شاهو القره داغي

أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في العراق يوم الثلاثاء الماضي، حُكما يقضي بعدم دستورية قانون النفط والغاز لحكومة كردستان العراق الصادر عام 2007، وإلغائه لمخالفته أحكام مواد دستورية، وإلزام حكومة كردستان بتسليم كامل إنتاج النفط من الحقول النفطية داخل كردستان والمناطق الأخرى التي كانت وزارة الثروات الطبيعية في حكومة كردستان تستخرج النفط منها، وتسليمها إلى الحكومة الاتحادية المتمثلة بوزارة النفط العراقية، وتمكينها من استخدام صلاحياتها الدستورية بخصوص استكشاف النفط واستخراجه وتصديره.
وأثار القرار عاصفة من المواقف والردود على مستوى العراق وخاصة في كردستان، حيث اعتبر زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني قرار المحكمة الاتحادية “سياسي بحت” وأكد عن دفاع كردستان بكل ما أوتي من قوة عن حقوقه الدستورية.
كما أكدت حكومة كردستان عدم التزامها بقرار المحكمة الاتحادية العليا ووصفته “بالغير عادل وغير الدستوري، والتأكيد على أنها لن تتخلى عن حقوقها المثبتة في الدستور العراقي”.
وقد صدر قرار المحكمة الاتحادية العليا على إثر الدعوة المرقمة (59) المقامة في عام 2012 من وزارة النفط العراقية، أي بعد 10 سنوات من إقامة الدعوى تم إصدار هذا الحكم وفي وقت يتصارع فيه الكتل السياسية ويشتد التحالفات بين الإطار التنسيقي والتيار الصدري الذي شكل تحالفاً ثلاثياً بينه وبين الأطراف السنية والديمقراطي الكردستاني في أربيل، ما دفع الكثيرين للتشكيك حول دوافع إصدار المحكمة للقرار في هذا التوقيت بالتزامن مع الضغوطات السياسية والإقليمية لإفشال التحالف الثلاثي الذي يقوده الصدر عن طريق ممارسة الضغوطات على حلفائه الأساسيين.
وبغض النظر عن دوافع المحكمة الاتحادية وعلى الرغم من أن القرار يمس الحقوق النفطية لكردستان، إلا أن القرار أظهر الانقسام الكردي من خلال تباين مواقف الأطراف الكردية حول هذا القرار، حيث رحب به عدد من الأحزاب السياسية باعتباره طريقاً لتحقيق الشفافية في ملف نفط كردستان الذي يفقد للشفافية بشهادة الكثير من المسؤولين في الحزبين الحاكمين.
في نوفمبر من العام الماضي صرحت رئيسة برلمان كردستان العراق والمنتمية لحزب الاتحاد الوطني الحاكم ريواز فايق: بأن “عائدات النفط الشهرية في كردستان العراق تبلغ 900 مليون دولار، لكن 350 مليون دولار فقط تعود إلى خزينة وزارة المالية في الحكومة، وليس لدينا أدى فكرة عما يحدث لبقية المال وهذا الأمر غريب” ويعتبر تصريح السيدة ريواز مؤشراً واضحاً على غياب الشفافية وانتشار الفساد واعترافاً واضحاً من أعلى سلطة تشريعية بوجود خلل حقيقي في هذا الملف الذي من المفترض أن تكون من أكثر الملفات شفافية لإظهار مصير أموال النفط وخاصة في ظل الأزمات والمشاكل المالية التي تمر بها كردستان وتأخير رواتب الموظفين لأكثر من شهر بخلاف الموظفين في باقي المحافظات العراقية.
وأصدر حراك الجيل الجديد المعارض في كردستان بياناً يؤكد عدم دعم السياسة النفطية في كردستان ضد قرار المحكمة الاتحادية العليا، والمطالبة بالالتزام بالاتفاق الدستوري بين بغداد وأربيل واعتماد الشفافية التامة في الملف النفطي، مع التأكيد على عدم علم الحركة حول عملية تصدير النفط وعائداته في كردستان بسبب غياب الشفافية في هذا الملف.
