نظير الكندوري

لم يمض وقت طويل على التفجيرات التي شهدتها بغداد والتي راح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى، حتى بدأت أبواق الفتنة الطائفية تنفذ سمومها عبر الوسائل الإعلامية التابعة لأحزاب السلطة وميلشياتها، بالإضافة إلى التعبئة التي تقوم بها على مواقع التواصل الاجتماعي، وتنادي بضرورة الرد على الأعمال الإرهابية وتنفيذ أحكام الإعدام بحق السجناء العراقيين.
هذا الأسلوب الذي طالما كرره النظام العراقي فيما سبق، لا يدع أي مجال للشك في أن هناك علاقة وثيقة ما بين التفجيرات التي شهدتها بغداد، وما بين هذه الدعوات الطائفية التي تريد تنفيذ أحكام اعدام بحق شباب في جلّهم من المكون السنّي الذي انتزعت اعترافاتهم بأساليب وحشية، حتى يتم تثبيت تهمة الانتماء إلى تنظيم داعش الإرهابي في حقهم.
ولم تمض إلا أيام قليلة، حتى تصدّر خبر تصديق أحكام الإعدام بحق 340 متهما بالإرهاب، من قبل رئيس الجمهورية العراقية برهم صالح، استغلالا للجو العام الذي خلقته تلك الأجهزة الإعلامية، من تعبئة إعلامية لخلق حالة تعبئة شعبية، حتى يتم تمرير تنفيذ تلك الاحكام الجائرة بحق شباب عراقي لم يتم التأكد من تهمة انتمائهم لتنظيمات إرهابية. هذا الأمر دعا العديد من المنظمات السياسية والحقوقية لاستنكاره وابداء تحذيراتها من خطورة تنفيذ هذه الأحكام التي تم الوصول إليها من خلال استعمال طرق التعذيب المختلفة، قلّ أن تجد دولة تحترم شعبها تقوم باستخدامها.
وفي هذا الشأن قالت هيئة علماء المسلمين في العراق، في معرض ردها على تصديق أحكام الإعدام من قبل الرئيس برهم صالح، إن “الإعدامات التي تريد أحزاب السلطة وميليشياتها تنفيذها، ما هي إلا جزء من المخطط المعد للتفجير الإجرامي الذي حدث في ساحة الطيران في بغداد”. وأضافت: إن “أحكام الإعدام التعسفية والظالمة، صدرت عن قضاء مسيس ومحاكمات فاقدة لمعايير العدالة”. شاطرها في ذلك الرأي “الميثاق الوطني العراقي” الذي قال في بيان له: إن “أغلب محاكمات المعتقلين والمحكومين بالإعدام، جرت بسرية وانتزعت اعترافاتهم تحت التهديد باعتقال ذويهم”. فيما أعربت منظمات حقوقية اخرى، عن خشيتها من أن تعطي الرئاسة العراقية الضوء الاخضر لتنفيذ سلسلة إعدامات كرد فعل انتقامي على التفجيرات التي شهدتها بغداد، وتبناها تنظيم داعش.
من جهتها، أعلنت المنظمة الحقوقية “هيومن رايتس ووتش” صراحة، إن الإعلان عن توقيع أمر التنفيذ لعقوبات الإعدام هو أداة سياسية. جاء ذلك على لسان باحثة لدى المنظمة “بلقيس والي” التي أضافت، إن “القادة يستخدمون هذا النوع من الاعلانات ليقولوا للناس، إنهم يعملون من أجلهم، من دون الالتفات الى حقيقة العيوب التي تشوب المحاكمات”. كما أبدى مراقبون خشيتهم من التصديق على أحكام الإعدام، كونها جاءت نتيجة اعترافات انتزعت من المتهمين بالقوة وبأساليب تعذيب وحشية، وأن منظومة العدالة في العراق يشوبها الكثير من الفساد والتحيز الطائفي، والتسرع في إطلاق الأحكام.
يذكر أن السلطات العراقية غالبا ما تنفذ احكام الإعدام عقب كل عملية تفجير يتبناها تنظيم داعش لتعزيز الطائفية وإذكاء نارها. وترسل لأتباعها رسالة مفادها أننا قد وجهنا الرد على الإرهابيين من خلال الانتقام من المحتجزين داخل سجونها. ففي العام 2019 تم اعدام أكثر من 100 محكوم بالإعدام، بينما أعدم 13 متهما، في عهد رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي لأجل احتواء الانتقادات التي تعرض لها إثر اغتيال 8 مدنيين على يد تنظيم داعش.
