جاسم الشمري
لا يمكن القفز اليوم على أهمية الدور الأممي في مواجهة، أو معاجلة العديد من الخلافات والتحديات في الدول المرتبكة وبالذات في الشرق الأوسط وأفريقيا!
والبعثة الدولية في العراق، بعثة الأمم المتحدة (يونامي) منذ أن بدأت مهمتها في آب/ أغسطس 2003 أنيطت بها العديد من المهام، ومنها:
(أ) إعطاء الأولوية لتقديم المشورة والدعم والمساعدة إلى العراق، حكومةً وشعباً، بشأن تعزيز الحوار السياسي الشامل للجميع والنهوض بالمصالحة على المستوى الوطني وعلى صعيد المجتمعات المحلية؛
(ب) تقديم المزيد من المشورة والدعم والمساعدة إلى:
1. حكومةِ العراق والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات في الجهود المبذولة لتخطيط وتنفيذ انتخابات واستفتاءات حرة ونزيهة فعليا، يقودها العراقيون ويتولون زمام الأمور فيها، بما في ذلك إجراء عمليات استعراض تقنية منتظمة وتقديم تقارير مفصلة عن الأعمال التحضيرية والعمليات الانتخابية، في إطار الدورة العادية لتقديم تقارير الأمين العام؛
2. حكومةِ العراق ومجلس النواب بشأن مراجعة الدستور وتنفيذ الأحكام الدستورية، وكذلك بشأن وضع إجراءات تقبل بها حكومة العراق لتسوية مسألة الحدود الداخلية المتنازع عليها؛
3. حكومةِ العراق لإحراز تقدم في جهود إصلاح قطاع الأمن، بسبل منها منح الأولوية لتخطيط وتمويل وتنفيذ الجهود الرامية إلى تعزيز سلطة الدولة وبرامج إعادة إدماج الأعضاء السابقين في الجماعات المسلحة، متى كان ذلك مناسبا، بالتنسيق مع الكيانات الأخرى المتعددة الجنسيات؛ وغير ذلك من المهام التي حددت للمنظمة الدولية والتي يفترض أن تساهم في إيصال العراق والعراقيين إلى المرحلة التي يتمكنون معها من بناء دولتهم والتأسيس لحياة خالية من الإرهاب والدمار!
وفي يوم 11/5/ 2021 قدمت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين هينيس بلا سخارت إحاطتها المقدمة الى مجلس الأمن والتي أكدت فيها على جملة من الجوانب الأساسية في المشهد العراقي، ومنها:
– الانتخابات والمظاهرات:
قالت بلا سخارت: ” تفصلنا الآن خمسة أشهر عن الانتخابات الوطنية بالغة الأهمية والمقرر إجراؤها في 10 تشرين الأول 2021، وهذه الانتخابات كانت مطلباً أساسياً للحركة الاحتجاجية، إلا أن العديد من أعضائها لا يزالون يتعرضون للاضطهاد في ظل تفشي الإفلات من العقاب. ويعتبر اغتيال الناشط البارز إيهاب جواد الوزني منذ يومين على يد مسلحين مجهولين أمام منزله في كربلاء مثالاً مأساوياً آخر على ذلك”.
ولا ندري من الذي قال للممثلة الدولية أن الانتخابات هي المطلب الأساسي للحركة الاحتجاجية؟
والعجيب أن بلا سخارت أكدت في كلمتها جملة من الحقائق المتناقضة، حيث جددت دعوتها إلى جميع الجهات المعنية العراقية إلى الالتزام بنزاهة العملية الانتخابية، وفي ذات الوقت تبين أن ” فالعالم يراقب، كما أن الضغط والتدخل السياسيين والتخويف والتمويل غير المشروع جميعها من أشد العوامل إضراراً بمصداقية الانتخابات، وبالتالي في الإقبال على المشاركة فيها”!
