في التاسع من يونيو / حزيران الماضي، قرر القضاء العراقي الإفراج عن زعيم الميليشيا قاسم مصلح بعد أسبوعين فقط من اعتقاله بتهمة القتل مع سبق الإصرار والترصد لأحد قادة الاحتجاجات، رافضًا كل مطالب المحققين الحكوميين من أجل تمديد فترة اعتقاله لجمع مزيد من الأدلة. إصدار لائحة اتهام رسمية أو تمديد التحقيق في حق زعيم الميليشيا، كان من شأنه أن يمنح بادرة أمل داخل العراق لانقلاب موازين القوى فيما يتعلق بالميليشيات الإجرامية. بدل ذلك، احتفت فصائل “المقاومة الوهمية” بالإفراج عن مصلح، وإن كان ذلك بصمت من أجل تجنيب الجهاز القضائي أي إحراج.
هذا الملف يذكرنا من جديد بمدى ضعف القضاء العراقي في قدرته على حماية الشعب العراقي ومحاسبة الجناة. فلا سيادة للقانون – في جميع الدول – دون قدرة القضاة على تقييم الأدلة من غير خوف أو ترهيب. وإذا كانت السلطة تريد إظهار قدرتها في التخلص من هيمنة الميليشيات الموالية لإيران، فعليها أن تصلح القضاء، مع الاستعانة بشركائها الأجانب. وإلا، فستنهار الثقة المحلية والدولية، ويصبح مصير الدولة في نطاق نقطة اللاعودة.

كيف فشل القضاء العراقي في العمل؟
يعتبر قاسم مصلح شخصية بارزة في مساعي إيران من أجل السيطرة على الحدود السورية، عبر وكلائها في العراق. حيث يعمل بشكل وثيق مع ميليشيات كتائب حزب الله، المنظمة الإرهابية بحسب تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد عثور أجهزة المخابرات والمحققين الخاصين على أدلة بتورطه في اغتيال زعيم الاحتجاجات إيهاب الوزني يوم التاسع من مايو / أيار الماضي، أصدر مكتب رئاسة الوزراء أوامر باعتقاله.
وبمجرد إصدار مذكرة قضائية لتوقيف واحتجاز المشتبه به، يسمح القانون العراقي بالحبس الاحتياطي لمدة 15 يومًا للسماح بجمع الأدلة اللازمة. وبعد نهاية هذه المدة، يتم اختيار أحد القرارات التالية في محاكمات جريمة قتل (مع خيار الكفالة في بعض الحالات):
1 – إصدار لائحة اتهام رسمية والإحالة إلى المحكمة المختصة: إذا استوفت المعايير اللازمة من “كفاية الأدلة”. في العراق، يصبح هذه الأمر ممكنًا في حال إقناع هيئة مؤلفة من ثلاث قضاة في محكمة التحقيق بجرم المشتبه به، بشكل لا يدع مجالًا للشك.
2 – الإفراج والتبرئة: إذا لم تجتمع الأدلة الكافية لدى قضاة التحقيق حسب معايير الهيئة.
3 – تمديد فترة الاحتجاز: وهو خيار قد تسمح به المحكمة من أجل جمع مزيد من الأدلة. على ألا يتجاوز هذا الاحتجاج مدة 6 أشهر بموجب القانون. ويمكن إلغاء هذا الخيار من قبل المحكمة العليا. ففي العام الماضي على سبيل المثال، ألقت السلطات القبض على مشتبه به من كتائب حزب الله في 25 يونيو / حزيران الماضي، قبل أن تُمدد فترة احتجازه بموجب قرار الحكومة إلى غاية سبتمبر / أيلول. ثم انهارت القضية في وقت لاحق.
فترة احتجاز مصلح لخمسة عشر يومًا بدأت يوم 26 مايو، في وقت انعقدت محكمة التحقيق يوم 7 يونيو، أي قبل يومين من انتهاء فترة حجزه. ورغم مطالبة قضاة التحقيق بتمديد مهلة احتجاز مصلح، إلا أن مجلس القضاء الأعلى – على غرار المحكمة العليا الأمريكية – منع السلطات من تمديد فترة الاعتقال.

