العقيدة العسكرية للجيش الجديد:
أولا. تعتبر القوات المسلحة والقوى الأمنية هي الضمانة الأكيدة لحماية الوطن والمواطن وتطبيق القانون وضمان سيادة وهيبة الدولة، لذا يجب أن تكون هذه القوات مستقلة ومحايدة، وفوق الميول والاتجاهات السياسية والصراعات والمصالح الحزبية، والنزوات الشخصية، ليتسنى لها بسط النظام والقانون على جميع العراقيين دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو الطائفة، إلا إن الواقع يقول بأن القوات الحالية لم تراعي المبادئ الأساسية لبناء أية قوات وطنية محترفة، كونها تفتقر إلى الهدف الوطني والتوصيف الاحترافي والأخلاقي، كما تفتقر إلى مبدأ وحدة القيادة ومقومات النجاح للجيوش الحديثة، علماً بأن النسبة الأكبر منها تتصف بالطائفية والمذهبية، وهي عبارة عن قوات هجينة، غير محترفة، ولديها ولاء مزدوج، كونها تتبع لمرجعيات سياسية ودينية مختلفة، بل إن الكثير منها يتبع لمرجعيات دينية وسياسية خارجية، ولديها ارتباطات مشبوهة، وهي في غالبها قوات طائفية تابعة لمراكز قوى تتصارع من أجل السلطة والنفوذ والمصالح، وهي تنفذ مصالح حزبية محدودة وذاتية تتناقض مع الهدف الوطني الأساسي الذي تم تشكيلها من أجله، بحيث أصبحت تشكل عبء كبير على القوات المسلحة، وبنفس الوقت تشكل ثغرة أمنية وعسكرية خطيرة تهدد الأمن الوطني.
ثانيا. أن تشكيل القوات الحالية من قبل القوات المحتلة يجعلها تفتقر إلى التاريخ والى الحرفية والمهنية والعمل كفريق لترسيخ منظومة القيم الوطنية كالعقيدة العسكرية والمذهب العسكري, وكذلك وحدة منظومة القيادة والسيطرة, بحيث أصبحت هذه القوات تفتقر إلى البني التحتية والقواعد المادية التدريبية والإدارية والصناعية والتجهيز والتسليح، وجميع هذه القضايا تستغرق وقتا طويلاً، كما أنها تحتاج الى موارد مادية وبشرية كبيرة، مما يتطلب العمل على وضع الخطط الحديثة لإنشائها وتغطيتها بالإمكانيات المتوفرة وصرف تخصيصات اللازمة لبنائها، فالقوة البحرية والجوية تعانيان من ضعف كبير على مستوى التخطيط والتنظيم والتسليح والبنى التحتية، لذا فقدرتهما القتالية تعد بسيطة بالمقارنة مع جيوش الدول المجاورة، والاهم من ذلك كله هو إن القوات الحكومية تفتقر الى وجود عقيدة عسكرية وطنية، يتم على أساسها تنظيم القوات المسلحة وتسليحها بأسلحة تتلائم مع هذه العقيدة، فكما هو معروف ان بلدان العالم الثالث لا تستطيع صياغة عقيدة قتالية مستقلة لجيوشها، لأنها لا تستطيع تصنيع أسلحتها محلياً لذا فهي تتبع عادةً عقائد الدول المصنعة لمنظومات الأسلحة، علماً بأن الجيش العراقي الجديد بعد العام 2003، سار وفق العقيدتين العسكرية الشرقية والغربية، فصنوف الدروع والدفاع الجوي والكيمياوي وصنوف أخرى تبنت العقيدة الشرقية، اما صنف المشاة والمدفعية وجزء من القوة الجوية تبنت العقيدة الغربية.
ثالثا. إن دمج المليشيات الطائفية التي ساهمت بغزو العراق كنواة للقوات المسلحة والاجهزة الأمنية حسب القرار الرقم(91)لعام2004م، يتعارض بنيوياً وفنياً ومهنياً وقانونياً مع تشكيل قوات مسلحة وطنية وغير طائفية، كما إن لهذا الأمر تأثير سلبي على مستوى الكفاءة والأداء القتالي للقوات المسلحة، كونها غير مدربة وتفتقر الى الكفاءة الفنية والقتالية، علماً بأن هذه الميليشيات تغوّلت في غالبية الصنوف العسكرية والأجهزة الأمنية مما حولها لمؤسسات طائفية ومسيسة وغير محايدة، تفتقر الى المهنية والحرفية مما أثر على كفاءتها القتالية بشكل كبير، لأن بناء المؤسسة العسكرية يجب أن تكون فوق الميول والاتجاهات السياسية، ويجب أن تكون قوات مهنية وغير طائفية لكي تؤدي واجبها في بسط القانون وهيبة الدولة.
