إن الناس في بغداد يخشون من أن تكون الحرب القادمة بين الولايات المتحدة وإيران ستقع في العراق، الذي شهد توا السلام بعد هزيمة تنظيم الدولة (داعش)، وإن الهجمات الصهيونية الأخيرة بطائرات بدون طيار على قواعد “الحشد الشعبي”، الذي تتهمه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بالعمل كوكيل لإيران، قد نبهت إلى أن العراق قد يجر إلى هذا الصراع.
يقول أبو علاء الوالي، زعيم كتائب سيد الشهداء، وهي حركة شيعية مسلحة شبه عسكرية لها صلات بإيران، في حديث خاص مع الإندبندنت إن “التطور الجديد هو أن الكيان الصهيوني دخل الصراع في العراق”، ويقول إن ثلاث طائرات صهيونية هاجمت إحدى قواعدهم في العاصمة العراقية، التي تسمى الصقر، في 12 أغسطس/ آب، مما أدى إلى انفجار 50 طنا من الأسلحة. ويؤكد مسؤولون في الكيان الصهيوني أنهم نفذوا الغارة التي سبقتها عدة هجمات أخرى، زاعمين أنهم ضربوا صواريخ إيرانية في طريقها إلى سوريا ولبنان.
إن احتمال تورط الولايات المتحدة في العمل الصهيوني يمكن أن يثير أزمة سياسية في العراق. يقول أبو علاء الوالي زعيم كتائب سيد الشهداء، لـ اندبندنت إن “تقرير الحكومة العراقية غير المنشور عن الهجوم يكشف أن الطائرات الصهيونية بدون طيار انطلقت من قاعدة أمريكية تدعى “كساد” في شمال شرق سوريا الذي يسيطر عليه الأكراد”.
تعد السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط غير واضحة ومتناقضة في عهد الرئيس ترمب، إلا أن السماح للكيان الصهيوني بشن هجمات من قاعدة أمريكية ضد الحشد تبدو من وجهة نظر أمريكية مثل التدمير الذاتي، فلقد أدى ذلك بالفعل إلى تمرير مشروع قانون عبر البرلمان العراقي يطالب بانسحاب القوات الأمريكية من البلاد.
وردا على سؤال حول ما إذا كانت كتائب سيد الشهداء ستهاجم القوات الأمريكية، وإذا كانت هناك حرب بين الولايات المتحدة وإيران، فأجاب أبو علاء: “بالتأكيد، نعم”. وهو يعرب عن حماسه لحرب الطائرات بدون طيار، قائلاً “إن الهجوم الناجح بطائرات بدون طيار على منشآت النفط السعودية في 14 سبتمبر/ أيلول جعل ساحات القتال أكثر مساواة لمجموعات مثل جماعته”. وأضاف: “إننا نعمل ليلًا ونهارًا لتطوير طائرات بدون طيار يمكن تجميعها في غرفة المعيشة”.
إن هجمات الطائرات بدون طيار على القواعد الأمريكية في العراق لن تتمتع بنفس عنصر المفاجأة مثل تلك التي تعرضت لها منشآت نفط بقيق والخريص في المملكة العربية السعودية، ومع ذلك فإن القواعد ستكون معرضة للخطر بكل تأكيد. والقواعد في كثير من النواحي، لا تضيف إلى القوة الأمريكية في العراق، لكنها قد تصبح “رهائن” أميركية في العراق في حالة نشوب صراع بين إيران والولايات المتحدة.
إن مستقبل الحشد الشعبي كدولة متأثرة بإيران، داخل الدولة العراقية هو القضية الحاسمة في الصراع على النفوذ بين إيران والولايات المتحدة، وتضغط واشنطن من أجل تقليص دور الحشد أو حتى القضاء عليه، لكن من المرجح أن تثبت هذه الجهود أنها غير فعالة بل ومضادة.
يعد “الحشد” منظمة سياسية وعسكرية كما أنها راسخة في العراق لدرجة أنه لا يوجد الكثير الذي تستطيع الولايات المتحدة فعله لتقليل نفوذها. لقد حقق ممثلوها البرلمانيون أداءً جيدًا في الانتخابات العامة الأخيرة عام 2018 ودعمها ضروري لأي حكومة عراقية مستقرة.
لقد حدث نمط مماثل في العراق عند الغزو الأمريكي عام 2003، حيث أرادت الولايات المتحدة التخلص من صدام حسين دون تحقيق فائدة لإيران، لكن سقوط نظام صدام السني العربي تبعته ثورة سياسية حلت محله الأغلبية الشيعية وبدرجة أقل الأكراد، وعلى الرغم من المحاولة، الا أن الدبلوماسيين والجنرالات الأمريكيين في بغداد لم يتمكنوا من تجنب التعاون، سراً في الغالب مع إيران.
