المقدمة:
في الثامن والعشرين من يناير/كانون الثاني عام2023، هزت مدينة أصفهان الإيرانية سلسلة انفجارات متعددة أستهدفت مجمعاَ للصناعات الدفاعية، ومواقع عسكرية حساسة أخرى، لإنتاج أسلحة متطورة تابعة لوزارة الدفاع الإيرانية، وقد أوضحت صحيفة “يديعوت أحرنوت” إن الهجوم كان هدفه منشأة عسكرية تستخدمها إيران لتطوير صواريخ تفوق سرعة الصوت بمساعدة روسية، لافتةً الى إن إيران ستحتاج مثل هذه الصواريخ لاستخدامها في إنتاج رأس حربي نووي”، الأمر الذي يترتب عليه مخاطر أمنية بكلف عالية، مما سيؤثر على موازين القوى الإقليمية في المنطقة، لذا فنحن نشهد مرحلة مفصلية وتطوراً نوعي خطير في المواجهة بين إيران ووكلائها من جهة، وبين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى، خصوصاً وإن هناك ضغوطات ومواقف غربية تمارس على النظام الإيراني لتغيير سياسته التي أصبحت غير مقبولة بل أنها مرفوضة من دول المنطقة، علماً بأن دول الاتحاد الأوروبي تدرس في جدول أعمالها وضع الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية، مما يعني بأننا قد نكون أمام تحول فارق في التعامل مع إيران وأجندتها المزعزعة لاستقرار المنطقة ما لم ترضخ للشروط الأمريكية، لذا فهجوم “اصفهان” يعتبر تصعيد غير مسبوق، وهو يمهد لمرحلة جديدة من التصعيد تحت معادلة الفعل ورد الفعل، خصوصاً وأنه نفذ بصورة مباشرة في العمق الإيراني وبطائرات مسيرة صغيرة الحجم ولكنها محدودة التأثير .

من يقف وراء هجوم أصفهان؟:
من المعروف بأن لكل طرف روايته في مثل هذه الحوادث، ووزارة الدفاع الإيرانية تقول بأن دفاعاتها الجوية أسقطت أحدى الطائرات المسيرة، من خلال “الفخاخ الدفاعية”، بينما أنفجرت الطائرتان الأخريان فوق المستودع المستهدف، الأمر الذي أحدث “أضراراً طفيفة في سقف أحد المباني” دون أن تكون هناك أية خسائر بشرية، بينما تقول الرواية الصهيونية حسب ما نشره موقع “واللا” الصهيوني عن مصدر مطلع قوله” إن الهجوم كان دقيقاً جداً، حيث تعرضت أربع أجزاء مختلفة من المنشأة المستهدفة للهجوم من الجو وتضررت جميعها”، كما أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” نقلاً عن مصادر مطلعة إن هجوم أصفهان نفذه جهاز الاستخبارات الخارجية “الموساد”، وأضافت بأن “الغارة الصهيونية أستهدفت منشأة عسكرية إيرانية تابعة لوزارة الدفاع في أصفهان وقد حققت أهدافها”، علماً بأن هذا النوع من الطائرات المسيرة(كواد كوبتر)تستخدم للبحث، والمراقبة، والانقاذ، وقدرتها التدميرية جداً محدودة، وأعتقد بأن أستخدامها في الهجوم هو لحمل رسائل تحذيرية أكثر مما هي تدميرية.
ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير لها أعده الصحفي “رونين بيرغمان” المعروف بصلاته الوثيقة بأجهزة الاستخبارات الصهيونية، “إن جهاز المخابرات الخارجية الاسرائيلية “الموساد” هو من يقف وراء العملية”، وأضاف إن “إسرائيل هي التي نفذت الهجوم عبر طائرات مسيرة، مما أسفر عن انفجار كبير في وسط مدينة أصفهان”، علماً بأن الهجوم الجوي الذي استهدف مركزاً تابعاً لوزارة الدفاع الإيرانية وموقعاً لتصنيع وتخزين الطائرات المسيرة الإيرانية قد ترافق مع أستهداف منشآت نفطية ومواقع عسكرية أخرى لم يتم الإفصاح عنها، بما فيها القصف الجوي الذي طال قافلة لوجستية تابعة للميليشيات الإيرانية في دير الزور في سوريا، مما يعني بأن إيران أصبحت مستهدفة داخلياً وخارجياً من قبل الكيان الصهيوني، الأمر الذي ينذر بتصعيد التوتر في المنطقة، خصوصاً وإن الجهة التي نفذت الهجوم تمتلك قدرات استخبارية وتكنولوجية متقدمة مكنتها من تنفيذ هذا الهجوم وبدقة عالية، مما يجعل المواجهة مفتوحة وعلى كافة المجالات الأمنية والاستخبارية والعسكرية.

