د. فارس الخطاب
دخل السودان منذ 15 أبريل /نيسان 2023م، في نفق مظلمٍ عندما اندلعت اشتباكات بين قوات القائدان اللذان شاركا في إسقاط حكم الرئيس السابق عمر البشير، وهما قائد الجيش السوداني ،عبد الفتاح البرهان ، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو والملقب بـ حميدتي، في العاشر من نيسان/أبريل 2019م ، وفرض الحكم العسكري للبلاد بدلاً من الحكم المدني الذي خرجت الجماهير السودانية مراراً بتظاهرات سقط فيها مئات القتلى مطالبةً به.
إن طريقة إدارة الدولة السودانية بعد الإنقلاب خيبت آمال القوى السياسية والشعبية في رسم آفاق إدارة مدنية للبلاد توقف أمداً طويلاً من الأزمة السياسية في السودان التي أوجدها حكم العسكر المتكرر والآتي من رحِم الإنقلابات العسكرية؛ حيث حكم العسكر البلاد لمدة 55 عاما منذ استقلال السودان عام 1956م ، وخالفت قيادة الإنقلاب تعهداتها بتشكيل حكومة انتقالية تتألف من قادة مدنيين وعسكريين، تهيأ إلى انتخابات جديدة بعد ثلاث سنوات إضافة إلى سعيها الجاد في توحيد السودان وتبني سياسة إنقاذ الاقتصاد وإضفاء صفة “الديمقراطية” على النظام السياسي القائم من أجل إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإهاب المعتمدة من قِبل الولايات المتحدة بما يفتح أبواب الاستثمار الأجنبي في البلد الواسع المساحة والمتعدد الخيرات .
ومن أجل أن تُخرج السودان بقيادة البرهان نفسها من قائمة العقوبات الأمريكية، بدأت في الاستجابة لمساعي أمريكية – إسرائيلية للتطبيع مع الكيان الصهيوني وهو ما كان الشعب السوداني وقواه المدنية ترفضه حتى الآن ويحسبه ميزة لنظام البشير الرافض للفكرة جملة وتفصيلا. ومن أجل الحصول على التطبيع المنشود سافر عبد الفتاح البرهان بمفرده إلى أوغندا للقاء رئيس وزراء الكيان، بنيامين نتنياهو، لمناقشة إمكانية التطبيع، دون إبلاغ بقية الحكومة الانتقالية السودانية، وهو ما شكل ضربة للحكومة العسكرية-المدنية الهشة ، وقّع السودان اتفاقية التطبيع في السادس من يناير /كانون الثاني 2021م ، بعد زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين الرسمية إلى الخرطوم حيث وضع اللمسات الأخيرة لبنود هذه الاتفاقية مع البرهان ووزير خارجية السودان ، الزيارة التي قال عنها في لقاء تلفزيوني على الهواء ومن الخرطوم “إنني أقف اليوم هنا على الأرض التي انطلقت منها (اللآءات الثلاث) في القمة العربية عام 1969م من أجل توقيع اتفاقية تطبيع مع هذا البلد”.
نعود إلى محور المعارك الطاحنة بين فصيلي الانقلاب على البشير؛ البرهان ومعه القوات المسلحة السودانية من طرف، وحميدتي وقوات الدعم السريع التي تمثل الصورة المحسنة عن مليشيا الجنجويد في إقليم دارفور من طرف آخر، فمع مواصلة الطرفين القتال تزداد يومياً حصيلة ضحايا الاشتباكات من سكان جميع المناطق التي طالها الصراع والقصف المدفعي والجوي ، إضافة إلى تراجع هائل ومخيف في اقتصاد السودان الضعيف في أصله بما جعل 45 مليون نسمة يعيشون في حالة من الجوع والحرمان وفقدان الأمن الصحي والغذائي وخاصةً الأطفال الذين تقدّر المنظمات الدولية تعرض 13 مليون منهم إلى فقدان الملاذات الآمنة وللغذاء والمياه الصحية مع توقف تام للتعليم وجميع الخدمات البلدية والصحية. وربما يكون رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك، قد عبر عن كل هذه المعاني بشكل أقرب إلى الواقع المأساوي المتوقع في السودان بقوله: “إذا كان السودان سيصل إلى نقطة حرب أهلية حقيقية فإن سوريا واليمن وليبيا ستكون مجرد مبارزات صغيرة”.
