إن موقف حكومة بغداد من جميع العمليات العسكرية التركية التي نفذت في شمال العراق كانت معروفة وتميل الى التنديد، وتقديم مذكرة احتجاج الى مجلس الأمن، واستدعاء السفير التركي ومطالبته باحترام سيادة العراق وعلاقات حسن الجوار، بل إن رود الفعل كانت محسوبة لدى صانع القرار التركي، ولكن الحقيقة التي يجب أن نقف أمامهم هي إن الأولويات والارادات تختلف بين بغداد وأنقرة وخاصة في تحديد التحديات والتهديدات، يضاف الى ذلك إن الجانب العراقي عاجز وغير قادر على إخراج تنظيم حزب العمال الكردستاني من أراضيه لأسباب كثيرة منها: عدم وجود إرادة سياسية نافذة، وبسبب التوازنات الداخلية، وبسبب الدعم الخارجي لمقاتلي الحزب وخاصة إيران والولايات المتحدة الامريكية، بالاضافة الى عدم قدرة القوات الحكومية على تنفيذ هذه المهمة، يضاف الى ذلك وجود تهديدات تصنف على أنها خطيرة على الأمن القومي العراقي وتأخذ أسبقية أولى مثل تنظيم الدولة، بالأضافة الى الفوضى السياسية التي تضرب جميع مفاصل الدولة العراقية، بسبب الحراك الشعبي الرفض للأداء الحكومي، للأحزاب السياسية التي دمرت العراق ونهبت خيراته وحولته لدولة فقرة، و مستباحة من قبل إيران، والولايات المتحدة، والتنظيمات المسلحة التي أصبحت أقوى من الدولة، بحيث أصبح العراق غير قادر على الدفاع عن نفسه.

قيادة العمليات المشتركة تصدر بياناً حول عملية فرض القانون بمدينة سنجار:
لقد أصدرت قيادة العمليات المشتركة في2مايو/أيار عام2022م، بياناً جاء فيه إن “مجموعة من ما يسمى عناصر تنظيم “اليبشه” قامت بقطع عدد من الطرق التي تربط ناحية “سنوني” و “وخانصور”، مع المجمعات والقرى المجاورة، ونصبت حواجز على هذه الطرق، ومنعت حركة المواطنين بين هذه المناطق”وأشارت إلى أنه “مع الضياء الأول لهذا اليوم شرعت القطعات العسكرية في قيادة عمليات غرب نينوى والوحدات المتجحفلة بفتح الطرق، إلا أنها تعرضت إلى رمي كثيف، مع انتشار للقناصين على أسطح عدد من البنايات، وزرع الطرق بالعبوات الناسفة” ، وتابعت أن “قطعاتنا تعاملت مع تلك العناصر المغرر بها وفق قواعد الاشتباك لفرض سلطة القانون والنظام، وردت على مصادر هذه النيران بدقة، وقامت بفتح الطرق أمام حركة المواطنين”، ونوهت الى أن “التعاون الكبير من المواطنين ساعد القوات الأمنية والعسكرية في اعادة الامور الى وضعها الطبيعي، ورفض كل التصرفات الخارجة على القانون”، مبينة أن “قيادة العمليات المشتركة أصدرت أوامرها بشكل واضح للتعامل بحزم ووفق قواعد الاشتباك ضد أي تصرف أو ممارسة من شأنها زعزعة الأمن والنظام هناك”، وقد أطلقوا على هذه العملية العسكرية تسمية “عملية فرض القانون” علماً بأن النائب “شيروان الدوبرداني” يقول: “إن المقاتلين الإيزيديين يرفضون “الانسحاب من سنجار وطرد العناصر الأجنبية من داخل مركز قضاء سنجار والنواحي التابعة له”، في إشارة إلى قوات حزب العمال الكردستاني الذي يرفض وجود قوات من الجيش والشرطة في مدينة سنوني التي تخضع لنفوذ فصائل مسلحة تابعة له.