ما هي أهداف الهجوم على أصفهان؟:
إن تنفيذ الهجوم على مدينة أصفهان” لؤلؤة بلاد فارس” من الناحية الجغرافية يجعلنا نسأل لماذا تم الهجوم على هذه المدينة بالذات؟، ولكي نجيب عن هذا السؤال بدقة نقول: إن هذه المدينة تقع في هضبة إيران و العمق الإيراني وتعتبر بــ “قلب إيران النابض” لوقوعها جنوب العاصمة طهران بمسافة (340 كم) وهي مدينة تراثية بأمتياز، ومركزاً للصناعات الإيرانية، لذا فهي تكتسب أهمية استراتيجية كبيرة لدى القيادة الإيرانية لعدة أسباب ومنها أولاً: احتوائها على مواقع عسكرية مهمة وحيوية، حيث تقع فيها قاعدة جوية ضخمة مجهزة بطائرات(أف14)، كما توجد فيها “منشأة نطنز النووية” التي تعتبر أحد أهم أكبر المواقع الرئيسية لتخصيب اليورانيوم، علماً بأن المنشأة تتكون من ثلاث مباني كبيرة تحت الأرض، قادرة على تشغيل ما يصل الى(50)ألف جهاز طرد مركزي، كما يقع فيها مركز يطلق عليه “توحيد”، والذي يعتبر المصنع الرئيسي لتصنيع الطائرات المسيرة، كما يقع فيها موقع تابع لمركز أبحاث الفضاء الإيراني، وفيها مركزاً لإنتاج الطاقة النووية، كما يوجد فيها عدة مواقع لصناعة الاسلحة، والذخيرة، والصناعات الدفاعية، الأمر الذي جعل من هذه المدينة هدفاً دسماً للهجوم الجوي عليها.
يعتبر ضرب منشأة عسكرية لتصنيع الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة في مدينة “أصفهان” هو أختراق أمني واستخباري أستراتيجي خطير، وهو يكشف بصورة جلية هشاشة المؤسسات الإيرانية العسكرية والأمنية وعجزها عن التصدي لهذا الخرق الذي يعتبر عميق جداً، كما إن هذا الهجوم كشف بشكل واضح تخبط وارتباك السلطات الإيرانية التي أخذت توجه الاتهامات لجهات متعددة ومنها: أنها أتهمت الجماعات الكردية الإيرانية المتواجدة في كردستان العراق بالتنسيق مع الكيان الصهيوني لتنفذ هذا الهجوم، كما أتهمت أذربيجان التي تتواجد على أراضيها عدد من القواعد الصهيونية، بالأضافة الى وجود رواية أخرى تقول بأن الهجوم الذي نفذ على مدينة “أصفهان” جاء من داخل الأراضي الإيرانية، ومن وهو الأقرب في تقديري الى الحقيقة، حيث تم تجميع هذه الطائرات المسيرة في مواقع قريبة من المنشأة ثم تم أطلاقها نحو أهدافها، علماً بأن التغريدة التي أطلقها مستشار الرئيس الأوكراني “ميخايلو بودولاك” على توتير قد أثارت جدلاً واسعاً لدى القيادة الإيرانية، والتي قال فيها إن “منطق الحرب قاتل ولا هوادة فيه”، وأضاف “إن ذلك يلحق خسائر فادحة بالجناة والمتواطئين”، وأن “أوكرانيا قد حذرتكم”، وقد أعتبرت إيران هذا الكلام هو تلميح لمشاركتها بالهجوم، الأمر الذي جعل وزارة الخارجية الإيرانية ترد على تصريحات المستشار الأوكراني وتصفها بـ”العدائية”، وقد حذرت وكالة “نور نيوز” أوكرانيا من تبعات تواطآها المحتمل في الهجوم” وأضافت بأنه ستكون هناك “عواقب قانونية كبيرة على كييف”.

هجوم أصفهان من حيث التوقيت:
لا شك بأن هذه الهجمات تأتي في توقيت حرج ومهم جداً لإيصال رسائل متعددة ومحددة للنظام الإيراني الذي يمر بمأزق حقيقي وضعف كبير، فهي يعاني من اضطرابات داخلية بالغة الصعوبة والتعقيد تمثلت بحركة احتجاجات ومظاهرات واسعة النطاق انطلقت في 16 سبتمبر/أيلول عام2022، شملت الكثير من المدن الإيرانية في شمال كردستان والتي لا زالت مستمرة منذ أشهر، علماً بأن هذه الاحتجاجات قد جاءت على خلفية قتل الناشطة “مهسا أميني”، والتي فشل النظام الإيراني في احتوائها على الرغم من استخدام القوة المفرطة لأنهائها، والتي لا زالت مستمرة الى يومنا هذا، كما أنها جاءت في ظل تعثر المفاوضات النووية “فيينا”، التي يترتب عليها إيقاف التعاون مع المفتشين الدوليين المسؤولين عن رقابة المواقع النووية الإيرانية، ومنعهم من الوصول اليها، بالاضافة الى زيادة مخزونها من اليورانيوم المخضب في موقع “فوردو” النووي الى درجة نقاء تصل الى(60%)، يضاف الى ذلك تورط طهران في الحرب الروسية-الأوكرانية وقيامها بتقديم الدعم العسكري لروسيا، وذلك لقيامها بتوريد الطائرات المسيرة نوع(شاهد 136) وبكميات كبيرة لموسكو، مع أرسال مستشارين إيرانيين لتشغيلها.
يضاف الى ما تقدم فقد تبين وجود معلومات تشير الى إن السبب الرئيسي في هجوم “أصفهان” وهو وجود تعاون روسي-إيراني في تصنيع صواريخ باليستية فرط صوتية، وهذا لن تسمح به واشنطن والكيان الصهيوني أن يستمر على الأطلاق، علماً بأن رئيس “الموساد” السابق قال في تصريح لإذاعة الجيش الصهيوني إن “المؤسسة المستهدفة في إيران تقوم بتطوير صواريخ تفوق سرعة الصوت، وستكون سريعة جداً لدرجة إن أنظمة الدفاع الجوي ستواجه صعوبة في اعتراضها”، كما إن هذا الهجوم ترافق مع عودة حكومة صهيونية بالغة الشرسة، ومتطرفة، برئاسة “نتيناهو” الرجل القوي الذي عرفته إسرائيل، لاسيما وإن حكومته لديها موقفاً حازماً في التعامل مع إيران، كما تعتبر هي الأقوى والأقدر على أنتهاج سياسات متشددة ضد إيران، وبرنامجها النووي، وميليشياتها المسلحة المنتشرة في العديد من الدول العربية، والتي تعتبر تهديداً مباشراً للأمن القومي الصهيوني، علماً بأن حكومة “نتنياهو” تواجه تحديات كبيرة في الداخل الفلسطيني تتمثل بعدم استقرار الجبهة الداخلية.

