د. فارس الخطاب
ذكر “ميلفين كليفر” في كتابه: (مواجهة صدام حسين: جورج دبليو بوش.. وغزو العراق) أنه “عندما تسوء الحروب التي تبدو جيدة، غالبًا ما يستنتج الأمريكيون أن تلك الحروب كانت غير مجدية أو فاسدة منذ البداية”. وفي موضوع الحرب على العراق عام 2003م كان هناك إجماع من الحزبين؛ الديمقراطي والجمهوري على أن الحرب كانت خطأ فادحًا وعلى أساس فرضيات خاطئة، وهو ما كان بالفعل كذلك. لكن العديد من النقاد ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فروّجوا إلى أن الحرب كانت من عمل لوبي قوي مؤيد لإسرائيل أو مجموعة شائنة من المحافظين الجدد، وأن الرئيس جورج دبليو بوش كذب عمداً من أجل تصعيد الصراع وصولاً إلى شن الحرب، وأن الولايات المتحدة تدخلت بدافع الرغبة في النفط أو دوافع أخرى خفية.
الحرب على العراق (دولة من دول العالم الثالث) من قبل أكبر دولة في العالم (الولايات المتحدة) لم يكن تسويقها للنواب الأمريكيين سهلاً رغم فارق القدرة والقوة بين الطرفين عام 2002، فقد وصف باراك أوباما، سيناتور ولاية إلينوي آنذاك، الصراع القادم مع العراق بأنه “حرب غبية” مدفوعة بمحاولة إدارة بوش “إلهاء” الأمريكيين عن المشاكل الاقتصادية و “فضائح الشركات”، ووصف دونالد ترامب الغزو بأنه “أسوأ قرار منفرد تم اتخاذه على الإطلاق”، وألقى باللوم على مقاولي الدفاع الجشعين والجنرالات السعداء بالمغامرات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط ، في حين لم يكن أمام العراق من سلوكيات متاحة لدفع الحرب المتوقعة عليه إلا من خلال التلويح بالقوة (المفقودة) أو إعلان قبوله كل الشروط التي فرضها مجلس الأمن الدولي أو اللوبي الأوروبي-الأمريكي على القيادة العراقية دون أن يُمنح أية فرصة للتراجع الحاسم عن مواقف مثلت الحد الأدنى من قدراته للردع تجاه مشاريع الكِبار في لندن وواشنطن لتنفيذ غزوهم للعراق.
وفي كتاب بعنوان (كيف تتحرك الدول الصغرى: نحو نظرية عامة) نُشر في قاعدة البيانات العربية الرقمية “معرفة” لمؤلفه أحمد محمد أبوزيد نُشر عام 2012م من قِبل كلية العلوم السياسية لجامعة بغداد ، ذكر أبوزيد أنه “على الرغم من الاختلاف الظاهر بين مختلف نظريات التوازن الدولي التي تقول بها المدرسة الواقعية في دراسة العلاقات الدولية بصورها الثلاثة (توازن القوى- توازن التهديد- توازن المصالح) فيما يتعلق بسلوك القوى الكبرى، إلا أننا نرى أنها جميعا تتفق- و لأسباب مختلفة- على أن السلوك (الأمثل و الأفضل) المتاح أمام الدول الصغرى إن هي أرادت الحفاظ على أمنها و سيادتها و جودها في النظام الدولي هو مسايرة ركب القوى الكبرى ، وبالطبع فإن مرجع ذلك هو تعاظم حجم الهوة في القدرات و الإمكانيات بين الطرفين، و التي تمثل عائقا و حائلا عظيما أمام هذه الدول تمنعها – منطقيا- من الوقوف في وجه هذه القوى أو تحديها”.
إن العراق الذي بدأ بتطوير إقتصاده وصناعاته وقواته المسلحة مع توفير ظروف متقدمة على مستوى الدول النامية في مجالات الصحة العامة ونُظم التعليم والإكتفاء الزراعي، لم يكن بعيداً عن أعين من يراقب نشاطاته، خاصةً بعد أن استطاع العراق تجاوز قرارات صعبة تجاهل فيها الدول الكبرى ذات النزعة الإستكبارية مستفيداً من مرحلة القطبين الثنائيين التي تلت الحرب العالمية الثانية، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي؛ من هذه القرارات :
• تأميم نفط العراق في 1 حزيران عام 1972م بما شكل بدايات لنهاية سيطرة الاحتكارات النفطية لشركات الأجنبية.
• اتفاقية الحكم الذاتي لإكراد العراق في 11 آذار 1970م، بما أوقف نزيف الدم والاقتصاد العراقي وأسس لحقوق وطنية وقومية للأكراد العراقيين.
