شاهو القره داغي

خلال الأيام الماضية خرج الآلاف من الطُلاب في بلدات محافظة السليمانية ليلتحق بهم الطلاب فيما بعد طلاب مدن أربيل ودهوك للمطالبة بإعادة دفع المخصصات المالية الشهرية التي كانت تُقدم إلى الطلاب وتم قطعها في العام 2015 بسبب الازمة المالية والحرب على تنظيم داعش وقطع بغداد لحصة كردستان من الموازنة.
فعلى الرغم من اعلان الانتصار على داعش وزيادة الإيرادات الداخلية وإيرادات المنافذ الحدودية وارتفاع أسعار النفط، على الرغم من كل هذه التغييرات لم تُبادر حكومة كردستان لإعادة هذه المخصصات التي تصل في معدلها إلى 75 ألف دينار عراقي (حوالي 50 دولار) وهو مبلغ بسيط ومن الممكن دفعه بالكامل عن طريق إيرادات وزارة التعليم العالي فقط دون اللجوء إلى باقي إيرادات الحكومة.
ونتيجة لتراجع المستوى المعيشي في كردستان في السنوات الأخيرة يبدو واضحاً أن الكثير من العوائل باتت عاجزة عن مساعدة أبنائها الطلبة وتوفير المستلزمات الكافية لهم وإمدادهم بالمبالغ المالية الكافية التي تضمن لهم الاستمرار في الدراسة والحضور الجامعي بصورة ناجحة، ما دفع بالطلاب إلى الخروج إلى الشوارع والمطالبة بحقوقهم بصورة سلمية بهدف إرسال رسالتهم إلى صناع القرار في كردستان.
وعلى الرغم من أن الحراك طلابي ويقتصر على طلاب الجامعات والطبقة الأكاديمية، إلا ان تعامل القوات الأمنية كانت بقسوة وعنف، حيث استخدمت الأجهزة الأمنية قنابل الغاز المسيلة للدموع مع اطلاق الرصاص الحي لتفريق الطلاب واعتقال الكثير منهم سواء في السليمانية أو أربيل بهدف السيطرة على الاحتجاجات ومنع تحولها إلى احتجاجات سياسية تعمل جهات سياسية لاستغلالها واستخدامها كوسيلة لإعادة الاعتبار إلى نفسها بعد خسارتها في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
تُشكل الاحتجاجات الطلابية الرسالة الثانية إلى السلطة السياسية في كردستان العراق خلال هذه الفترة الوجيزة، الرسالة الأولى كانت موجة الهجرة الكبيرة إلى بيلاروسيا في سبيل الوصول إلى أوروبا، حيث تجمع الالاف من العوائل والشباب الكورد على الحدود البيلاروسية ومرّوا بظروف صعبة في سبيل الوصول إلى حياة أفضل، والاحتجاجات الطلابية إشارة ثانية تحاول أن تلفت أنظار صناع القرار سواء داخل الحزب او الحكومة بأن هناك أخطاء حقيقية في منظومة الحكم وعلى السياسيين أن يفكروا في تقديم معالجات حقيقية لإعادة الثقة إلى هذه الشريحة المهمة في المجتمع.
يعتبر كردستان العراق النموذج الأنجح في العراق مقارنة بباقي المحافظات التي تعاني من الكثير من المشاكل الأمنية وغياب البنى التحتية والخدمات الأساسية، حيث أن مدن كردستان شهدت تطوراً نوعياً في السنوات الأخيرة الماضية إضافة إلى التقدم في العمران وحضوراً للجانب الأمني والاستقرار ما دفع بالكثيرين من مواطني الوسط والجنوب نحو خيار الانتقال والعيش في كردستان، ولكن هذا التطور والعمران لا يعني أن هناك حالة من الكمال أو جمهورية أفلاطون المثالية، وهذه الإنجازات أدت إلى وقوع الكثير من الخبراء والمراقبين في الخطأ عندما لم يقيّموا الأوضاع في كردستان بصورة دقيقة وبالتالي تفاجأوا من ظاهرة الهجرة واندلاع التظاهرات بهذه الصورة.