هجوم أصفهان أمني واستخباراتي:
إن الهجوم الذي نفذ على مدينة “أصفهان” يميل الى العمل الأمني والاستخباري أكثر من العمل العسكري، لذا فهو لا يحمل أي قيمة أستراتيجية من ناحية التدمير والأضرار الناتجة عن الهجوم، خصوصاً أذا سلمنا بانطلاق الهجوم من الأراضي الإيرانية، وهو يبين مدى الخرق الأمني والاستخباري الكبير والمستمر في المنظومة الأمنية والاستخبارية الإيرانية، خصوصاً وإن المهاجم نجح بشكل واضح في بناء بنى تحتية أستخبارية وأمنية ومحطات للدعم اللوجستي في داخل إيران مكنته من تنفيذ هذا الهجوم، كما إن هذه الضربة تأتي بعد سلسلة متواصلة من العمليات الاستخبارية التي شملت تهريب الأرشيف النووي، والحرب السبرانية، والاغتيالات التي شملت أغتيال المهندس الكيمياوي “مصطفى أحمدي روشن” المشرف على قسم تخصيب اليورانيوم في منشأة نطنز النووية، بالأضافة الى أغتيال عراب البرنامج النووي الإيراني “محسن فخري زاده”، ثم المسؤول عن برنامج الطائرات المسيرة “حسن خدايي”، وأخيراً إعدام “علي رضا أكبري” نائب وزير الدفاع الإيراني بتهمة التجسس لصالح الاستخبارات البريطانية، والذي تتهمه الاستخبارات الإيرانية بأنه كان يتجسس على المراكز الحساسة والاستراتيجية لإيران، ناهيك عن أستهداف العديد من العلماء الأخرين، بالأضافة لمقتل “قاسم سليماني”، ثم الهجوم التخريبي على “منشأة نطنز النووية” في تموز عام2020، وكذلك الهجوم الذي أستهدف أجهزة الطرد المركزي في منطقة “قرغ” عام2021، ثم جاء هذا القصف الأخير ليثبت حجم الاختراق الكبير لأجهزة الاستخبارات الاسرائيلية في منظومة الأمن الإيراني.

تنسيق مشترك بين واشنطن وتل أبيب:
لا شك بأن الهجمات على “أصفهان” تحمل العديد من الرسائل الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة لإيران، ولروسيا ، ولدول المنطقة، علماً إن هذه الهجمات ما كان لها أن تنفذ ألا بضوء أخضر أمريكي، على الرغم من إن واشنطن أنكرت علمها وعلاقتها بالهجوم، ولكن مع هذا لا يمكن لواشنطن أن تكون بعيدة عن تطورات الأحداث في المنطقة، خصوصاً وإن الهجوم نفذ بدقة وحرفية عالية في استهداف منشأة غير نووية، والتي تم استهدافها بطريقة مذهلة ومباغتة وبدقة عالية في التخطيط والتنفيذ، خاصةً وأنها جاءت بعد زيارات متعددة قام بها مسؤولين أمريكان مهمين للكيان الصهيوني، ومنهم: مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “وليام بيرز”، وكذلك مستشار الأمن القومي الأمريكي “جيك سوليفان”، ثم زيارة وزير الخارجية الأمريكية “أنتوني بلينكن”، والتي ترافقت مع زيارة “محمد عبد الرحمن بن جاسم” وزير الخارجية القطري لطهران، والذي نقل رسائل أمريكية محددة للنظام الإيراني فيما يخص الملف النووي الإيراني الذي تراجعت أولوياته لدى واشنطن، والتي بدت غير مهتمة بإعادة إحياء الاتفاق النووي مع ايران!، ولكن لا نعرف ما الذي استجد لتبعث واشنطن برسائل بهذا الخصوص الى ايران عن طريق قطر بنفس الوقت الذي نفذت فيه الضربة الجوية؟!.