• في /3/3 1975م، وافقت الرئاسة الفرنسية، خلال زيارة رئيس وزراء فرنسا جاك شيراك إلى بغداد على بناء مفاعلين في العراق، وهما مشابهان تماماً للموجودة في مركز الأبحاث النووية التابع لوكالة الطاقة الفرنسية (CEA) وهما:
1- مفاعل رئيسي (OSIRIS) بسعة 40MW قابل للتطوير حتّى إلى سعة 70 MW سمي (OSIRIS) ويعمل بالماء الخفيف وأطلق عليه العراق (تموز1).
2- مفاعل تدريبي (ISIS) بسعة 600KW ويستعمل في فرنسا لتدريب العاملين على تشغيل المفاعل الرئيسي (OSIRIS) وأطلق عليه العراق (تموز 2).
إن التطورات الاقتصادية مع الاستقرار السياسي للعراق وعلاقاته الجيدة مع الاتحاد السوفييتي وفرنسا على وجه الخصوص جعلته يحظى بقدر كبير من الاهتمام والعلاقات الإيجابية المتبادلة مع معظم دول العالم، لكنه كان دائماً ما يشير بوضوح وبخطاب واضح الدلالات لا يخلو من الإشارة إلى القوة، إلى حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى بلاده وضرورة إلتزام الكيان الصهيوني بالانسحاب من كامل التراب الفلسطيني والعربي خاصة بعد هزيمة 5 حزيران 1967م. كما كانت علاقة الحكومة العراقية بالإدارات الأمريكية، وبسبب دعم واشنطن للكيان الصهيوني، وتدخلات الجانب الأمريكي بالملفات الأمنية العربية والإقليمية المؤثرة على العراق بشكل خاص، مضطربة وغير مستقرة رغم محاولات جرت هنا أو هناك لتغيير مسار العراق القومي إلا أن شعور العراق بالقوة حول هذه العلاقة المضطربة شيئاً فشيئاً إلى صِراع متنوع الشدة كانت أشد حالاتها وضوحاً بعد سقوط شاه إيران وتمكين الخميني من قيادة إيران وتفجير صراع من نوع جديد يجمع بين الفتنة الطائفية والترهيب والعدوان تُرجمت إلى حربٍ شعواء استمرت لمدة 8 سنوات إنتصر فيها العراق لكنه خسر مفاعلات تموز 1و2 ، وما يناهز أكثر من مليون ونصف المليون شهيد وجريح ومفقود ، بالإضافة إلى تحطيم إقتصاده بشكل كامل جعلت من إعادة نُظم الحياة إلى سابق عهدها ما قبل الحرب ، أمراً بالغ الصعوبة مع تزايد إحساس الحكومة العراقية بوجود مؤامرة بقيادة الولايات المتحدة للإجهاز على ما تبقى من قدرات العراق ، فكانت ضغوطات الكويت وردة فعل العراق الغير مُقدِرة بشكل دقيق للمتغيرات الدولية الكبرى المتمثلة بسقوط الاتحاد السوفييتي وتحلله وتحول النظام العالمي إلى نظام القطب الواحد ، فبات مكشوفاً بقدراته المحدودة جداً قياساً بقدرات الولايات المتحدة ، فكانت القرارات استمرارا لردود أفعال رسمتها بعناية واشنطن والدول المتحالفة معها شرق وغرب العراق.
إن الصراع الدولي يعتبر من الظواهر المعقدة جداً في العلاقات الدولية، وهي ظاهرة موجودة منذ عرف الإنسان التمركز في مناطق محددة لتبدأ مع هذه التمركزات البشرية زعامات ونزعات ثم نزاعات للحصول على مكاسب اختلفت شكلاً خلال آلاف السنين لكنها لم تتغير من حيث المعنى حتى يومنا هذا، والصراع بمعناه المجرد يشمل كل المجالات والميادين الشخصية والجمعية ثم الدولية سواءً كانت هذه المجالات اقتصادية ، اجتماعية ، ثقافية أو سياسية ، والمهم في هذه المقالة هو الصراع السياسي الذي يشير “إلى موقف تنافسي خاص، يكون طرفاه أو أطرافه، على دراية بعدم التوافق في المواقف المستقبلية المحتملة، والتي يكون كل منهما أو منهم، مضطراً فيها إلى تبنى أو اتخاذ موقف لا يتوافق مع المصالح المحتملة للطرف الثاني أو الأطراف الأخرى.” ، وهو أمر قد وقع فعلاً بين العراق والولايات المتحدة منذ بداية سبعينات القرن العشرين حتى أن نائب الرئيس العراقي آنذاك ، صدام حسين ، وصف ذلك بدقة عندما قال في جمع جماهيري كبير ببغداد ” إن ثورتكم قد خرجت عن حدود الثورة المسموح بها” ؛ في إشارة واضحة إلى طريقة تعامل البيت الأبيض مع قرارات وتوجهات الحكومة العراقية واعتبارها أن بعض هذه القرارات قد تسيء إلى مساعي تحقيق السلام في الصراع العربي-الإسرائيلي ، كما أن بعضها الآخر قد يُفسد خط سير الولاءات لبعض دول المنطقة عندما يكون العراق دولة إقليمية محورية قوية.