رابعا. إن دمج الميليشيات كنواة للجيش العراقي هو خطأ استراتيجي كبير أرتكبه الحاكم الأمريكي “بول بريمر”، بحق الجيش العراقي والمؤسسة الأمنية، ويعتبر كارثة أمنية وعسكرية كبيرة أثرت على بناء وأداء القوات المسلحة بشكل كبير جداً، بحيث تحولت هذه المؤسسة الى ميليشيا كبيرة، وهذا ما أثبته الاحداث بعد تفجيرات سامراء عام2006م، عندما شاركت الكثير من هذه القوات في عمليات القتل والتطهير العرقي وخاصة في بغداد وديالى، وكذلك في أحداث الموصل وما تلاها عام 2014م، حيث يقول فالح الفياض في تصريح صحفي إن “الحشد الشعبي يمثل ذراع الدولة العراقية وهو القوة الاولى في مواجهة اعداء البلاد، والجيش العراقي اصبح الان في حال اسناد للحشد ، مؤكدا أن الحشد يمثل جميع العراقيين وكل اللغط الذي اثير حوله خلال معركة الموصل كان مجرد هراء”، وأضاف الفياض أن “إمكانيات الحشد الشعبي تشكل ثروة كبيرة ، مشيدا بالعمل الذي تقوم به مديريات الحشد الشعبي في المجال المدني واغاثة بعض المناطق ومساعدتها خدميا”، وهو المطلوب أن يكون الحشد هو القوة الرئيسية وبقية القوات الأمنية والعسكرية ساندة وتابعة له.
خامسا. أعتماد مبدأ المحاصصة الطائفية في بناء الجيش: لقد أعتمدت القوات الأمريكية في بناء الجيش العراقي على مبدأ المحاصصة الطائفية الأمر الذي أنهى الحرفية والمهنية والكفاءة في الجيش العراقي، خصوصاً بعد أن تقدمت الهوية الطائفية على الهوية الوطنية، وأصبحت الكفاءة تقاس بالولاء للطائفة مما أثر على بناء منظومة القيادة والسيطرة بشكل كبير، وأصبحت المناصب مقسمة طائفياً بحيث يتم توزيع وأشغال المناصب بغض النظر عن الحرفية والمهنية في الجيش بدأً من رئاسة اركان الجيش نزولا الى الفرق والتشكيلات، مما أدى الى تدخل الانتماء السياسي والطائفي في هذه المؤسسة العريقة، التي كان يجب أن تكون فوق الميول والاتجاهات السياسية، فمثلا منصب وزير الدفاع للسنة وهو منصب رمزي بعد أن تم إفراغه من محتواه ومضمونه وتجريده من صلاحياته، بينما كان منصب رئيس اركان الجيش من حصة الأكراد، وقد نصب با بكر زيباري رئيساً للأركان منذ عام2003م ولغاية عام2015م، حيث تم أحالته على التقاعد بعد سقوط مدينة الموصل، علماً بأنه خريج الكلية العسكرية الأولى لعام1970م، وعمل في صنف المدفعية لغاية عام1973م ثم نقل الى مدفعية مقاومة الطائرات، ثم ألتحق بالمتمردين الأكراد وطرد من الجيش العراقي عام1974م، وهذه الفترة لا تؤهله لمثل هذا المنصب كونه لا يملك الخبرات العسكرية والمعلومات الاكاديمية اللازمة لأشغال هذا المنصب الرفيع، ومع هذا استمر بشغل المنصب حسب مبدأ المحاصصة الطائفية لغاية عام2015م.
سادسا. تعدد المؤسسات التدريبية للجيش العراقي الجديد: أثر بشكل كبير على العقيدة العسكرية للجيش العراقي وعلى أدائه القتالي، لأن عملية تغير تسليح الجيش العراقي من الشرقي الى الغربي يحتاج الى مؤسسات تدريبية وبنى تحتية تشمل المعاهد ومراكز التدريب ومدارس القتال للصنوف المقاتلة والإدارية، فعمليات التدريب التي رافقت بناء القوات المسلحة الجديدة توزعت بين أمريكية، وبريطانية، وأسترالية، وكندية، والمانية، وفرنسية، وأردنية، وإيرانية، وأوكرانية، وبولونية، مما أدى تعدد مدارس التدريب، الأمر الذي أدى الى وجود قواعد اشتباك متعددة وغير موحدة، كما إن الفشل في اختيار العناصر المؤهلة ذهنياً وبدنياً وعلمياً للانخراط في الجيش الجديد أثر بشكل كبير على قدراته وكفائه القتالية، علماً بأن أغلب المتطوعين للمؤسسة العسكرية بدوافع مادية لعدم وجود فرص عمل أخرى، علماً بأنهم تم قبولهم بغض النظر عن الشروط الواجب توفرها كاللياقة البدنية والصحية وغيرها، كما إن اختلاف منظومة التدريب الجديدة عن المنظومة القديمة ولد صعوبة كبيرة لدى منتسبي الجيش الجديد.
