فلسطين، التي تعيش في قلوبنا وأرواحنا، كافحت لأحد عشر يومًا من أجل الحرية. نعلم جميعًا أن التكلفة كانت باهظة، لكن هكذا أراد العدو الصهيوني، أن تكون ثمن الحرية أرواح الأطفال والنساء والشيوخ. استهدف المدنيين من أجل خلق جو من اليأس والإحباط بين أولئك الذين حاربوا ظلم الاحتلال لأكثر من 73 عامًا، لكن خطتهم باءت بالفشل.
وبجانب قوته العسكرية القاتلة، فقد استخدم العدو الصهيوني سياسة الدعاية المضللة والترويج للباطل. حيث أصبحت الرواية الإعلامية والسياسية الأساسية، أن هذه الصراع هو بين “إسرائيل” الديمقراطية وبين “حماس الإرهابية”، بدل الرواية الصحيحة التي تقول إن القضية هي مقاومة فلسطينية مشروعة ضد الاحتلال العسكري الوحشي. أطلق مزاعم “معاداة السامية”، وتذرع بحادثة “الهولوكوست”. وجعل الأمر كما لو أن الفلسطينيين هم من قادوا اليهود الأوروبيين إلى غرف الغاز، وليست النازية الأوروبية. ومن أجل هذا زعموا أن لإسرائيل الحق في حرق شعب فلسطين المحتلة.
لكن القصف المميت الأخير على قطاع غزة المحاصر لأحد عشر يومًا وليلة، أظهر هشاشة رواية المحتل الإسرائيلي. لكنه لم يمحها تمامًا، باعتبارها مادة أساسية لمواصلة تبرير التواجد الصهيوني المستمر في المنطقة. ومع ذلك، تم دفن بعض أجزاء هذه الرواية تحت أنقاض المباني السكنية التي دمرها القصف الإسرائيلي الممنهج، إضافة للهالة الإعلامية التي يحيط بها الصهاينة أنفسهم وهم يدعون “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”، والحق الانتقائي لكيان مبني على الإرهاب والتطهير العرقي واغتصاب الأراضي. أيام وليال من القتل الوحشي الإسرائيلي، كشف للعالم حقيقة إسرائيل: قوة عنصرية، استعمارية، يدعمها الإمبرياليون، تتغذى على الاستغلال ودعم الطغاة.
ردًا على هذا العدوان، ارتفعت الأصوات المطالبة بالعدالة. وذلك عبر مظاهرات حاشدة في مختلف مدن العالم، وكذلك على وسائل التواصل الاجتماعي. حيث شاهدنا مقالات ومقابلات وندوات مع عدد من السكان المحاصرين في غزة، وآخرين يواجهون تطهيرًا عرقيًا في حي الشيخ جراح. كان الأطفال يغنون ويضحكون على أولئك الذين أرادوا قتل الابتسامة والضحك. المقاومة لم تكن في غزة فقط، ولم تعد السلاح الوحيد لدى الفلسطينيين. الجميع في فلسطين المحتلة (بمن فيهم سكان الأراضي المحتلة منذ 48) قاموا جميعًا، وأزاحوا خلافاتهم جانبًا، وعادوا إلى أصل النضال من أجل التحرير. وهكذا حصلوا على الدعم، والأمل من أصوات حرة انطلقت من جميع أنحاء العالم.
مئات الآلاف من الناس، بمن فيهم السياسيون نزلوا إلى الشوارع في أوروبا، والشرق الأوسط، وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة، وهم يهتفون “فلسطين حرة حرة” في تناغم وانسجام تامين. مع كل صوت أو مبادرة تضامنية، كان خطاب “معاداة السامية” و”الإسلاموفوبيا” الذي يصور المسلمين والعرب على أنهم إرهابيون متوحشون، يضعف أكثر فأكثر. فضحت الرواية الصهيونية الزائفة، وهذا ما شوهد خلال الآونة الماضية. لكن القضية الأبرز الآن، كيف يمكننا البناء على هذا التضامن ليزدهر أكثر. زرعت البذور وسقيت، فكيف نتجنب الجفاف الآن؟
أطرح تساؤلا بقلق حول ما أنجز فعلًا. وذلك، لأنني لازلت أتذكر الاحتجاجات التي شارك فيها مليون شخص ضد غزو العراق. والتضامن العالمي المذهل الذي سبق الغزو والاحتلال، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في مارس 2003.