لقد كان للدول الكبرى دائماً ، أساليبها ووسائلها في إخضاع إرادات الدول الصغرى ، وفي الماضي الممتد لحقب زمنية بعيدة ومتوسطة ، كان أسلوب فرض الأمر الواقع للإخضاع أو التغيير يعتمد إلى حدٍ كبير على استخدام القوة العسكرية ، لكن ، وخصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية ، فإن أغلب الدول الكبرى اعتمدت أساليب غير عسكرية لحسم الصراع مع الدول الصغيرة باستثناء الولايات المتحدة بدرجة رئيسة ثم فرنسا والمملكة المتحدة بدرجات أقل ، فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945م دخلت أمريكا خمس حروب في كوريا، وفيتنام، وحرب الخليج 1991م، وأفغانستان، والعراق 2003م ، إضافة إلى عشرات العمليات العسكرية التي إستهدفت بنما ، هاييتي ، الإكوادور ، جواتيمالا ، كمبوديا ، تشيلي ، الصومال ، ليبيا وغيرها. لكن ، وبعد المطب الكبير الذي وقعت فيه واشنطن باحتلالها للعراق عام 2003م ، ثم تكبدها خسائر بشرية واقتصادية عبر بوابات للمقاومة العراقية فُتحت في جميع مناطق العراق ، قررت سحب قواتها من هذا البلد في فترة رئاسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي أعلن في 21 إكتوبر/تشرين الأول 2011م أن الحرب في العراق قد انتهت بعد تسعة أعوام، وأن بلاده ستكمل سحب قواتها من العراق بنهاية اليوم الأخير من العام الحالي ، وانسحبت صوريا باستثناء بعض القوات التي اختارت قواعد عسكرية عراقية للبقاء بها كقاعدة “عين الأسد” غرب العراق.
خسارة الولايات المتحدة سمعتها دولياً وحربها في العراق وطنياً دفع واشنطن، وأيضاً غيرها من الدول، إلى تغيير قواعد المواجهة في الصراع الدولي، وقد كلف الجيش الأمريكي الباحثان: (ديفيدس. غمبرس و هانس بيننديك) لإعداد دراسة عن هذا الموضوع، فكانت بعنوان : (القدرة على الإرغام ، مواجهة الأعداء بدون حرب) نشرت بواسطة ومؤسسة RAND في سانتا مونيكا-كاليفورنيا عام 2016م ، ويؤكد الباحثان في هذه الدراسة على “تراجع الفائدة المتحققة من القوة العسكرية وتصاعد أهمية القوة غير العسكرية” وتماشياً مع عنوان هذه الدراسة “القدرة على الإرغام… بدون حرب” فإن هذه القدرة تتأتى من أشكال واستخدامات عدة منها العقوبات الاقتصادية ، الحضر على الأسلحة والتكنلوجيا ، استخدام مخزون الطاقة ، مساندة خصوم الدولة المستهدفة كدعم الحركات الانفصالية أو المعارضة المسلحة ، عمليات الهجوم الإلكتروني ، والاعتراض البحري . لقد كان خروج العراق من حرب الثمان سنوات بجيشٍ جرار وعقيدة قتالية متقدمة وجامعة والأهم بروح نصرٍ افتقدتها ليس فقط جيوش الأمة العربية وحسب بل الشعب العربي برمته خلال الحروب العربية – الإسرائيلية ، مع قدرات إبداعية في ولوج عالم التصنيع العسكري ، مثار قلق ورهبة لم تكن للكيان الصهيوني والقوى الغربية فقط ، بل لبعض الدول الإقليمية التي شعرت أنها أمام قوة لا يمكن ضبط إيقاعها قابلة للتطور والنمو بفعل قدرات العراق الاقتصادية الهائلة ، وهنا برز الدور الأمريكي في تحريك التوتر في الصراع بينها وبين العراق ، بشكل ضم بالإضافة إلى رسائلها المباشرة للقيادة العراقية والتصريحات الإسرائيلية المستفزة ، نشاط وأدوار لدول عديدة في المنطقة .
مقال خاص براسام