كما أعلنت حركة التغيير أن الفساد وإهدار المال العام أدى إلى إضعاف ثقة المواطنين بملف النفط، وضرورة تحقيق الشفافية الكاملة في ملف النفط وصرف ايراداته لخدمة المواطنين، والتأكيد على تنفيذ الحقوق الدستورية بما يحمي النظام الفيدرالي والحقوق السياسية والدستورية للكرد.
وعلى المستوى الشعبي أيضاً لم يكترث العديد من المواطنين بقرار المحكمة الاتحادية، لأن بيع النفط من قبل حكومة كردستان بصورة مستقلة لم يساهم في زيادة رفاهية المواطنين بقدر ما جلب المشاكل المالية وأدى الى استقطاع وتأخير رواتبهم، فالمواطن في كردستان يهتم بأخذ حقوقه المالية دون تأخير بغض النظر عن الطرف الذي يتحمل دفع هذه الحقوق سواء كانت أربيل أو بغداد، وعندما نعود لتصريح وزير الثروات الطبيعية السابق في حكومة كردستان آشتي هورامي نرى أنه قال في عام 2016 : “حتى لو وصل سعر برميل النفط إلى 100 دولار، فإن المشاكل المالية لن تنتهي” وهذا يعني أن أسعار النفط مهما ارتفعت فهي لن تؤثر على الرواتب بصورة إيجابية ولن تحقق الرفاهية كما يقول المسؤولون وخاصة في الحزبين الحاكمين في كردستان.
أظهر قرار المحكمة الاتحادية عن الشرخ الحقيقي بين المواطنين وبين الأحزاب السياسية التي أدارت ملف النفط، كما أظهرت الخلافات الموجودة حول هذا الملف وتباين مواقف الأطراف السياسية التي تؤكد عدم اطلاعها على عقود النفط ومصير الإيرادات التي تُقدر بمليارات الدولارات، والتي تذهب غالباً إلى تمويل المشاريع والشركات الحزبية دون رجوعها إلى خزينة الحكومة.
إلى أواخر عام 2013 كانت حصة كردستان من الموازنة العراقية تأتي بانتظام من بغداد ويتم ارسال رواتب الموظفين كاملاً، ولكن منذ عام 2014 حدثت مشاكل بين بغداد واربيل بحجة قيام حكومة كردستان ببيع النفط بصورة مستقلة عن بغداد، وكانت تتصور أنه بإمكانها الاستغناء عن بغداد عن طريق هذا المشروع الذي كان يقوده وزير الثروات الطبيعية آشتي هورامي وكان يتعهد برفع مبيعات النفط إلى مليون برميل يومياً، حيث تم بيع نفط كردستان عن طريق سمسار النفط العالمي الباكستاني مرتضى لاخاني ومع بداية عام 2014 تم بيع نفط أعوام 2019 و 2020 و 2021 بعقود آجلة حسب النائب علي محمد صالح.
وبحسب تقرير لمجلة فاينانشال تايمز في عام 2015 : فإنه منذ شهر مايو عام 2014 يتم بيع مئات الملايين من براميل نفط كردستان العراق عن طريق قنوات غير رسمية ومن خلال شبكة تجارية غير معروفة بصورة آجلة وبمساعدة الباكستاني مرتضى لاخاني الذي ربح ملايين الدولارات من هذه الصفقات.
كان من المفترض أن يُحقق النفط الرفاهية للمواطنين في كردستان، إلا ان هذا الملف وبسبب غياب الشفافية وكثرة الفساد والهدر الموجود فيه أصبح عائقاً أمام تحسن الظروف المعيشية للمواطنين وأدى إلى مديونية الحكومة بمليارات الدولارات حتى إنها عجزت عن دفع الرواتب والتسبب بمشاكل مستمرة مع بغداد وإضعاف الموقف الكردي بصورة مباشرة.

مقال خاص براسام