إن من يراقب تطورات الموقف في المنطقة يجد بأن المعلومات تشير لوجود تنسيق مشترك عالي بين واشنطن والكيان الصهيوني وخاصةً وإن هناك دعم كامل من واشنطن للكيان الصهيوني لمنع إيران من حيازة قنبلة نووية بكل الوسائل، وهناك مسؤولون من الجانبين يعملون الى التوصل الى خطة جديدة للتعامل مع إيران بعد أن فشلت إدارة بايدن في احتوائها طوال الفترة الماضية، وهناك مناورات عسكرية أمريكية-إسرائيلية غير مسبوقة انطلقت في 23 يناير/كانون الثاني الماضي أطلق عليها تسمية “سنديان البازلت” شارك فيها(6400)جندي أمريكي ، وحاملة طائرات “يو . إس. إس جورج أتش دبليو بوش”، التي تضم  طائرات مقاتلة (أف15،أف16، أف18، أف22، أف 35) وقاذفات استراتيجية ثقيلة(بي52)،بالأضافة إلى سفن، وغواصات، كما ستشارك فيها(142) طائرة مختلفة الأنواع ومن بينها طائرات تحمل أسلحة نووية وطائرات التزود بالوقود طراز “رام”، وطائرات” بوينغ كيه سي-46 إيه” وطائرات الاستطلاع، وطائرات مسيرة، وقوات برية من كلا الجيشين.
إن هذه المناورات ستختبر مدى جاهزية القيادة المركزية الأمريكية والقوات الإسرائيلية المشتركة، كما ستعزز العلاقات العملياتية بين الجيشين، كما ستحاكي هذه المناورات شن غارات جوية والتمرن على ضرب أهداف معقدة وستقوم أسلحة الجو والبحرية والبرية الأمريكية والإسرائيلية بأطلاق النار باتجاه الأهداف التي تحاكي التهديدات البحرية، كما سيتم استخدام قذائف صاروخية بعيدة المدى من منظومة هيمارس الأمريكية، كما ستحاكي المناورات اختراق دولة والتغلب على منظومات الدفاع الجوي، وتدمير الأهداف المحمية تحت الارض، كما تحاكي الهجوم لقصف منشآت نووية في دولة معادية، والمواجهة على جبهات متعددة، وتعزيز التعاون والتنسيق المشترك بين الجيشين، وهذا يعني بأن المواجهة العسكرية خرجت من طابعها السري الى العلن، من الضرب بالوكالة الى الاستهداف المباشر، خصوصاً وإن رئيس اركان جيش الدفاع الاسرائيلي يقول لصحيفة “وول ستريت جورنال” إن “إسرائيل والولايات المتحدة تستعدان للأسوأ”، وإن الخيار العسكري لا يزال قائماً وبقوة.

رسائل أمريكية تحملها طائرات مسيرة صهيونية:
إن هذه الهجمات تحمل رسائل متعددة لكثير من الأطراف المعنية بالصراع الدولي والإقليمي الذي يحتدم بالمنطقة، وهو موجه بالدرجة الأولى للضغط على إيران، خصوصاً وإن هناك تقارير أمريكية تشير الى إن الهجمات التي طالت المواقع الإيرانية في اصفهان كانت بسبب معلومات استخبارية تقول بأن هذه المنشأة تقوم بتصنيع صواريخ فرط صوتية متوسطة وبعيدة المدى بالتعاون مع روسيا، لذا بالهجوم على هذا الموقع يرتبط بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية التي يتم توريدها إلى روسيا لاستخدامها في حرب أوكرانيا، وهذا يفسر لنا أسباب الهجوم على منشأة عسكرية مخصصة لتصنيع الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية ولم يأتي على منشأة تخص البرنامج النووي الإيراني، مما يعني بأن الهجوم كان موجهاً ومدروساً ومخطط له بعناية فائقة لضرب الشراكة الروسية-الإيرانية، كما أنها تقول بأن الاسلحة التقليدية التي يتم تصنيعها وتطويرها في إيران تعتبر جزءً من البرنامج النووي الايراني، الأمر الذي يعكس النظرة الصهيونية الى الابعاد المتعددة للتهديد الايراني المحتمل للأمن القومي الصهيوني، خصوصاً مع توسع التعاون العسكري وتبادل القدرات العسكرية مع روسيا.

إن هجمات أصفهان تحمل رسالة أمريكية واضحة لتطمين حلفاء واشنطن في المنطقة، الذين عانوا من العربدة الإيرانية طول الفترة الماضية، خصوصاً دول الخليج العربي التي أقلتهم توجهات وسياسات إدارة بايدن فيما يخص العودة الى الاتفاق النووي، وبنفس الوقت هي رسالة صهيونية عسكرية واضحة تقول بأن الكيان الصهيوني بإمكانه الوصول الى جميع المواقع الحساسة في داخل الأراضي الإيرانية، وإن كانت هذه الضربات تحذيرية وليست تدميرية، كما أنها رسالة لوكلاء إيران في العراق وسوريا واليمن ولبنان تقول بأن الضرب اليوم على “رأس الأخطبوط”، وأننا قادرون على الوصول الى المنشآت النووية ومصانع التصنيع العسكري التي فشل الحرس الثوري الإيراني بإمكانياته وقدراته الهائلة على تحصينها أو حمايتها، وإن الدفاعات الجوية الإيرانية هي ليست منيعة، بل أنها غير قادرة على وقف أو صد الهجمات الصهيونية، وإن حكومة نتنياهو جادة في امتلاك قوة ردع كبيرة تمكنها من تحجيم البرنامج النووي الإيراني، وملف تصنيع الطائرات المسيرة، والصواريخ الباليستية والمنشآت الحساسة.