تقاتل الحلفاء في سنجار لخلافات داخلية أم بسبب التهديدات الإقليمية :
تشير المعلومات الى إن القوات الحكومية نجحت في فرض سيطرتها على عدة مناطق في ضواحي مدينة سنجار بما فيها بلدة سنوني، ومجمع حطين، وعدد من المباني والمقرات الحكومية، بالإضافة الى سيطرتها على عدد من الطرق التي تؤدي الى مركز مدينة سنجار، وقد أدت العملية العسكرية الى نزوح أكثر من(10)الأف شخص من المدينة بعد أن نجحت الفرقة(20)والفرقة(15)والفرقة المدرعة(9)من طرد المسلحين والسيطرة على مناطق حيوية ومهمة مثل مجمع حطين، ومنطقة دوكري، ومحلات عبدالله، وعمارة اتوات علي، وشرق منطقة خانصور، وهي تفرض سيطرتها حاليا على مركز سنجار وسنوني بالكامل الى جانب قرى أخرى تم أنسحاب مقاتلي الحزب منها وهي: عين الغزال، والكرسي، وعرب شمر، علماً إن العملية لم تحقق جميع أهدافها بسبب التوجيهات التي صدرت من القيادة العسكرية في بغداد وبسبب الضغوطات السياسية التي مارستها فصائل مسلحة وكتل سياسية تتهم رئيس الوزراء بأطلاق هذه العملية تجاوباً مع المطالب التركية بمكافحة حزب العمال الكردستاني في مدينة سنجار.

 

إن الضغوطات السياسية والحلول الوقتية أدت الى وقف العملية العسكرية وبالتالي تم وقف تقدم القوات الحكومية الى المعاقل الرئيسية لتواجد حزب العمال الكردستاني، بعد أن نجحت فصائل مسلحة بإقناع مسلحي “وحدات حماية سنجار”، “وإيزيدي خان” التابعة لحزب العمال بالانسحاب الى خارج المناطق السكنية والبقاء في أطراف سنجار، مقابل وقف وضمان عدم ملاحقتهم، بل والسماح لهم بدخول المدينة بدون سلاح، وهذا يعني ستبقى قضية مسلحي الحزب قائمة وسيتم تأجيل وضع حل جذري لها بضغوطات خارجية مارستها إيران عن طريق أدواتها في العراق، علماً بأن القوات التقدمة واجهت صعوبات تتعلق بوجود المدنيين، وتحصن المسلحين في مناطق وعرة تساعد على حرب العصابات والقتالات الخاصة ومنها جبل سنجار، كما إن هناك مقرات، ومخازن عتاد، و أنفاق تم حفرها في مناطق سيطرتهم تعيق تقدم القوات العسكرية في مناطق مازالت تحت سيطرة قوات حزب العمال، التي لا زالت تحتفظ بكل من: خانصور، وبيشخابور، وجبل سنجار والتي تعتبر معاقل رئيسية للحزب.

 