تقوية تجربة كردستان العراق وحماية الإنجازات الموجودة تكون عن طريق الاستجابة لمطالب الطلبة و تلبية حاجات الشباب وتوفير فرص العمل وتحقيق الشفافية والتوزيع العادل للثروات، بدل إنكار المشاكل واتهام أطراف داخلية وخارجية – نظرية المؤامرة – بالوقوف وراء المظاهرات الموجودة ومحاولة اخمادها بالقوة والعنف وتأجيل معالجة المشاكل لتتراكم وتنفجر لاحقاً في وجه الجميع.
من الواضح أن مطالب الطلاب خدمية يتعلق بإعادة المخصصات الشهرية وتحسين الخدمات في الأقسام الداخلية للجامعات وتوفير الماء والكهرباء بصورة كافية للطلاب، فعلى الجميع أن يدرك أن الأوضاع الاقتصادية السيئة وغياب الأمل وانتشار اليأس من أسباب خروج هذه الشريحة إلى الشارع والمطالبة بحقوقهم المشروعة، ومن الطبيعي أن تكون هناك جهات سياسية تحاول استغلال الشارع لتحقيق مكاسب سياسية أو تشكيل ضغط على الأحزاب السياسية الحاكمة، ولكن الاستجابة السريعة من قبل السلطة والتعامل الهادئ مع المحتجين والتمييز بين المتظاهرين السلميين من طلاب الجامعات وبين العناصر الفوضوية التي تعمل على إثارة الشغب خطوات ضرورية لقطع الطريق أمام أي طرف خارجي يحاول أن يستغل الأزمة الحالية .
قراءة الأحداث الحالية في إطار ضيق واعتبارها مطالبات محددة لشريحة واحدة هي من الأخطاء الشائعة التي تؤدي إلى عدم فهم حقيقي بما يجري، وتشل القدرة على استشراف المستقبل، لأن الكثير من الصحف والمجلات والقنوات متفاجئة من هذه التظاهرات وطريقة التعامل معها، لأنها صنعت من قبل صورة خاطئة عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في كردستان ونتيجة لذلك عجزت عن تفسير هذه التظاهرات وحاولت أن تفسرها في الإطار الخدمي فقط دون النظر إلى كامل زوايا اللوحة لفهم الحدث بصورة حقيقية والقدرة على معرفة مجريات الأمور على المدى المستقبلي.
إذا كانت المطالب الحالية لمخصصات مالية لشريحة طلاب الجامعات، فقد تخرج غداً مظاهرة أخرى تطالب بتحسين الواقع المعيشي، واحتجاج آخر تُطالب بفرص العمل، وتحقيق العدالة وإنهاء ظاهرة الواسطة والمحسوبية، وهذه المطالب قد تتراكم وتزداد مع الوقت، وبالتالي المطالب الحالية لشريحة الطلاب ما هي إلا تجسيد لحالة من غياب التوزيع العادل للثروات وعدم إدراك السلطة السياسية بمعاناة الكثير من العوائل بسبب انفاق الكثير من الأموال على القنوات الحزبية التي تعطي صورة مغايرة عن الواقع للمسؤولين.
شريحة الطلاب هم شريحة المستقبل، والمعروف أن بناء الانسان يأتي قبل العمران وبناء الأوطان، والاهتمام بهذه الشريحة وتوفير كافة الحاجيات لها سيضمن نشوء جيل متمكن وقادر على البناء والعمران، وبعكس ذلك تهميش هذا الجيل ودفعه إلى اليأس والتفكير بالهجرة سيؤدي إلى افراغ البلاد من الطاقات والعودة إلى الوراء.

مقال خاص براسام