ويعتبر العراق، من الدول التي تحتل مراكز متقدمة في عدد الذين يتم تنفيذ عقوبة الإعدام بحقهم، ففي عام 2019 احتل العراق المركز الرابع، فيما شكلت وإيران والعراق ما نسبته 80% من أحكام الإعدام على مستوى العالم عام 2019 وفقا لما أفادت به منظمة العفو الدولية، وكل احكام الإعدام في العراق، جاءت من قبل محاكم عراقية تفتقر لأبسط معاير العدالة.
مكتب الرئيس ينفي صحة خبر المصادقة على أحكام الإعدام
وفي تناقض غريب لما أعلنته جميع الوسائل الإعلامية المحلية والدولية، وبالذات الوسائل الإعلامية العراقية الرسمية منها، والتي نقلت عن مسؤولين حكوميين يعملون داخل مكتب رئيس الجمهورية، خبر مصادقة الرئاسة على أحكام الإعدام، قام مكتب رئيس الجمهورية بتكذيب الخبر، ووصفه بأنه عار عن الصحة، وأنه لا توجد مثل هذه المصادقات على مئات أحكام الإعدام. لكن حينما أوضح المكتب حيثيات الموضوع، ذكر أن هذه المصادقات على مئات احكام الإعدام، كان قد تمت المصادقة عليها، قبل أن يصبح برهم صالح رئيسا. فيما أوضح مستشار رئيس الجمهورية، إن المصادقة على 340 حكم إعدام يتضمن مجموع ما صدر في الدورات السابقة وليس بعد حادثة تفجير ساحة الطيران. لكن هذا التوضيح لم يغير من الحقيقة شيئا، وأن أحكام الإعدام سوف تنفذ قربانا للأبواق الطائفية التي تبتغي أن تسبب هذه الإعدامات حالة من الاحتقان الطائفي الذي تستطيع – الأبواق الطائفية – أن تنتعش وتعيش فيه وتستمر في البقاء على رأس السلطة.
وعلى ما يبدو أن الرئيس برهم صالح يحاول من خلال تبريراته تلك، أن يتخلص من العبء الأخلاقي الذي تلقيه عليه هذه المصادقات على أحكام الإعدام، ولأنه ليس لديه الخيار أو القدرة على رفض الضغوط الشديدة التي تسلط عليه من قبل شركاء العملية السياسية والمليشيات المسيطرة على الوضع الأمني لتوقيع هذه المصادقات، ولأجل ذلك، قام مستشار الرئيس بنفي وجود أية ضغوط على الرئيس بشأن إصدار مراسيم أحكام الإعدام، لينطبق عليه المثل العربي القديم (كاد المريب أن يقول خذوني).
كيف يفهم الشعب العراقي خطوة مصادقة أحكام الإعدام؟
لكن الذي يفهمه الشعب العراقي من التوقيت الذي صدر فيه تصديق أحكام الإعدام، والتي قام بها برهم صالح، شيء مختلف عن الرؤية التي تروجها الرئاسة. فالضغوط المسلطة عليه واضحة بشكل لا يقبل الشك، ليس عليه فقط، إنما حتى على رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الذي اضطر للعدول والتنازل على قراراته بإقالة بعض القادة الأمنيين على خلفية التفجير الذي حصل في ساحة الطيران وسط بغداد، وإعادتهم إلى الخدمة في نفس مناصبهم. ففي هذا الشأن ذكرت وسائل إعلامية محلية، بأن الكاظمي قام بإقالة خمسة شخصيات أمنية مهمة بسبب تقصيرهم في ضبط الوضع الأمني والسماح لمثل هذا الخرق الأمني بالحدوث رغم التحصينات الأمنية، لكنه عدل عن قراره وقام بإرجاع ثلاثة منهم إلى عملهم بعد يوم واحد من اتخاذه قرار الإقالة، كان من بينهم “أبو علي البصري” مسؤول الاستخبارات التابعة لخلية الصقور في وزارة الداخلية، والذي بنفس الوقت، أحد الشخصيات المليشياوية المهمة والمنتمية لمليشيا حزب الله العراقي.
لذلك فإن الشعب العراقي، ومنذ بداية التفجير الذي حصل في ساحة الطيران وسط بغداد، وما لحقها من كمين قامت به داعش ضد مليشيا الحشد في محافظة صلاح الدين، قال كلمته الثابتة والواضحة، بأن الزمن الذي كنتم تخدعونا فيه قد ولى، ولن تستطيعوا بعد اليوم تمرير خداعكم الطائفي علينا، لأننا نعرف تماما إلى أين تريدون أن تقودوا المجتمع العراقي.

مقال خاص براسام