بالنسبة للعديد من العراقيين، يستحضر اسم “كولن بأول” في الأذهان صورة واحدة: الرجل الذي مثّل وزير خارجية الولايات المتحدة أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في عام 2003 للدفاع عن قضية الحرب ضد بلدهم.
أثار خبر وفاته يوم الاثنين 18 من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عن عمر يناهز 84 عامًا مشاعر الغضب في العراق تجاه الجنرال السابق والدبلوماسي، وأحد مسؤولي إدارة بوش العديدين الذين يعتبرونهم مسؤولين عن الغزو الكارثي الذي قادته الولايات المتحدة والذي أدى إلى عقود من الموت والفوضى والعنف في العراق.
كانت شهادته في الأمم المتحدة جزءًا رئيسيًا من الأحداث التي يقولون إنها كانت مكلفة للغاية بالنسبة للعراقيين وغيرهم في الشرق الأوسط.
مريم، وهي كاتبة عراقية تبلغ من العمر 51 عامًا وأم لطفلين في شمال العراق، تحدثت شريطة عدم ذكر اسمها الأخير لأن أحد أبنائها يدرس في الولايات المتحدة قائلة: “لقد كذب وكذب وكذب”.
وأضافت: “لقد كذب، ونحن من علقنا في حروب لا تنتهي”.
بصفته رئيس هيئة الأركان المشتركة، أشرف باول على حرب الخليج للإطاحة بالجيش العراقي في عام 1991 بعد (غزو) الرئيس العراقي صدام حسين للكويت.
لكن العراقيين يتذكرون باول أكثر لعرضه في الأمم المتحدة ليبرر غزو بلادهم بعد أكثر من عقد من خلال تصوير صدام باعتباره تهديدًا عالميًا رئيسيًا يمتلك أسلحة دمار شامل، حتى أنه عرض قنينة لما قال إنه يمكن أن يكون سلاحًا بيولوجيًا. وكان باول قد وصف مزاعم عدم امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل بأنها “شبكة من الأكاذيب”. ومع ذلك، لم يتم العثور على أسلحة دمار شامل على الإطلاق، وسُخر من الخطاب لاحقًا واعتُبر علامة متدنية في حياته المهنية.
“لقد حزنت لوفاة كولن باول دون أن يحاكم على جرائمه في العراق. لكنني متأكد من أن محكمة الله ستنتظره”، هكذا غرد منتظر الزيدي، الصحفي العراقي الذي عبر عن غضبه للولايات المتحدة بإلقاء حذائه على الرئيس آنذاك جورج دبليو بوش عام 2008، خلال مؤتمر صحفي في بغداد.
في عام 2011، قال باول لقناة الجزيرة إنه نادم على تقديم معلومات استخبارية مضللة قادت للغزو الأمريكي، واصفا إياها بـ “وصمة عار في سجله”. وقال إن الكثير من المصادر التي استشهد بها مجتمع المخابرات كانت خاطئة.
لكن في مقابلة عام 2012 مع وكالة أسوشيتيد برس، أكد باول أن الولايات المتحدة “حققت الكثير من النجاحات” لأن (دكتاتور العراق الرهيب قد رحل).
ألقت القوات الأمريكية القبض على صدام بينما كان مختبئًا في شمال العراق في ديسمبر 2003 وأعدمته الحكومة العراقية فيما بعد.
“شهادة باول أمام الأمم المتحدة أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من العراقيين”. هكذا عبر مؤيد الجشمي، وهو عراقي يبلغ من العمر 37 عاما ويعمل مع منظمات غير حكومية، مضيفًا: ” يديه ملطخة دماء هؤلاء”.
وبينما لم يتكبد خسائر مباشرة، قال الجشمي إنه لا يزال يعاني من نوبات التوتر والذعر نتيجة نشأته في ظل الحرب والنزوح وسنوات من التفجيرات الإرهابية في البلاد.
أما عقيل الربيعي، 42 عاما، الذي يملك متجرا للملابس ومستحضرات التجميل في بغداد، فقد ذكر أنه لا يهتم إذا كان باول يندم على المعلومات الخاطئة التي قدمها عن أسلحة الدمار الشامل.
يلقي الربيعي -الذي فقد ابن عمه في الحرب- باللوم على الولايات المتحدة في وفاة والده أثناء فترة الطائفية التي أعقبت الغزو الأمريكي، حيث تعرض والده لاحقًا لأزمة قلبية قاتلة.
“ماذا يفعل هذا الندم لنا؟ دمرت دولة بأكملها وما زلنا ندفع الثمن”. “ولكنني أقول رحمه الله”.
في مكان آخر، يتم تخليد باول باعتباره “شخصية بارزة في القيادة العسكرية والسياسية الأمريكية على مدى سنوات عديدة، وشخص يتمتع بقدرة هائلة ونزاهة”. هكذا وصفه رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، الذي دعم الحملة والغزو الأمريكي.
أما وزير الخارجية الألماني هايكو ماس فقد قال إن باول كان “مسؤولاً صريحاً في السياسة الخارجية” و”عامل بناء جسر عبر الأطلسي”.
السفارة (الإسرائيلية) في واشنطن أشادت بباول “لالتزامه بإسرائيل وعلاقته الشخصية العميقة بالجالية اليهودية”.
أما ماري روبنسون، رئيسة أيرلندا السابقة، فقد قالت إن باول كان “رجلاً رائعاً وأخلاقياً تم تضليله بشكل رهيب في سياق حرب العراق أمام مجلس الأمن”. ترأس روبنسون مجموعة The Elders، وهي مجموعة من قادة العالم المتقاعدين.

قاسم عبد الزهرة، لينا كرم / أسوشييتد بريس