نظير الكندوري
لا يختلف اثنان على أن السبب الذي أخرج شباب مدينة السليمانية للتظاهر في ساحة “السراي”، وباقي مدن كردستان، ضد السلطة الحاكمة في إقليم كردستان، هو نفسه الذي أخرج شباب ذي قار للتظاهر في ساحة “الحبوبي” وفي باقي مدن وسط وجنوب العراق ضد النظام الحاكم الفاسد. وفي الوقت الذي لم يرفع شباب كردستان شعاراتٍ قوميةٍ في تظاهراتهم، لم يرفعوا شباب وسط وجنوب العراق شعاراتٍ طائفية. تلك الشعارات التي طالما رفعتها الأحزاب القومية الحاكمة في الإقليم، والأحزاب الطائفية في بغداد، لتسكت بها جماهيرها، وتصرفهم عن المطالبة بإنهاء الفساد الذي يقترفونه، وسوء استخدامهم للسلطة. لقد خدعت الأحزاب القومية الكردية شعبها حينما قالت لهم بأنها ستؤسس لهم وطنًا قوميًا خاص بهم، بنفس الخدعة التي خدعت الأحزاب الطائفية شعبنا في الجنوب حينما أوهموهم بأنهم جاءوا ليرفعوا الظلم عن آل البيت وشيعته.
وفي الوقت الذي يراقب الشعب الكردي ما يفعله شباب وسط وجنوب العراق من تظاهرات احتجاجية ضد فساد السلطة الحاكمة، وسطَّروا أروع الأمثلة في التضحيات في ساحات التظاهر، وجدوا أنفسهم ليسوا بأقل منهم حتى يصلوا إلى أهدافهم المنشودة، من العيش ببلدٍ حُرٍ نزيه، يُحترم فيه الانسان على أساس المواطنة والانسانية، لا على أساس الولاء للأحزاب أو الطائفة أو القومية.
لقد وجد شباب كردستان، أن ما يوحدهم بشباب وسط وجنوب العراق، أكثر بكثير مما يوحدهم أو يقربهم من أحزابهم الكردية، التي افتضح أمر فسادهم، ومتاجرتهم بأحلام الكرد القومية، ليزدادوا قوة وتستمر سيطرة أحزابهم العائلية على الشعب الكردي. الشاب الكردي الذي يتظاهر اليوم ضد فساد سلطات الإقليم، لم يرتد زيه الكردي، ولم يرفع شعارًا عنصريًا كرديًا كالشعارات التي ترفعها الأحزاب القومية، انما رفع علم كردستان وعلم العراق. وشباب ثورة تشرين، لم ينادوا بالعروبة، ولم يرفعوا شعاراتٍ طائفية، كشعارات الأحزاب التي تمسك بالسلطة في بغداد، بل رفعوا علم العراق، ونادوا بحرية شعب العراق، وطالبوا بالتخلص من السلطة اللصوصية التي تجثم على صدرهم.
اليوم ولأول مرة، يتحد شباب العراق، عربًا وكردًا، في أهدافهم وطموحاتهم، وينظرون إلى الأمام لبناء غدٍ جديد، لا يكون فيه لدعاة القومية والطائفية مكان، بالمقابل تتحد أحزاب السلطة، سواء في كردستان أو بغداد، في اضطهادها للعراقيين، وتتشابه أساليبهم القمعية لشباب العراق، الذي تسامى على أسباب الفرقة القومية والطائفية. وكان لهم مطلبًا واحدًا، هو أن يعيشوا بوطن يصون كرامتهم، ويتمتعون فيه بخيراته، يضمن لهم حقوقهم السياسية والاجتماعية، كما تعيش باقي شعوب العالم.
لقد قام متظاهري كردستان، بما قام به شباب وسط وجنوب العراق، فلم يهتموا لمن تعود مقرات الأحزاب التي أحرقوها، بل أنهم أحرقوا مقرات أحزابٍ غير مشاركة بحكومة الإقليم، ليعطوا درسًا لكل حركة أو حزبٍ سياسي، بأن مجرد وجودكم في هذه العملية السياسية، هي مشاركة لفساد السلطة، واعطائها الشرعية.
الأحزاب التي كانت توهم شعبها بإنشاء وطنٍ كردي مستقل تعمل اليوم على تقسيمه
ومن المنح الكبيرة التي أفرزها تظاهرات الشباب الاحتجاجية، أنها كشفت زيف الشعارات التي تُطلقها الأحزاب حتى تضمن بقائها في السلطة، فكما كشفت تظاهرات تشرين زيف الأحزاب الطائفية الشيعية، التي كانت تدعي إنها جاءت لإنقاذ الشيعة المضطهدين، وتبين أنها لم تأت إلا لسرقة خيرات العراق لصالحها ولصالح جارة السوء إيران، وثبت للعراقيين جميعًا، إن أسوء فترة عاشها العراق منذ قرون عديدة هي الفترة التي حكموا فيها.