دوافع هجوم أصفهان:
لا شك بأن الكيان الصهيوني يمتلك الكثير من الدوافع للقيام بمثل هذه الهجمات على منشآت التصنيع العسكري في مدينة أصفهان للتصدي لطموحات إيران النووية، خصوصاً وإنها أدركت بأن إيران قد تجاوزت الخطوط الحمراء التي رسمت لها من قبل المنظومة الدولية، وهي تحاول الخروج عن الدور الوظيفي الذي رسم لها من قبل الغرب أو الذي سمح لها بممارسته في المنطقة، خصوصاً وإن لديها الكثير من الملفات الساخنة التي تجاوزت فيها الطموحات الإيرانية الحد المسموح به، ومنها: الملف النووي الايراني وانهيار مفاوضات “فيينا”، والتي ترتب عليها زيادة تخصيب اليورانيوم الى مستويات أعلى مما تم الاتفاق عليه مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأمر الذي جعل طهران تقترب من صناعة قنبلة نووية، خصوصاً مع توفر معلومات لدى الكيان الصهيوني تقول بأن البرنامج النووي الإيراني يتوجه “نحو صناعة قنبلة ذرية وإن الفاصل الزمني قد لا يتجاوز بضعة أشهر” وهذا لن تسمح به إسرائيل وواشنطن على الاطلاق.
الأمر الآخر هو أن دورها الإقليمي أصبح مزعزع لإستقرار المنطقة في العراق وسوريا ولبنان واليمن وبدأ يهدد مصالح حلفاء واشنطن في الخليج العربي، ويهدد الملاحة الدولية، يضاف الى ذلك قيامها بتطوير برنامج الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، بالإضافة الى ملف مكافحة الإرهاب، وملف حقوق الانسان الذي يرتبط بالقمع الذي استخدمه النظام ضد المظاهرات والاحتجاجات التي طالت الكثير من المدن الايرانية، وخاصةً الشمالية منها، والتي لا زالت الحراك الشعبي مستمراً فيها ليومنا هذا، وأخيراً الدعم الايراني العسكري لموسكو في الحرب مع أوكرانيا من خلال توريد الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، وهذا يعني بأن الهجمات هي رسالة لإيران تقول بأنه يجب عليها تغير سياستها الحالية، وابداء المرونة فيما يخص جميع هذه الملفات، يجب عليها العودة الى طاولة المفاوضات بسقوف غير مرتفعة، علماً بأن “معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي” وصف الحادث بأنه “دراماتيكي وغير عادي، وهذه رسالة أمريكية لإيران ضد التعاون مع روسيا، وتؤكد رغبة الولايات المتحدة في العمل عسكرياً مباشرة ضد إيران” مما يعني بأن إدارة بايدن قد وضعت الخيار العسكري على الطاولة.

القدرات العسكرية الإيرانية للرد على الكيان الصهيوني:
لا شك بأن إيران تمتلك من القدرات العسكرية ما يمكنها من الوصول الى العمق الاستراتيجي للكيان الصهيوني ودول المنطقة سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الرغم من غياب المعلومات الدقيقة لصفقات الاسلحة التي تم شرائها من الخارج، يضاف الى ما تنتجه الصناعات الإيرانية من المعدات الدفاعية التي وصلت الى حد  الاكتفاء الذاتي حسب تصريح “مساعد شؤون التنسيق في وزارة الدفاع الإيراني العميد بحري محمد شفيعي” لصحيفة “كيهان” الإيرانية في18أكتوبر/تشرين الأول عام2009، خصوصاً وإن لديها مشاريع طموحة لتصنيع ما تحتاجه من الاسلحة والاعتدة بمختلف أنواعها من حيث الكم والنوع، كما عمدت إيران على بناء عقيدتها العسكرية الدفاعية على مواجهة عسكرية وعلى جبهات متعددة، خصوصاً وإن في حساباتها تعرض المنشآت النووية الإيرانية لهجمات عسكرية صهيونية أو أمريكية، وهذا يعني بأن الرد الإيراني القادم قد يؤدي الى أشعال ساحات أخرى في المنطقة تتواجد فيها القوات الأمريكية، وهذا يفسر لنا قيام إيران بالتركيز على تسليح حلفائها ووكلائها في المنطقة في (لبنان وسوريا واليمن والعراق) لخوض حرب غير تقليدية.