آنذاك، خرج 35 مليون شخص في مختلف أنحاء العالم، احتجاجًا وغضبًا على مؤامرة إدارة بوش لغزو العراق. العرب وغير العرب خرجوا متضامنين مع الشعب العراقي. ملؤوا الشوارع في ليبيا ومصر ولبنان والأردن وسوريا وتونس والمغرب. اشتباكات حصلت بين المتظاهرين و”شرطة مكافحة الشغب” في القاهرة والأردن. وجهود بذلت للتواصل مع السفارتين الأمريكية والبريطانية. احترق العلم الأمريكي احتجاجًا، وصدرت مطالبات في عدد من الدول، من بينها مصر، لطرد السفراء الأمريكيين، والبريطانيين، والإسرائيليين. التنديد بـ”الصمت العربي” وحد المتظاهرين، في وقت خلت فيه المدن الخليجية من المحتجين.
دوليًا، نزل أكثر من 200 ألف شخص في العاصمة اليونانية أثينا، حيث وصف الطلاب الرئيس الأمريكي جورج بوش بـ”القاتل”. والآن يوصف بنيامين نتنياهو بذات الوصف. في نفس اليوم، خرجت احتجاجات في باكستان، وأستراليا، وإندونيسيا، وأنقرة، وروسيا، وفرنسا، وألمانيا. أضرب آلاف الطلبة في الدنمارك وسويسرا وإسبانيا ونيويورك. ونفس الأمر للنقابات العمالية في إيطاليا. شددت الإجراءات الأمنية في السفارات والقنصليات الأمريكية في جميع أنحاء العالم. وكذلك الأمر في السفارات الإسرائيلية اليوم.
حركات التضامن في أنحاء العالم، استمدت قوتها من المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي. والثمن كان باهظًا كما يحصل في فلسطين. حيث وصفت المقاومة العراقية بـ”الإرهاب” على غرار المقاومة في فلسطين. إضافة لدس سم الطائفية والصراعات العرقية والفساد وانتشار الجواسيس المحليين.
وعلى الرغم من نجاح المقاومة العراقية في وقف المد الإمبريالي من الوصول إلى بلدان أخرى، إلا أن تنبؤات النائب البريطاني حينها جورج غالاوي صدقت. حيث قال للمتظاهرين: “إذا أرسل جورج بوش نصف مليون جندي للعراق، كلهم أمريكيون، مع دعم رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون فقط، فسينتهي به الأمر في الجحيم، وسيعود الكثير من الأمريكيين إلى ديارهم في أكياس جثث”. مع ذلك، لم تنتصر المقاومة في العراق.
ضعف فصائل المقاومة في العراق تمثل في فشلها في العمل تحت راية واحدة من أجل تحرير الوطن. واستغل العدو هذا الضعف ليعين حكومات دانت بالولاء لواشنطن لا للشعب العراقي. وغياب اتفاق للتحرير واتساع دائرة المنتفعين من النظام الطائفي الفاسد، أدى إلى معاناة العراق من احتلالين بدل احتلال واحد. ليتحول العراق إلى ساحة لاستعراض القوة والتفاوض بين الاحتلالين، فيما وضع سياسيو النظام قشرة “الديمقراطية” في البرلمان، والإعلام، ومؤتمرات الدول المانحة، وبرامج إعادة الإعمار، وورشات العمل التدريبية القيادية، والدفاع عن حقوق الإنسان، وجهود مكافحة الإرهاب. لقد دفع الشعب العراقي ثمن هذه المنظومة السامة، بأرواح أكثر من مليون مواطن على مدة ثمانية عشر عامًا. والفاتورة النهائية لم تُسوّ بعد. لايزال المواطنون يتعرضون للاعتقال والتعذيب والاختطاف والقتل، ويتم تسجيل هذه العمليات بالفيديو، كتحذير لأي شخص يرغب في إزالة الكمامة التي كممت بها أفواههم.
دون شك، فالوضع في العراق بنقاط قوته وضعفه، بمقاومته وعملائه، بكل الكذب لتبرير الغزو والاحتلال، وكل الحملات التضامنية الإقليمية والدولية، لا يتطابق مع الوضع الموجود في فلسطين المحتلة. لكن مع ذلك، هناك دروس يمكننا تعلمها إذا أردنا البناء على الإنجازات الأخيرة للفلسطينيين حتى نضمن النصر. وتصبح العدالة والحرية حقيقة مع انتهاء الاحتلال الإسرائيلي.

هيفاء زنكنة / ميدل إيست مونيتور
ترجمة وتحرير: راسام