حتى جاءت اليوم تظاهرات كردستان، لتكشف زيف الأحزاب الكردية التي طالما خدعت شعبنا الكردي بشعاراتها القومية، وأنها جاءت لأجل تأسيس وطن قومي يضم الأكراد، فإذا بها وبعد 17 سنة من حكمهم، ثبت للقاصي والداني كم هي فاسدة، وكم هي زائفةً الشعارات التي ترفعها هذه الأحزاب، بل أنها قامت بتكبيل اقتصاد كردستان وثرواته لعشرات السنين لدول الجوار، هذا ما كشفه مسؤولين كرد خلال تراشقهم الاتهامات فيما بينهم.
أما حزب الاتحاد الوطني الذي تقوده عائلة الطالباني، فهو اليوم يريد تمزيق وحدة الإقليم بالانضمام إلى جوقة عملاء إيران، حينما قام بالمطالبة بإدارة خاصة بهم، والانضمام إلى سلطة المركز في بغداد، الإيرانية الهوى. فقد تعالت أصوات قادة الحزب هذه الأيام، في الدعوة للاستقلال الإداري عن الإقليم، والتمتع بصلاحيات أوسع، وهددت النائبة الكردية “آلا طالباني” بتغريدة لها، إنه في حال عدم حل أزمة الرواتب، “فسيكون لأصحاب القرار في محافظة السليمانية موقف آخر”. أما “طارق جوهر” المستشار الإعلامي في برلمان الإقليم، فقد كان أكثر صراحة حينما فقال: “يحق للمحافظات المطالبة بالاستقلال إدارياً والتمتع بصلاحيات أوسع».
لقد كان موظفي، الإقليم ضحيةً لفساد أحزاب السلطة في الإقليم، وضحية لنزاع السرَّاق القائم بين أربيل وبغداد، ففي الوقت الذي لم تف أربيل بالتزاماتها مع حكومة بغداد بتسليمها عائدات مبيعات نفط الإقليم، قامت حكومة بغداد بمنع نصيبهم من الميزانية الوطنية، التي يتم دفع رواتب موظفي الإقليم منها. وما يزيد من تعقيد الأمور على شعب الإقليم، أن الإقليم مقسّم ما بين الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والاتحاد الوطني، وهما حزبان يختلفان في توجهاتهما، وفي طريقة تعاملهما مع بغداد، وسبق لهما أن تقاتلا في تسعينيات القرن الماضي. بل يمكننا القول، إننا أمام مشهد كردي مكون من حكومتين كرديتين في الإقليم، وليست حكومة محلية واحدة.
هذه الأحزاب لم تراع حرمة هذا الوطن حينما أدخلت عليه منظمات إرهابية أصبح لها شأنًا فيه، وتمارس وصايتها على مساحات كبيرة من الإقليم، حزب العمال الكردستاني المدعوم إيرانيًا والمتحالف مع حزب الاتحاد الوطني، طالما شارك في الشأن الداخلي السياسي والعسكري لإقليم كردستان، يعود اليوم مرة أخرى ليشارك في تأجيج الفتنة من خلال استغلاله لتظاهرات شعبنا الكردي، فالشبهات تحوم حول هذا الحزب بقمع التظاهرات، وحرق مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني أو التحريض على ذلك. ويشعر حزب العمال، أن من مصلحته أن تنفصل السليمانية وحلبجة، عن سلطة أربيل كي يتحرك بكل حرية في مناطق حزب الاتحاد الوطني، لان مناطق البارزاني هي مناطق محضورة عليه بسبب الترتيبات الأمنية التي تربط البارزاني بتركيا.
تظاهرات كردستان فاضحة لأحزابها
ومن اعتقادنا الراسخ أن التظاهرات الشعبية غالبًا ما تكون فاضحة لأحزاب السلطة، حينما تتراشق فيما بينها الاتهامات بالمسؤولية عن الخراب الحاصل في البلد. فقد حفزت تظاهرات السليمانية أحزاب المعارضة في الإقليم، لتفضح سوءاتهم. ففي هذا الشأن، قال النائب غالب محمد علي عن كتلة التغيير الكردية، إن “ما حدث بالسليمانية، ما هو إلا هجومًا لميليشيات الحزبين الديمقراطي والاتحاد، على مواطنين عزل خرجوا للمطالبة بحقوقهم”، واضاف، “هناك سجون سرية تابعة لعائلة البارزاني، وسجون تتحكم بها الاسايش التابعة للديمقراطي والاتحاد مليئة بالأبرياء”.