كما قامت إيران ببناء وتطوير قواتها البحرية وذلك بزيادة عدد سفنها الهجومية السريعة وزادت من قواعدها على سواحلها البحرية، كما منحت الحرس الثوري الإيراني المسؤولية الكاملة عن العمليات العسكرية في منطقة الخليج العربي الذي يحتمل أن يكون أحد ساحات المواجهة، يضاف الى ذلك بأنها قامت بناء قوتها الصاروخية بعيدة المدى وذلك بتصنيع صواريخ باليستية بأنواع مختلفة، بالإضافة الى الترسانة الصاروخية التي تم شرائها من الدول الشرقية، كما ركزت على تصنيع وتطوير الطائرات المسيرة بأنواع مختلفة وأصبحت تصدر الكثير منها الى الخارج، ناهيك عن بناء وتسليح الحرس الثوري الإيراني بجميع هذه الاسلحة بالاضافة الى منظومات الإنذار المبكر وقد ركزت في صناعتها على تطوير برنامج الصواريخ الباليستية و بمديات مختلفة قصيرة، ومتوسطة وبعيدة المدى، مما يعني بأن الأدوات اللازمة للمواجهة العسكرية متهيئة ولكن هل تجرؤ إيران على ذلك خصوصاً وإن تمتلك القدرات العسكرية اللازمة للوصول الى عمق الكيان الصهيوني ومن هذه الاسلحة:
أولا. الصواريخ الباليستية: من المؤكد بأن الحرس الثوري الإيراني يمتلك منها العديد من الأنواع والمنظومات (لصناعة صواريخ كروز وصواريخ باليستية) التي تمكنها من الوصول الى أهداف مهمة داخل الكيان الصهيوني ناهيك عن الصواريخ التي زودت بها حلفائها في المنطقة، وتختلف هذه الأنواع من الصواريخ في مداها ودقتها وتطورها وحجمها وقوة تدميرها ومنها ما يلي:
(1) صاروخ “سجيل” و مداه (2000 كم).
(2) صاروخ “سومار” ومداه يمكن أن يصل من(2000الى3000كم).
(3) صاروخ “شهاب”(3) ومداه يتراوح بين(1500الى2500كم).
(4) صاروخ “خيبر شكن” ويصل مداه الى(1450كم).
(5) صاروخ “قدر”(1)ويصل مداه الى(1800كم).
(6) صاروخ “خرمشهر” ويصل مداه الى(2000 كم).
ثانيا. الطائرات المسيرة: لقد أحرزت إيران تقدماً وتطوراً كبيراً في صناعة الطائرات المسيرة وصلت الى أكثر من (40)نوع، بمديات وأحجام مختلفة، منها طائرات: للاستطلاع، والمراقبة، والتصوير، وطائرات هجومية بقنابل موجهة وصواريخ، وطائرات للاصطدام المباشر بالهدف، حيث تعتبر هذه الطائرة صغيرة الحجم وقليلة التكاليف، وتمتاز بفعالية عالية، ولديها القدرة على المناورة للتخلص من منظومات الرادار والمراقبة، ومن منظومات الدفاع الجوي، ومن هذه الطائرات التي يمكن أن تصل للكيان الصهيوني الأنواع ما يلي:
(1) الطائرة المسيرة شاهد(121)المسافة المقطوعة(1700 كم) ومدة الطيران(24) ساعة.
(2) الطائرة المسيرة شاهد(126).
(3) الطائرة المسيرة شاهد(136)المسافة المقطوعة(2000كم)ومدة الطيران(10الى12)ساعة.
(4) الطائرة المسيرة شاهد(149 غزة)المسافة المقطوعة(2000كم)ومدة الطيران(35)ساعة.
(5) الطائرة المسيرة شاهد(171سيمورغ)المسافة المقطوعة(2000كم)ومدة الطيران(10)ساعات.
(6) الطائرة المسيرة كامان(22)المسافة المقطوعة(3000كم)ومدة الطيران(24)ساعة.
(7) الطائرة المسيرة كيان(2أو أرش2)المسافة المقطوعة(2000كم).