فكيف يمكن تفهم الدعوة إلى الالتزام بالعملية الانتخابية وفي ذات الوقت تقول إن الضغوطات السياسية والتمويل غير المشروع جميعها تعد من العوامل الضاربة لمصداقية الانتخابات، فهل دورهم هو دور (خبري، توصيفي) أم يفترض أن يكون دورهم (علاجي ومساهم في الخلاص من الخراب)؟
ولم تكتف بذلك بل أكدت على ضرورة أن يكون المرشحون ومنظمو حملات الدعاية الانتخابية ووسائل الإعلام والناخبون جميعهم أحراراً في ممارسة حقهم الديمقراطي قبل الانتخابات وأثناءها وبعد إجرائها، وكذلك ركزت على وجوب مكافحة التضليل بالحقائق ولا بد من أن تحل المساءلة محل التخويف
من أجل أن تكون الانتخابات ذات مصداقية.
فكيف يمكن تفهم هذه التصريحات غير المتفقة مع الواقع العراقي من الممثلة الدولية؟
وهذا التوصيف الأممي يشير بما لا يقبل الشك أن الناخبين لسوا أحرارا في ممارسة حقهم الديمقراطي، وأن هنالك قوى تجبرهم على عدم تحقيق هذا (الحق الانتخابي)، وأن بعض أصحاب حملات الدعاية يتعرضون لضغوطات سالبة لحرياتهم، وهذه كلها عوامل ضاربة للديمقراطية، ولا يمكن معها الوثوق بنتائج العملية الانتخابية!
وبعد كل هذا الواقع الذي أشارت إليه بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة تقول السيدة بلا سخارت ” تتطلب هذه الممارسة الديمقراطية الأساسية أن يقوم كل ناخب ومرشح وصحفي وناشط بدوره. وإن مقاطعة الانتخابات، وبالتالي البقاء خارج العملية الانتخابية، هي مجازفة ويمكن أن يكون ثمنها باهظاً”!
وبعد كل هذا التوصيف للواقع والمليء بالخوف، لا ندري من أين جاءت السيدة بلا سخارت بهذا الكم من الثقة بالترتيبات الانتخابية لتقول ” إن الفشل في تنظيم انتخابات ذات مصداقية من شأنه أن يولد غضباً وخيبة أمل كبيرين ودائمين وواسعي النطاق، الأمر الذي ربما سيتسبب بالمزيد من عدم الاستقرار في البلاد في وقت هي في أمس الحاجة فيه إلى القوة والوحدة، وأن السلطات العراقية والجهات المعنية تضطلع بالمسؤولية الكاملة والنهائية”!
وفي ختام الملف الانتخابي أمام المجتمع الدولي، وبعد كل هذه الإشارات الواضحة للخلل في الأجواء السابقة والمرافقة للانتخابات الماضية، والمتوقع أن تكون في الانتخابات القادمة نجد أن السيدة بلا سخارت تقول:
” السيدات والسادة، في الختام اسمحوا لي أن أشدد مرة أخرى على أهمية إجراء (انتخابات ذات مصداقية)، حيث إنه في هذا المنعطف الحاسم، لا بد أن تسود للشفافية وحكم القانون، إذ يمكن لعملية انتخابية تحظى بالثقة تصحبها مشاركة حرة وواسعة النطاق أن تساعد على توجيه البلد نحو المستقبل الآمن والمزدهر الذي يستحقه العراقيون، فالطريق إلى التعبير عن صوت، أو خيار أحد ما هو عبر صندوق الاقتراع”!
فهل هذه الأمنيات التي طرحتها ممثلة الأمم المتحدة يمكن تحقيقها في الواقع العراقي الحالي الذي تسيطر عليه قوى معروفة لكل العراقيين، وكذلك مع استمرار العزوف الجماهيري بعدم المشاركة في الانتخابات القادمة وذلك لأن القناعة الشعبية وصلت إلى أن غالبية القوى السياسية والشخصيات اللاعبة في الميدان السياسي قد فشلوا في بناء الدولة وتقديم الخدمات للمواطنين، فما هي الجدوى من المشاركة في انتخابات لا يرجى منها أي تغيير في الواقع المدمر؟
وللحديث بقية
مقال خاص براسام

