النظر في قرار سحب قوات بلادها من العراق.

هل تشكيل تحالف دولي ضد المليشيات أمر ممكن؟
من الغريب جدا، أن الرئيس الأمريكي جو بايدن لم يأت على ذكر العراق في أجندته ولا مرة رغم اعلانه عن عودة أمريكا للمسرح الدولي، ويعتبر العراق من ساحات الحروب الأمريكية المستمرة حتى الأن، فكان يفترض أن يشكل العراق موضوعا مهما في سياساتها الخارجية، فهل هذا التجاهل المتعمد من الإدارة الأمريكية يخفي ورائه عاصفة كبيرة يريد بايدن التفرغ لشنها لاحقا بعدما يحسم – مثلا – ملفات عالقة كثيرة ورثها من سلفه ترامب؟ هذا أمر غير مستبعد.
إن لعبة “عض الأصابع” القائمة بين طهران وواشنطن من المستبعد أن نحكم عليها بأنها انتهت، رغم أن الطرفين يريدان الرجوع للاتفاق النووي، لكن كل طرف يريد ضمان مصالحه، فالطرف الإيراني يريد رفع العقوبات ودخول نادي الدول المتسلحة نوويا، فيما يريد الطرف الأمريكي الحيلولة دون حصولها على السلاح النووي وتحجيم دورها ونفوذها في المنطقة، هذا ما أكده صراحة مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك ساليفان الذي قال إن “الرئيس الأمريكي ملتزم بعدم وصول إيران إلى امتلاك قنبلة نووية”.
نفهم من كل هذا أن دعم تشكيل تحالف دولي عسكري ضد المليشيات الإيرانية من قبل واشنطن أمر ممكن، لا سيما في حال تفرغ بايدن من المشاكل الحالية العالقة بين يده، ونعتقد أن سياسية بايدن التي تجاهلت ذكر العراق حتى الآن لا يعني إنه سوف يغض الطرف عن إيران وملشياتها، ورهان إيران على ضعف الرئيس الأمريكي الحالي وانحيازه للمفاوضات في حل مشاكله العالقة معها ربما سيوقعها في مشكلة كبيرة تغامر فيها بكل النفوذ الذي قامت ببنائه طيلة السنين الماضية في العراق وبقية بلدان المنطقة.

مقال خاص براسام