خيارات الرد الإيراني المحتمل:
إن هذه الهجمات أدت الى إظهار إيران كقوة ضعيفة وغير قادرة على حماية مؤسساتها في الداخل والخارج، خصوصاً وإن النظام يغدق بالأموال على نفوذه الخارجي تركاً الداخل الإيراني يعاني من أزمات اقتصادية خانقة في ظل العقوبات الأمريكية التي بدأت تضغط على النظام الإيراني بشكل كببر، ولكن مع هذا كله لا تزال خيارات الرد الإيراني قائمة وبقوة لأن عدم الرد سيجعل الكيان الصهيوني يتمادى في هجماته على إيران نحو منشآت أستراتيجية وحساسة أخرى، وقبل أن أخوض في تفاصيل الرد المحتمل أود أن أشير الى شي مهم وهو هل إن قواعد الاشتباك يبدو بأنها قد تغيرت بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وهناك تغير وتحول من المواجهة الغير مباشرة والحرب بالوكالة الى المواجهة المباشرة، خصوصاً وإن المبعوث الإيراني لدى الأمم المتحدة “أمير سعيد إيراني” قد أرسل رسالة الى الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” بين فيها إن” الحقيقيات الأولية تشير الى مسؤولية إسرائيل عن الهجوم”، وأضاف في رسالته “إن إيران تحتفظ بحقها المشروع والأصيل في الدفاع عن أمنها القومي والرد بحزم على أي تهديد أو مخالفة للنظام الصهيوني أينما ومتى رأت ذلك ضرورياً”. خانقة في ظل العقوبات الأمريكية التي بدأت تضغط على النظام الإيراني بشكل كببر، ولكن مع هذا كله لا تزال خيارات الرد الإيراني قائمة وبقوة لأن عدم الرد سيجعل الكيان الصهيوني يتمادى في هجماته على إيران نحو منشآت أستراتيجية وحساسة أخرى، وقبل أن أخوض في تفاصيل الرد المحتمل أود أشير الى شي مهم وهو هل إن قواعد الاشتباك يبدو بأنها قد تغيرت بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وهناك تغير وتحول من المواجهة الغير مباشرة والحرب بالوكالة الى المواجهة المباشرة، خصوصاً وإن المبعوث الإيراني لدى الأمم المتحدة “أمير سعيد ” قد أرسل رسالة الى الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” بين فيها إن” الحقيقيات الأولية تشير الى مسؤولية إسرائيل عن الهجوم”، وأضاف في رسالته “إن إيران تحتفظ بحقها المشروع والأصيل في الدفاع عن أمنها القومي والرد بحزم على أي تهديد أو مخالفة للنظام الصهيوني أينما ومتى رأت ذلك ضرورياً”.
لقد نقل موقع “نور نيوز” المنصة الإعلامية الخاضعة لـ”مجلس الأمن القومي الإيراني” إن المتفجرات والعتاد الذي أستخدم في هجوم أصفهان نقل الى إيران بمساعدة جماعات مناوئة للثورة تتخذ من كردستان العراق مقراً لها وبأوامر من جهاز أمني أجنبي”، وأضاف بأنه جرى “تجميع الأجزاء والمواد المذكورة أعلاه في ورشة مجهزة بأستخدام قوات مدربة”، مما يعني بأن الكيان الصهيوني سيكون المعني بالرد الإيراني المحتمل، على اعتباره الجهة التي تقف وراء الهجوم، على الرغم من إن المواقف والحوادث السابقة تشير الى إن امكانية الرد على إسرائيل بصورة مباشرة ضعيفة، خصوصاً وأنها تعرضت لضربات كثيرة في سوريا، كما تعرضت لضربات أمنية واستخبارية كبيرة في الداخل الإيراني، بما فيه أغتيال العلماء المسؤولين عن البرنامج النووي، ولكنها لم ترد أيضاً، على الرغم من امتلاكها للقدرات العسكرية اللازمة التي تمكنها من الرد على هذه التجاوزات التي تنتهك الأمن القومي الإيراني.
يبدو بأن عدم الرد الإيراني على التجاوزات الصهيونية يعود لأسباب كثيرة تتعلق بسياسة طهران في المنطقة، وإمكانية العودة للاتفاق النووي، مع وجود رواية تقول بأن ما يجري من تصعيد متفق عليه بين الجانبين وهو تحت السيطرة، والغاية منه إعادة أنتاج النظام الإيراني داخلياً مرة أخرى بالهروب نحو الخارج بعد أن ضعفت شرعيته بشكل كبير بعد الاحتجاجات الأخيرة، وقد يكون لدفع دول المنطقة الى المزيد من التطبيع مع الكيان الصهيوني!، وقد يكون لابتزاز دول الخليج العربي التي لن تكون بمنأى عن هذا التصعيد العسكري!، وقد يكون لإجبار النظام الإيراني على تقديم تنازلات مقبولة لدى واشنطن والكيان الصهيوني، ومع هذا تبقى خيارات الرد الإيراني المحتمل قائمة وقد تأخذ المسارات التالية:
1. خيارات الرد الإيراني المباشر: وهذا يعني بأن تقوم إيران بتوجيه ضربة مباشرة للكيان الصهيوني وذلك من خلال:
أولا. توجيه ضربة جوية مباشرة: من خلال صواريخ باليستية دقيقة أو بطائرات مسيرة من طهران الى الكيان الصهيوني لضرب بنى تحتية عسكرية إسرائيلية، ويمكن أن نقول بأن تكلفت هذه الضربة ستكون عالية على إيران، خصوصاً وأنها قد تؤدي الى حرب شاملة إذا ما أدت لوقوع خسائر مادية وبشرية، لذا واحتمالية هذا الخيار ضعيفة في تقديري، إلا أذا اختارت القيادة الإيرانية الذهاب لحافة الهاوية، علماً بأن هذا الخيار سيعطي الكيان الصهيوني ذريعة لجر الولايات المتحدة الأمريكية لضرب إسرائيل، وهنا يجب الأشارة الى احتمالية التدخل العسكري الأمريكي المباشر في الصراع، خصوصاً أذا كانت هناك خطة مدبرة بين الجانبين للتحرش بإيران لغرض جرها لهذا الصراع، وهنا يجب أن نشير الى أمكانية انزلاق الصراع بين إيران والكيان الصهيوني الى ساحات أخرى.
ثانيا. الرد بصور مباشرة من خلال القوات الإيرانية المتواجدة على الساحة السورية: وهنا يكون الرد بالمثل باعتبارها أقرب إلى الكيان الصهيوني من ناحية أمكانية الوصول والاقتصاد بالجهد والقوة، خصوصاً وإن هذه القوات تتعرض لضربات مستمرة من القوات الجوية الصهيونية.
ثالثا. الرد على كردستان العراق: كما حصل في أستهداف قاعدة “عين الأسد” في محافظة “الانبار”، أو قاعدة “حرير” في محافظة “أربيل”، على خلفية مقتل “قاسم سليماني” وأبو “مهدي المهندس” في 3 يناير عام2020، خصوصاً وإن هناك أتهامات مباشرة للجماعات الكردية الإيرانية المتواجدة على الأراضي العراقية باشتراكها في تنفيذ هذه الهجمات، كما إن أمكانية الرد على الهجوم الإيراني المحتمل غير موجودة أو ضعيفة تماماً كما حصل سابقاً، وهنا لن تكون هناك تكلفة لهذا الرد العسكري وفي رأيي هو الاحتمال الأكبر للرد الإيراني.

2. خيارات الرد الإيراني الغير مباشر: وهنا يعني بأن إيران ترد بصورة غير مباشرة من بلدان أخرى من خارج إيران باتجاه الكيان الصهيوني وهنا يمكن أن يأخذ الرد أشكال متعددة وكما يلي:
أولا. الرد من خلال وكلاء إيران: وهذا يعني الرد بصورة غير مباشرة من خلال حزب الله اللبناني، أو من خلال الفصائل الفلسطينية التي ترتبط بعلاقات متينة مع نظام الملالي في طهران وهي حماس فلسطين أو الجهاد الاسلامي، أو من خلال الفصائل العراقية المتواجدة على الأراضي السورية، أو من خلال ميليشيا الحوثي في اليمن، وهنا لا مشكلة لدى طهران في حالة الرد الصهيوني على هذه الجماعات والفصائل.
ثانيا. الرد على كردستان العراق من خلال الميليشيات الولائية التابعة لإيران: كما حصل في أستهداف السفارة الأمريكية في بغداد، وكذلك قاعدة “عين الأسد” أو قاعدة “حرير” أو مطار “أربيل”، خصوصاً وإن الميليشيات التابعة لإيران قادرة على تنفيذ هذه الهجمات على المواقع الأمريكية، والكردية الإيرانية إذا أقتضت الضرورة لذلك، كما يفعلون مع القوات التركية المتواجدة في قاعدة “زيليكان” بمدنية بعشيقة، والتي تقصف بسلاح هذا الميليشيات وسلاح حزب العمال الكردستاني المتحالف معها، كما إن أمكانية الرد على إيران غير موجودة أو ضعيفة تماماً كما حصل سابقاً، وهنا لن تكون هناك تكلفة لهذا الرد العسكري.
ثالثا. الرد الأمني والاقتصادي: وهذا يعني إن الرد الإيراني سيكون بضرب أهداف اقتصادية كما حصل باستهداف السفن وناقلات النفط في خليج عمان، والخليج العربي، وشركة أرامكوا، أو الرد من خلال تنفيذ عمليات اغتيال لشخصيات صهيونية في بلدان مختلفة، أو ضرب السفارات الصهيونية في بلدان مختلفة.