هل العمليات العسكرية بسنجار تكتيكية أم استراتيجية؟:
إن كل هذه الأحداث تجري في ظل عدم قدرة الكتل السياسية على تشكيل حكومة جديدة بعد أن مضت ثمانية أشهر على انتهاء الانتخابات العراقية، وهذا يعكس الانقسام الداخلي والضعف الحكومي الرسمي للتعامل مع قضايا أمنية حساسة مثل قضية التواجد العسكري لحزب العمال الكردستاني في العراق بشكل عام وفي قضاء سنجار بشكل خاص، كما إن هناك حقيقة تقول بأن غالبية الحكومات التي تشكلت في الفترة الماضية تشكلت من خلال صفقات وتفاهمات سياسية أفقدها قرارها السياسي والأمني، مما جعلها تتخبط في مواجهة أي تحديات خارجية بسبب التوازنات الداخلية، وتعدد مراكز القوى والقرار وتبعيته للخارج، وهذا يفسر لنا تفرد الجانب التركي في مواجهة حزب العمال الكردستاني في داخل الأراضي العراقية رغم الاعتراضات العراقية حول خرق السيادة العراقية وعدم احترام علاقات حسن الجوار.
لو جاءنا الى تحليل العملية العسكرية الجارية التي تقوم بها القوات الحكومية في سنجار  فنقول:، لقد شكلت هذه العملية العسكرية رغم توقفها تحول في موقف حكومة بغداد في التعامل مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني والميليشيات المسلحة التابعة له، رغم توقفها باللجوء الى حلول وقتية، وعلى الرغم من أنها جاءت كرد فعل تكتيكي على التنظيمات المسلحة الأجنبية التي مارست الكثير من النشاطات الارهابية التي شملت تهريب الاسلحة والمخدرات والآثار التي تدر عليها أموالا طائلة بالاضافة الى الاشتباك المسلح مع القوات الحكومية بين فترة وأخرى، وجميع هذه الممارسات والاستفزازات صمتت عليها حكومات بغداد المتعاقبة منذ عام2014م، والى يومنا هذا، بحيث أصبحت لهذه الميليشيات المسلحة السيطرة والسطوة الكاملة على هذه المدينة، لذا فهذه العمليات العسكرية هي محدودة و تكتيكية وليست أستراتيجية، كونها لم تأتي ضمن خطة استراتيجية مفصلة تتبناها حكومة بغداد و تنفذها قيادة العمليات المشتركة في التعامل مع هذا التنظيم الإرهابي ليس في سنجار فقط وإنما على جميع الاراضي العراقية.
الأمر الآخر نقول بأن حكومة بغداد تتكلم عن مدينة سنجار ولكنها لا تتكلم عن وجود حزب العمال الكردستاني في جبل قنديل ومتين وغيرها من المدن في عموم العراق، أي أنها تطرح حلول مجتزئة تكتيكية وغير استراتيجية، لذا فالقوات الأمنية قد تنجح في إخراج حزب العمال الكردستاني من مدينة سنجار أذا استمرت العملية العسكرية ولكنها من المؤكد لن تنهي خطر هذا التنظيم على الأمن القومي العراقي لتواجده في مناطق أخرى، فالقوات الأمنية ليس لديها خطة استراتيجية مفصلة ودقيقة حول إنهاء التواجد العسكري لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وكذلك بالنسبة لتركيا التي ترى بأن هذه العملية مقبولة ولكنها غير كافية لمواجهة حزب العمال الكردستاني الذي سيبقى تواجده على الأراضي العراقية يشكل تهديد للأمن والاستقرار الداخلي التركي، وهو يشكل خطراً داهماً لأراضيها، لذا لن تتوقف العمليات العسكرية التركية في شمال العراق طالما بقي التنظيم في شمال العراق.

الخاتمة:
وأخيراً نقول في ظل الفوضى السياسية والأمنية السائدة في العراق لن تكون هناك حلول جذرية ليس لقضية سنجار فقط، بل إنه لن تكون هناك حلول لعموم المشاكل التي يعاني منها العراق وعلى جميع المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، بما فيها الأنقسام والفوضى السياسية التي تربك المشهد العراقي بشكل كبير، وكذلك السلاح المنفلت، وتغول الميليشيات وسيطرتها على الكثير من المدن التي ترفض الخروج منها، بالأضافة الى التدخلات الخارجية في الشأن العراقي، ولكن هذه العملية العسكرية جاءت كرد فعل على الاستهتار الذي تمارسه هذه الميليشيات المسلحة التي باتت تعمل خارج إطار الدولة، تفرض واقعاً جديداً بقوة السلاح خارج السلطة والقانون، لذا فحكومة بغداد لجأت الى الحل العسكري في مدينة سنجار بعد أن فشلت الحلول السياسية التي طرحت في الفترة الماضية ومنها وما يسمى بأتفاق سنجار الذي بقي حبر على ورق ،بسبب تعنت الفصائل ورفضها تطبيق الاتفاق الذي يضر بمصالحها ونفوذها في المدينة، وبسبب تبعيتها لأجندة إقليمية تضر بمصالح العراق العليا، كما إن العمليات العسكرية التركية المستمرة بدأت تضغط بشكل كبير على القيادات العراقية لأنهاء التهديد الذي يشكله تواجد حزب العمال الكردستاني على الأراضي العراقية، والذي يشكل تهديد للأمن القومي التركي، حيث بدأت الحكومة التركية تعتقد بأن الحكومة العراقية عاجزة وغير قادرة على مواجهة هذا التنظيم مما جعلها تتبنى خيار مواجهته عسكرياً بصورة مباشرة على الأراضي العراقية، لذا مالم تكن هناك خطوات جادة من قبل الحكومة المزمع تشكليها تطمن وتراعي مخاوف الجانب التركي فلن تتوقف هذه العمليات وقد تجر العراق الى مواجهات غير محسوبة تكون تداعياتها على العراق كبيرة.