بالمقابل، لم يجد رموز السلطة في الإقليم ما تتهم به المتظاهرين، سوى الاتهامات المعهودة لكل الأنظمة القمعية، باتهام أن بعض المدسوسين حرفوا مسار التظاهرات السلمية إلى التخريب وأعمال العنف. هذا ما قاله رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني. وبدلًا من أن يعترف بتقصيره ويطلب الاعتذار من شعبه، دافع عن نفسه وحكومته، وحوَّل أسباب الازمة التي يعيشها الإقليم، إلى الحكومة المركزية التي هي الأخرى لا تقل فسادًا عنه.
السر في عدم نجاح التظاهرات بالوصول لأهدافها، إنها تظاهرات مناطقية
التظاهرات الحالية في الإقليم، ليست الأولى من نوعها في الإقليم. لكنها وباتفاق الجميع، تختلف كثيرًا عما سبقها من تظاهرات واحتجاجات. فنحن اليوم أمام احتجاجات ليست فقط من قبل موظفين متضررين من تأخر رواتبهم، بل إننا أمام شبابٍ كردي يُفكر بمستقبله ويريد وطنًا يعيش فيه وهو يشعر بالأمان على نفسه ومستقبله، لكنهم يجدون أن هذه الأحزاب الفاسدة، هي العقبة التي تقف أمام طريقهم لتحقيق طموحاتهم، وبالتالي فهم يتناغمون ويتوافقون تمامًا مع ما أنتهى إليه شباب العراق في وسط وجنوب العراق. فقد أكدت استطلاعات الرأي التي أجراها معهد “تشاتام هاوس” للسياسات تلك الصلة. وخلُص إلى حقيقة أن الشباب في السليمانية وباقي مدن الإقليم، لديهم تعاطف كبير مع المحتجين في وسط وجنوب العراق. وبسبب أن السلطات الكردية لم تعد قادرة على استخدام ذات الأيديولوجيات القديمة مثل القومية الكردية أو الولاءات الحزبية للتأثير على توجهات الشباب، فهي لم تجد سوى لغة القمع لتستخدمها مع الشباب الأكراد. لقد وصل الشباب العراقي في عمومه، سواءً كان في شمال أو وسط أو جنوب العراق، إلى حقيقة إن مطالبهم المشروعة، لن يستطيعوا أن ينالوها إلا بإسقاط النظام الحاكم في بغداد وأربيل.
لكن مع ذلك، لم تستطيع كل التظاهرات والاحتجاجات الشعبية على مدار السبعة عشر سنة الماضية، أن تفضي إلى تحقيق مطالبهم، لأن السلطات في كل مرة تستطيع إخماد تظاهراتهم وتفشلها، ويبقى النظام قويًا ومسيطرًا على المشهد. والسبب في ذلك، يعود إلى أن جميع التظاهرات التي خرج بها شعبنا العراقي، كانت إما مناطقية أو مكوناتيَّة. ففي عام 2013 رأينا تظاهرات العرب السنَّة التي استمرت طيلة سنة كاملة، ومظاهرات العرب الشيعة عام 2019 والمستمرة حتى الأن، ثم مظاهرات كردستان المستمرة منذ أسابيع، وكان النظام يتفرد بها كلٍ على حدة، ليستأصلها ويُنهيها. بينما لو كانت هذه التظاهرات متزامنة وبوقت واحد وفي كل المناطق العراقية، ولها شعاراتها الموحدة في اسقاط هذا النظام وبناء نظام جديد لا يعترف بالفوارق القومية والطائفية وغيرها من أسباب التفرقة، لكانت النتيجة أن النظام سيعجز عن التصدي لها، وسيكون وصول الجماهير لأهدافهم أكثر سرعة، وأقل تضحية.
لا أعرف لماذا يتخذ شبابنا الطريق الأصعب والأطول في نضالهم لتحقيق طموحاتهم؟ أن تحقيق طموحاتهم لا بد أن يكون عبر وحدتهم، وتشكيل منصات تتكلم عنهم، ومنظمات سياسية تمثلهم، فبهذه الوحدة فقط يستطيع أن يصل شباب العراق لتحقيق أهدافهم، وإلا فإن بقاء الاحتجاجات الشعبية مستمرة في عفويتها وتفرقها ومناطقيتها، سوف يسهل على النظام هزيمتهم. ومسلسل التضحيات بدماء الشباب سوف لن يتوقف، والوصول إلى تحقيق الطموحات سيكون هدفًا بعيد المنال، ومن يعلق الآمال على تحرك دولي يُغير لهم الحال في العراق، سيبقى إلى الأبد تحت ذُل هذا النظام.
مقال خاص براسام