إن الموقف على الأرض ، وبعد مرور بضعة أشهر ، ما زال لصالح القوتين المتقاتلتين دون ملامح لتقدم قوة على أخرى ، ففي حين تقاتل قوات البرهان النظامية بشكل عسكري تقليدي من حيث نُظم الإعداد والتدريب والتسليح والتجهيز ، تتميز قوات حميدتي بقدرتها على المناورة والحركة بسرعة وفق أسلوب إعدادها المعتمد على القتال السريع واستغلال كل المناطق التي لا يستطيع الجيش التحرك عليها بمرونة وحركة فردية ، إضافة إلى الاستيلاء على عدة مبان حكومية ونشر قناصة منها ومن منازل المواطنين ، وغير ذلك من وسائل القتال السريع والمتحرك. لكن هذه الحرب بين شركاء الأمس وخصوم اليوم باتت مفتوحة على كل الاحتمالات، وهو أيضاً ما يجعل السيناريوهات المستقبلية لها صعبة جداً خاصةً إن المعارك التي ستدخل شهرها الثالث ليس فيها أية مؤشرات على تحقيق أي من الطرفين نصر حاسم وملموس على الأرض.
إن مراجعة تاريخ الحروب الأهلية التي عصفت بالسودان خلال حقب تاريخية مختلفة أعقبت الاستقلال تظهر أن هذه الحروب استمرت لسنوات وبعضها لعقود سواء في إقليم دارفور أو كردفان والنيل الأزرق، وهو ما قد ينسحب على الحرب الجارية حالياً والتي تُعد الأشمل وأيضاً الأخطر على وحدة السودان وبقاء سيادته حيث شملت معظم مناطق البلاد وبخاصة منها العاصمة الخرطوم، وزاد من الطين بِلة إن معظم الحروب الداخلية للسودان رافقتها دخلات خارجية مباشرة أو غير مباشرة حيث تقف دول إقليمية وأخرى دولية لصالح هذا الطرف أو ذاك بما يجعل تقارب أطرافها شبه مستحيل ، وقد كانت حرب جنوب السودان نموذجاً صارخاً لهذا التدخل والتي انتهت بإنفصال هذا الإقليم الجنوبي إلى دولة لم تتضح هويتها ولن تتضح رغم مرور 12 عام على إستقلالها.
إن الحالة التي نراها ونقرأ تطوراتها ومستقبلها الآن يمكن أن تبنى عليها عدة إحتمالات، لكن، ومن واقع دراسة طبيعة طرفي القتال والصراع، البرهان وحميدتي، وبعد فشل كل مساعي الهُدن التي تم الاتفاق عليها بمساعٍ سعودية-أمريكية، وخرقها من قبل الطرفين، فإن المرجح هو إتساع نطاق الحرب وسيجد كل طرف منهما من يستمر في دعمه عسكرياً ومعلوماتياً ومالياً حتى يستمر في القتال سواء من دول الإقليم أو الدول الكبرى. إن هذا التصور السوداوي للحرب في السودان لم يبن من نظرة متشائمة، بل هو نتاج نظرة واقعية ترى أن الهدف الرئيس لهذه الحرب هو سيادة السودان ووحدة أقاليمها وأرضها تتوزع السيطرة عليها بين قوات الدولة والمليشيات المسلحة ولكل سيكون داعم ومؤيد يبقي سيطرته على ما يضع يده عليه، وهو ما ينهي مفهوم المواطنة السودانية والإنتماء العربي لها.