حماية القضاء
التوجه العراقي الواضح لسياسة تخويف القضاء ليست مفاجئة، في بلد عانى من التمرد والحروب لما يقرب من عشرين عامًا. ففي الماضي، استثمر تحالف الولايات المتحدة موارد كبيرة من أجل حماية القضاء والمحاكم والشهود العراقيين، لتجنيبهم أي ملاحقات قضائية ضد أعضاء القاعدة في العراق وتنظيم الدولة “داعش”. اليوم أصبحت هناك حاجة ماسة لنفس النوع من الحماية، حتى يتمكن القضاة من أداء عملهم عند محاولاتهم مقاضاة مجرمي الميليشيات.
يتوفر القانون العراقي على بعض الآليات ، فاللجنة 29 (المعروفة باسم لجنة ردع الفساد)، هي هيئة تحقق في مدى تطور القضايا، وإصدار أوامر توقيف لمشتبه بهم أمثال قاسم مصلح. والتي تأسست في 27 أغسطس / آب 2020، بقيادة الجنرال المتقاعد أحمد طه هاشم (المعروف باسم أبو رغيف). حيث أسست اللجنة نظام حماية خاص لقضاتها وممثلي جهاز المخابرات الوطني العراقي، وجهاز الأمن الوطني، وجهاز محاربة الإرهاب. وتمكينهم من اتخاذ إجراءات ضد كبار رجال الميليشيات.
لكن ما ينقص، هو إنشاء نظام حماية أوسع لمحاكم التحقيق، والمحاكم الابتدائية (حيث تُعقد المحاكمات)، ومحاكم الاستئناف في المحافظات التي يرجح أن تُستأنف فيها القضايا (الأنبار، بابل، بغداد، البصرة، ذي قار، كربلاء، نينوى). إضافة لذلك، فنادرًا ما تولي وسائل الإعلام والسلطات الدولية الاهتمام الكافي لدور القضاة في العراق (أو لا يلعبونه) في دعم وحماية أمن القضاة المبتدئين.

توصيات سياسية
تدعم سيادة القانون كل هدف استراتيجي يسعى إليه شركاء العراق الأجانب، بداية من مكافحة الإرهاب إلى إقامة انتخابات حرة ونزيهة، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وضمان حقوق الإنسان، وجهود مكافحة الفساد. إلا أن القضاء يبقى الحلقة الأضعف في هذه العمليات. لذلك، يملك المجتمع الدولي مصلحة قوية لدعمه وحمايته. وقد تم التأكيد على هذا الأمر، يوم 7 يونيو / حزيران الماضي، عندما اغتالت الميليشيات ضابطًا كبيرًا في جهاز المخابرات الوطنية في بغداد، أثناء قيادته سيارته في جميع أنحاء المدينة.
عمليًا، يمكن استيفاء هذا الملف بسرعة عبر إجراء تدابير مباشرة. فمحاكم التحقيق التي تركز على الشخصيات المرتبطة بالسياسة، هي محاكم متفرقة. وعند إقامتها، فإنها تجتمع ليوم أو يومين بمشاركة هيئات قضائية صغرى. إذن، يمكن التعامل مع جميع هذه القضايا من قبل فريق واحد من القضاة المتنقلين، وضمان تنقلهم بين الولايات حسب الحاجة مع أنظمة حماية خاصة بهم. الأمر الذي سيقلل المصاريف، ويسهل دعمه من طرف الشركاء الدوليين عبر التدريب والدعم الفني والتمويل.
أما بالنسبة للمحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف، فالحاجة ماسة لنظام مختلف. فقبل عام 2011، أنشأت الولايات المتحدة “مناطق قانونية خضراء” أو ما تعرف بـ”مجمعات سيادة القانون” في عدد من المدن العراقية. حيث يتم توفير أماكن إقامة خاصة لهيئات صغيرة بين القضاة والمحققين والمساعدين القانونيين والمحتجزين والشهود وأفراد الأسر المقربين حسب مستوى التهديد الذي يتعرضون له. الآن، يجب تطوير هذه المرافق في الأنبار وبابل وبغداد والبصرة وذي قار وكربلاء ونينى لمواجهة تحديات اليوم. كما يجب إعادة تنظيم الموارد الحالية قدر المستطاع (ليس المرافق والمؤسسات العراقية فقط، بل المساعدات الدولية والدعم الفني أيضا).
رغم ذلك، فلا تزال هناك حاجة لمزيد من التقدم لضمان منع الميليشيات من تهديد وقتل العراقيين الذي يعارضون أجندتهم الموالية لإيران. على الرغم من توفر القضاء الأعلى وكبار القضاة على حماية جيدة نسبيًا من الهجمات، إلا أنهم معرضون لمؤامرات سياسية ضد مواقفهم، وإغراءات لإصدار أحكام لصالح الميليشيات. منع التهديدات والفساد داخل المستويات العليا من الجهاز القضائي، يتطلب عملًا دبلوماسيًا حساسًا ودعمًا مؤسساتيًا قويا. أي جهد محلي لمكافحة المافيا أو مكافحة الفساد بشكل عام، لن ينجح ما لم يكن مدعومًا من طرف كبار القضاة الذين يتوفرون على حصانة أعلى من أي محاولة ترهيب أو تخويف. في هذا السياق، يجب على الاتحاد الأوروبي والمنظمات متعددة الأطراف أن تحذو حذو واشنطن، وأن تدعم الإجراءات القضائية في العراق. خصوصًا باستعمال الطرق التي تجعل كبار القضاة يشعرون باهتمام دولي.

مايكل نايتس / معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط
ترجمة وتحرير: راسام