سابعا. معضلة تسليح الجيش العراقي: أن تعدد مصادر توريد السلاح للجيش الحكومي خلقت مشكلة كبيرة على مستوى التنظيم والتدريب ونوعية القوات وتكاملها، مما يعني بأن الجيش يعاني من إشكالية كبيرة تجعل من الصعوبة أستخدام الأفراد والأسلحة والمعدات من قبل منتسبي جميع الوحدات ضمن تشكيلات الجيش العراقي، خصوصاً وإن الولايات المتحدة الامريكية تلكأت وتنصلت في تسليحه بما يتناسب مع العقيدة الغربية للجيش الحكومي الجديد، أو حتى بما يتناسب مع التهديدات الداخلية والخارجية والمهام المستقبلية، مما جعل القيادات العسكرية والسياسية تتجه الى الأسلحة الشرقية، مما جعل الجيش ينقسم بين عقيدتين الأمر الذي أنعكس على أدائه وضعف قدراته القتالية بشكل ملفت للنظر، بعد أن ترتب عليها بناء بنى تحتية تشمل معاهد ومدارس ومراكز تدريب للسلاحين الشرقي والغربي، مما شكل معضلة حقيقية أثرت على أداء وبناء القوات المسلحة العراقية، بل أنها كانت واحدة من أسباب الانهيار الامني في حزيران عام2014م، بالإضافة الى ملفات الفساد المالي والإداري الذي رافق عمليات التسليح والتجهيز وصفقات الفساد الكبيرة التي كان لها تأثير كبير في استيراد أسلحة قديمة وبالية لا تواكب التهديدات المحتملة والتطورات التكنولوجية الجديدة للحرب الحديثة، مما أدى الى وهذا أدى الى أستيراد مُعدّات وأسلحة قديمة وبأسعار خيالية مما سبب في انتكاسة كبيرة على مستوى القدرات العسكرية وتطويرها، علماً بأن العراق أنفق منذ2003م ولغاية 2018م(81)مليار دولار على التسليح فقط.
ثامنا. عدم وجود تخطيط استراتيجي شامل لبناء القوات المسلحة والذي يشمل تحديد أنواع الصنوف المقاتلة والخدمية والإدارية، بالأضافة الى الهيئات والإدارات والقوام العام للجيش عموماً، بما فيها تحديد الموارد البشرية المطلوبة للصنوف البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي والوحدات والتشكيلات الإدارية والصنوف الساندة، وتحديد المهام والواجبات والمسئوليات للمناصب المختلفة طبقا لمسرح العمليات والمهام المستقبلية، والامكانيات الاقتصادية، وإنما ترك تحديدها للقوات الامريكية كونها هي من تسيطر على الملف الأمني والسياسي في العراق وكانت تعمل على استخدام القوات العراقية لتأمين تواجدها في العراق أولا بما يخدم مصالحها وبقائها، وبنفس الوقت هي تخشى من بناء قوات مسلحة قوية قد تؤدي الى تصادم معها أو تهدد وجودها في المستقبل، لذا فقد حرصت على بناء قوات مسلحة ضعيفة وغير قادرة على الدفاع عن بلادها، فالقوات البرية عبارة عن قوات مشاة خفيفة تفتقر إلى الأسلحة الثقيلة والى قابلية الحركة والقوة النارية، أما القوات البحرية فهي عبارة عن قوات نهرية بسيطة يمكن أن تكون قوة خفر سواحل ليس ألا، هذا بالأضافة الى ضعف منظومة الدفاع الجوي والقوة الجوية مما أدى الى عدم تكامل القدرات العسكرية للصنوف المقاتلة، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام التدخلات الخارجية، وجعل حكومة بغداد بحاجة مستمرة للقوات الأجنبية التي تقدم الدعم اللوجستي والاسناد الجوي والأسخباري بما فيها الاستطلاع الجوي والتصاوير الجوية والاسناد الجوي القريب، وهذا كله بسبب الأخفاق الكبير في بناء القوات المسلحة العراقية رغم الأنفاق الكبير.