تقديراً لمعطيات وتطورات الحرب القائمة في السودان بين الجيش السوداني بكل تشكيلاته مع قوات الدعم (التدخل) السريع ترجح تحولها إلى حرب أهلية تمتد جغرافياً لمناطق سودانية متعددة وينغمس فيها قوى قبلية وعرقية ومليشيات مسلحة، حتى يتحقق تفكك الدولة السودانية جغرافياً وعرقياً، دينياً وطائفياً، ترتبط معظمها بامتدادات مع دول الجوار أو الدول التي ستستثمر ما تريد استثماره من زعماء الطوائف وليس من الحكومة المركزية.
إن المتابعة الدقيقة لمجريات الأمور في الوطن العربي ترينا بشكل واضح ، ربما لم ينتبه له أحد بالصيغة التي أعتقدها ، ترينا أن الدول التي وقفت معارضةً بشكل واضح ضد قرارات قمة القاهرة في 10 آب/ أغسطس التي أدانت الغزو العراقي، ثم إعطاء الكويت بشكل مبطن ذريعة لقبول تدخل القوى الأجنبية في إخراج العراق من الكويت ، ووقفت كل من ليبيا واليمن والأردن ضد القرار بشكل واضح ،وكذلك وتونس والجزائر ومنظمة التحرير الفلسطينية بشكل متحفظ ، ومع التفرد الدولي والإقليمي بالعراق وشعبه من خلال حرب عام 1999م وسنوات الحصار البغيض ثم حرب عام 2003م التي دمرت كل ما أنجزه العراقيين خلا أكثر من ثلاثة عقود واستباحة تاريخ وحضارة عمرها أكثر من 7000 عام ، جاء دور الدول التي أيدت ضمناً غزوه للكويت ، فكانت عمليات تدمير وتقسيم ليبيا وتحويلها إلى مجموعة إرادات متصارعة بلا شواهد لحدود هذا التفكك السياسي والقبلي والولائي . كما جاء الدور على اليمن فتحولت من دولة مستقرة إلى شبه دولة برأسين أحدهما يرتكز في شرعيته إلى جارته العربية الكبرى، المملكة العربية السعودية، والآخر رهن نفسه لإرادة (الجمهورية الإسلامية) في إيران بما يحمله هذان الرأسان من اختلاف عقائدي وطائفي وقبلي وسياسي، حتى بات قتل اليمني لأخيه اليمني مسألة انتصار وظفر وكانت المحصلة اللادولة واللا شعب في هذا البلد العربي الأصيل.
إن السودان التي ربطت رئيسها السابق عمر البشير علاقات جيدة مع حكومة العراق، والتي قرأت الموقف بشكل جيد حينما رفضت حل مشكلة غزو الكويت بالطرق العسكرية وأصرت على إقناع العراق بالانسحاب منها بشكل سلمي، وألا يجب فتح أية بوابات لولوج القوات الغربية أو الإقليمية لإستخدام القوة العسكرية ضد بلد عربي محوري لا يجب كسره لإن عملية إستهداف العراق بالقوة ستعني إستباحة أقطار عربية أخرى لإية أسباب مفتعلة أو غير مفتعلة، وقد أيده في ذلك مراراً، الراحل معمر القذافي. البشير أستهدف أولاً من خلال قرار إلقاء القبض الصادر من المحكمة الجنائية الدولية في 10 آذار/ مارس 2009م، ثم في ضغوط الحرب في جنوب السودان التي أنهاها أيضاً بقبول إجراء إستفتاء لاستقلاله الذي تم في تموز / يوليو عام 2011م ، ناهيك عن الضغوط الاقتصادية ومعاقبة السودان باعتبارها دولة راعية للإرهاب. وبعد أن فشلت جميع محاولات جر السودان لأي سلوك يستدعي التدخل الأجنبي عمدوا إلى أسلوب الانقلابات التي تجسدت في انقلاب نيسان / أبريل 2019م الذي تحققت منه كل الاستحقاقات على السودان العربي بدءاً من الاعتراف والتطبيع من الكيان الصهيوني وإنتهاءً بالحرب الأهلية المتوقعة من صراع البرهان-حميدتي.
مقال خاص براسام