لم يتغير الكثير بالفعل في السنوات التي تلت ذلك، تتمتع الأغلبية الشيعية الحاكمة بهوية وطنية عراقية، ولكن يقابلها وعادة ما يتم تغلب عليها، هوية شيعية قوية. وبالنظر إلى أن العراق وإيران من بين الدول القليلة التي يقودها الشيعة في العالم، فمن غير المستغرب أن يشعروا أن هناك الكثير من القواسم المشتركة بينهما. شهد عراق ما بعد صدام أول حكومة عربية شيعية تتولى السلطة في المنطقة منذ أطاح صلاح الدين بالفاطميين في مصر في القرن الثاني عشر، ويقول ضياء الأسدي، وهو شخصية بارزة في الحركة الدينية الشعبية للزعيم الشيعي مقتدى الصدر: “من الناحية الدينية، فان إيران تمنح العراق عمقاً استراتيجياً”.
لقد ارتكب الرئيس ترمب والإدارات الأمريكية السابقة مراراً وتكراراً خطأ التنديد بحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن والحشد في العراق باعتبارهم وكلاء بشكل كامل لإيران. إن هذا خطأ لأن هذه الحركات شبه العسكرية القوية متجذرة في المقام الأول في المجتمعات الشيعية المحلية، ربما تكون إيران قد دعمت هذه الجماعات لكنها لا تملك القيادة والسيطرة عليها.
هناك سبب آخر يجعل محاولة ترمب لدحر النفوذ الإيراني غير ناجحة، وهو أن حلفاء إيران شبه العسكريين قد انتصروا، أو على الأقل سيطروا، في الحروب في لبنان وسوريا والعراق واليمن على مدار العقدين الماضيين.
يشعر الكثير من العراقيين بالاستياء من هذا الانقسام في السلطة، ويشكون من أن “الحشد قوي والحكومة ضعيفة”- لكن ليس هناك الكثير الذي يمكنهم فعله حيال ذلك، فإيران بارعة في لعبة الشطرنج السياسية العراقية وتعمل كوسيط بين مختلف الفصائل ومراكز القوة.
إن الولايات المتحدة ليست قوية بما فيه الكفاية للإطاحة بالحشد في العراق، لكن هذا لا يعني أنها لن تحاول، ومن الطبيعي أن الولايات المتحدة تعلم بأن الكيان الصهيوني كان يطلق طائرات بدون طيار على العراق لأنها تسيطر على المجال الجوي العراقي، إلا أن استخدام الكيان الصهيوني كوكيل لها في العراق يعد لعبة محفوفة بالمخاطر.
تمتع العراق بسلام نسبي منذ عامين بعد هزيمة تنظيم الدولة واستعادة الموصل في عام 2017. لقد اختفت إلى حد كبير المئات من نقاط التفتيش الأمنية والجدران الخرسانية المضادة للقنابل في بغداد. المدينة مليئة بالمطاعم والمحلات التجارية الجديدة والشوارع مكتظة بالناس حتى وقت متأخر من الليل، لكن العديد من العراقيين يتساءلون إلى متى سيستمر هذا الأمر، إذا تصاعدت المواجهة الأمريكية – الإيرانية إلى حرب فعلية. قال أحد موظفي الخدمة المدنية: “كثير من أصدقائي يشعرون بالقلق الشديد إزاء الحرب الأمريكية – الإيرانية لدرجة أنهم يستخدمون مكافئات نهاية الخدمة الحكومية لشراء المنازل في تركيا”.
هناك أسباب وجيهة تدعوهم إلى القلق: لقد تضررت السلطة الأمريكية والسعودية في الشرق الأوسط من جراء الهجمات المدعومة إيرانيا – طريقة العمل الإيرانية عادةً ما تكون من خلال الآخرين – على ناقلات النفط في الخليج، وطائرة أمريكية بدون طيار، ومنشئات النفط السعودية. لا يرى ترمب حتى الآن أن من مصلحة الولايات المتحدة الرد، لكنه لا يستطيع استيعاب هذا النوع من العقوبة إلى أجل غير مسمى دون أن يبدو ضعيفًا.
إن العراق يعد مكانا مناسبا للولايات المتحدة وحلفائها لمحاولة الانتقام، ومن المرجح أن يكون هدفهم الرئيسي هو الحشد الشعبي، وهو ما يمكن أن يثير هجمات على قواعد أمريكية تبدو ضعيفة في عصر الطائرة بدون طيار، ويخشى العراقيون فكرة نشوب صراع عسكري آخر، لكنهم يخشون أن يكون بجميع الاحوال متجه صوبهم.
ترجمة وتحرير: مركز راسام

