الباحث: حسين صالح السبعاوي

ذكرنا سابقا بأن المشروع الإيراني هو مشروع توسعي لا يقف عند الحدود الدولية لإيران ولا يتوقف ضمن الدول الإقليمية بل تعداها ليصل إلى أفريقيا والمغرب العربي، وهنا سوف نأخذ التدخل الإيراني في اليمن ومحاولة الهيمنة عليها وكذلك في مصر التي تريد إيران أن تجد لها موطئ قدم فيها لكي تزعزع الأمن فيها وتبدأ بالعبث في مقدراتها، وقد استخدمت إيران مع هاتين الدولتين أسلوبا مختلفا عن الآخر :

اليمن :
الأطماع الإيرانية في اليمن قديمة وليست وليدة اللحظة، لكن برزت أكثر وبلغت أوجها بعد عام ٢٠١٢ من خلال دعمها لجماعة الحوثي “أنصار الله” التي يتزعمها عبد الملك الحوثي ومقرها مدينة صعدة.

ومن خلال هذا الدعم الإيراني اللامحدود لجماعة الحوثي بدأت هذه الجماعة بالتمرد على السلطة الشرعية، ثم قامت بانقلاب عسكري في أيلول ٢٠١٤ وسيطرت على العاصمة اليمنية صنعاء وعلى جميع مؤسسات الدولة وعلى قرارها السياسي، ومن الجدير بالذكر أن بعض القادة العسكريين قد تعاونوا مع الحوثي ضد الحكومة الشرعية مقابل وعود فارغة، وهذا الأسلوب عادة ما تستخدمه إيران مع القوى السياسية والقادة العسكريين لغرض استمالتهم إليها سواء بالمال أو الوعود بالمناصب، وبتعاون هؤلاء الذين لا يمتلكون أدنى مستوى من المسؤولية ولا يدركون مخاطر المشروع الإيراني استطاع الحوثي أن يتمدد في أهم المدن اليمنية وخاصة الساحلية منها مثل مدينة الحديدة والسيطرة على الميناء المطل على البحر الأحمر والتحكم بالتجارة المحلية والإقليمية، وعندما أرادت القوى الوطنية والتحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية تحرير الميناء من قبضة الحوثيين بدأت الأمم المتحدة وممثلها الخاص في اليمن بالعويل والتباكي على حقوق الإنسان من جراء هذه العملية العسكرية التي يراد منها تحرير الميناء من الانقلابيين، أما الولايات المتحدة الأمريكية فقامت عن طريق أعضاء من مجلس النواب الأمريكي بإرسال رسالة إلى وزير الدفاع ماتيس حثوه فيها على القيام بكل ما في وسعه من أجل منع هذه العملية العسكرية، أما بريطانيا فقد حثت ٤٠ عضوا برلمانيا على دعوة رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي لمنع إجراء العملية وإيقاف توريد الأسلحة للتحالف العربي.

من خلال ردود الأفعال الدولية المنحازة نستنتج أن الحوثي وإيران ما هم إلا أدوات بيد القوى الدولية تستخدمهم لتحقيق مشاريعها الاستعمارية وإعادة الهيمنة والاحتلال للمنطقة من خلال إيران.

تعتبر هيمنة إيران على اليمن خطرا على الأمن القومي العربي وخاصة على المملكة العربية السعودية من جهة الجنوب المحاذي لليمن، وخطرا على مصر التي تربطها حدود بحرية مع اليمن، وتعتبر اليمن بوابة إيران على المغرب العربي ومحاصرة دول الخليج العربي أيضا.

مصر:
منذ وصول نظام ولاية الفقيه إلى السلطة عام ١٩٧٩ والعلاقة بين الدولتين متوترة وغير مستقرة رغم تبدل الحكومات في كلتا الدولتين، ورغم بعد المسافة بينهما ولا تنافس مصر إيران في شيء إلا أنها – مصر – تنظر للمشروع الإيراني بريبة، وتدرك بأنه مشروع تدميري مهما حاول الإيرانيون تحسين صورته، حيث بان هدفها التدميري بعد وصولها لليمن المجاورة لمصر وهيمنتها على البحر الأحمر الذي تشترك مصر واليمن فيه، وما محاولة إيران وحليفها الحوثي السيطرة على ميناء الحديدة إلا للضغط على مصر وتهديد الملاحة الدولية وضرب المصالح الاقتصادية المصرية من خلال تهديد قناة السويس التي تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط وتمر من خلالها أغلب السفن التجارية والحربية التي تأتي من أوروبا إلى دول الخليج العربي وبقية الدول الأخرى كالعراق مثلا.

تتهم مصر إيران بدعم الجماعات المتطرفة بما فيها المصرية مثل جماعة الجهاد والهجرة سابقا والقاعدة، ورغم نفي إيران هذه الاتهامات إلا أنها قامت بتسمية أحد شوارعها باسم “خالد الاسلامبولي” الذي اغتال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات عام ١٩٨٢، وهناك أبنية سميت باسمه أيضا، وهذا يثبت بأن ما تكنه إيران لمصر يهدد أمنها القومي، لكن هناك أمر آخر، وأعتقد هو الأهم في الخلافات المصرية – الإيرانية، وهو استقبال مصر شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي بعد سيطرة الخميني على السلطة، ونظام ولاية الفقيه يدرك بأن وجود الشاه وأسرته في مصر يعتبر وجود قوى سياسية تصلح أن تكون بديلا له إذا ما أراد الشعب الإيراني القيام الثورة على هذا النظام سيما أن هناك صلة قرابة بين الشاه والملك فاروق، حيث تزوج الشاه شقيقة الملك فأصبح بينهم مصاهرة وقرابة.

كيف تتدخل إيران في الشؤون المصرية وماهي أدواتها:
١- رغم عدم وجود حاضنة شعبية لإيران في مصر لكن أن الأخيرة دولة غير نفطية وتعد من الدول الفقيرة فتستغل إيران هذا الوضع الاقتصادي المتدهور من خلال تقديم بعض المساعدات مقابل تغلغلها في المجتمع المصري.
٢- شراء ذمم بعض النخب السياسية والأكاديمية ذوي الميول للمشروع الإيراني، ومن خلال هؤلاء تتغلغل إيران إلى صانع القرار في مصر، وقد دعمت إيران أحد المرشحين في الانتخابات المصرية السابقة بعد تنحي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك إلا أنه لم يفز.
٣- من خلال الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية سواء من بشكل مباشر أو من خلال حلفائها التقليديين.
٤- إذا ما سيطرت إيران بصورة كاملة على اليمن فإنها سوف تتدخل مباشرة في الشؤون المصرية وخاصة المدن المطلة على البحر الأحمر وقناة السويس.

يبقى المشروع الإيراني خطرا على المنطقة العربية، ولا يمكن إيقافه من خلال سياسة الاحتواء كما يعتقد البعض، والسبب أن إيران وحلفاءها ينطلقون من منطلق عقائدي في أدائهم السياسي مع المنطقة وهذا النوع يصعب احتوائه، بل يواجه بمشروع عربي إسلامي موحد حتى يتمكن من إيقافه كما فعل العراق معهم في بداية الثمانينيات من القرن الماضي واستطاع إيقاف هذا المشروع من التمدد وإعادته إلى الداخل الإيراني.

مقال خاص براسام