محددات الرد الإيراني:
إن من يراقب تطور الأحداث في المنطقة يجد بأن هناك الكثير من المتغيرات والتحولات التي طرأت على المشهد السياسي والعسكري أثرت بشكل كبير في كيفية التعامل مع إيران التي أصبحت طموحاتها غير مقبولة لدى صانع القرار الغربي، خصوصاً فيما يخص الملف النووي الإيراني، والتقارب الإيراني مع الصين، وموقفها من الحرب الروسية-الأوكرانية، لذا فالهجوم الأخير على مدينة أصفهان أحرج القيادة الإيرانية بشكل كبير حول أمكانية الرد على إسرائيل، لوجود أزمات داخلية وخارجية زادت من تعقيدات المشهد بشكل خطير، لذا إمكانية الرد تكتنفه محددات كثيرة منها:
أولا. الوضع الداخلي: تعاني إيران من وضع داخلي مزري يتمثل بخروج احتجاجات ومظاهرات على خلفية مقتل “مهسا أميني” من قبل الأمن الإيراني حيث خرجت مظاهرات عارمة ضربت معظم المدن الإيرانية الشمالية مما دفع قوات الأمن إلى استخدام القوة المفرطة لأنهائها ولكنها فشلت في ذلك مما يعني الجبهة الداخلية ضعيفة ولا تساعد على الذهاب الى الخراج لمواجهة قوة مثل إسرائيل.
ثانيا. وضع اقتصادي مزري: تعاني إيران من عقوبات اقتصادية خانقة فرضت عليها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على خلفية البرنامج النووي الإيراني الأمر الذي أدى الى ارتفاع الاسعار بشكل غير مسبوق أثر على حياة المواطن الإيراني والذي ترافق مع أنهيار العملة الإيرانية التي وصلت الى(45)ألف تومان خصوصاً بعد فرض عقوبات أمريكية على بنوك عراقية كانت تهرب الدولار الى إيران يضاف الى ذلك وجود معلومات تشير الى إمكانية فرض عقوبات أوروبية جديدة على طهران على أثر تعثر جهود أحياء الاتفاق النووي واعتقال عدد من المواطنين الأوروبيين بتهم التجسس والتحريض على الاحتجاجات الأخيرة ضد الحكومة.
ثالثا. عدم وجود استراتيجية عسكرية إيرانية مباشرة لمواجهة الكيان الصهيوني، كونها تعتبر  الولايات المتحدة الأمريكية هي المعنية المباشرة في ذلك، كما أنها تعتمد على أستخدام وكلائها في المنطقة للضغط على الكيان الصهيون بمواجهة غير مباشرة إضافة الى إن تكلفة الرد قد تكون عالية جداً لا يتحملها النظام الإيراني في هذه الفترة الحرجة التي يعاني فيها من عزلة سياسية وخاصةً مع دول الجوار ناهيك عن افتقارها القدرات الجوية ومنظومات الدفاع الجوي التي تمكنها من مواجهة الرد الصهيوني.

الخاتمة:
وأخيراً نقول: بأن الطموحات الإيرانية أصبحت غير مقبولة لدى صانع القرار الغربي، ويجب على إيران أن تغير سياستها في المنطقة، وهذا يتطلب أيصال رسائل واضحة لإيران بأن الخيار العسكري قد وضع على الطاولة، في وقت تعاني فيه إيران من خرق أمني واستخباري عميق جداً في جميع مؤسسات الدولة الأمنية والاستخبارية وصلت الى نائب وزير الدفاع، وإن قواعد الاشتباك قد تتغير بين الجانبين اذا لم يتم التوصل الى اتفاقات مرضية بسقوف غير مرتفعة فيما يخص الملفات العالقة وعلى رأسها الملف النووي الإيراني، لذا فهجوم أصفهان يحمل رسائل تحذيرية للنظام الإيراني الذي يعاني من أزمات داخلية وخارجية معقدة بسبب سياسته التوسعية في المنطقة، كما يحمل رسائل تطمينية لدول المنطقة التي عانت من السياسية الإيرانية المزعزعة لاستقرار المنطقة، وهي رسالة لوقف التعاون الروسي الإيراني فيما يخص وقف توريد الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية لروسيا، علماً بأن الهجوم يميل الى العمل الأمني والاستخباري أكثر من العمل العسكري التدميري مما يجعل أمكانية الرد الإيراني يجب أن يكون بمستوى الحدث، وألا فقد يكون الرد هو الشرارة لصراع شامل بين الجانبين الأمر الذي قد يجر الصراع الى ساحات أخرى، خصوصاً اذا كانت الرد مباشر وفي العمق الاسرائيلي، على الرغم من وجود محددات كثيرة تجعل من أمكانية الرد الغير مباشر هو الخيار الأفضل لطهران.