أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
اتسم واقع وولاء عشائر المنتفك التي تقطن المناطق المحصورة بين السماوة والبصرة أواخر العقد التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين بالانقسام بين الشيخ سعدون بن منصور باشا (١٨٥٤ – ١٩١١م) الذي انتهج سياسة قائمة على معارضة تدخّل الحكومة العثمانية في شؤون المنتفك وعلى نقيض تلك السياسة انتهج ابن عمه فالح سياسة قائمة على موالاة الحكومة العثمانية، فكان الصراع بين الشيخين السمة الغالبة لتلك المدة، حيث وقفت الدولة العثمانية موقف المؤيد للشيخ فالح.
لكن طرأ تغيير على تلك السياسة وتحديداً بعد انقلاب الاتحاديين عام ١٩٠٨م، ووفاة الشيخ فالح وهيمنة الشيخ سعدون على المشيخة والذي عرف بتأييده لجماعة الاتحاد والترقي، مما أكسبه حظوظا لدى الحكومة، عندما كلف بوظيفة جمع الضرائب وأطلق عليه “مأمور التحصيلات” إلا انه أخفق في تلك المهمة نظرآً لمشاكله مع العشائر واستعماله الشدة في استيفاء الضرائب وتدهور الموسم الزراعي، مما وقف حائلاً دون دفع تلك العشائر لمستحقاتها تجاه الدولة، مما دفع (الدولة العثمانية) إلى تجريده من تلك الوظيفة، واضطرت إلى تسجيل الضرائب كمتأخرات في ذمة العشائر للأعوام ١٩٠٧ – ١٩٠٨م.
والملاحظ أنه طرأ بعض التغيير على سياسة الدولة العثمانية خلال المدة (نيسان – أيلول ١٩٠٩م) إذ توقفت النشاطات العسكرية تجاه عشائر المنتفك بسبب انشغال السلطات العثمانية بمعالجة أوضاع العشائر في لواء العمارة، وبعد إتمام المهمة استأنفت الحكومة حملاتها العسكرية وكان آخرها حملة يوسف باشا (قائد القوة الإصلاحية) التي استغرقت المدة من (أيلول ١٩٠٩- ايار ١٩١٠م) ضد عدد من عشائر المنتفك، وهم (خيون العبيد) شيخ عشائر السناجر و (عبد الله فالح السعدون).
وصلت القوات الحكومية إلى (الشطرة) في الحادي والثلاثين من تشرين الثاني ١٩٠٩م، وفرضت القوات العشائرية حصاراً قاسياً على مدينة الشطرة وعدد من المدن الأخرى، وأمام شدة الحصار لم تتمكن القوات الحكومية العثمانية المتواجدة في مدينتي الحي والناصرية من مساعدة القوات المحاصرة في الشطرة، وكان قوامها تسعة كتائب للمشاة في مدينة الناصرية وكتيبة واحدة للمشاة في الجي.
إزاء الوضع المتردي رفع أهالي الشطرة الشكايات إلى والي البصرة (سليمان نظيف) محملين (يوسف باشا) مسؤولية ما لحق بالمدينة من مصائب، ومن الجدير بالذكر أن (سليمان نظيف) كان من المعارضين لآل السعدون وحدث أثناء حصار الشطرة أن قام “أتباع السعدون بالاستيلاء على قافلة مساعدات مرسلة من الشيخ عبد الله الفالح إلى الشيخ خيون العبيد ليقوموا بتسليمها إلى القائد العسكري في الناصرية، ذلك الاجراء الذي لقي استحساناً من يوسف باشا في الوقت الذي أثار ذلك الاجراء غضب (سليمان نظيف) الذي اتهم (يوسف باشا) بالتحيز وسوء التصرف وحمل (يوسف باشا) مسؤولية عدم إخطاره بتفاصيل الحملة.
لجأت السلطات الحكومية العثمانية إلى إرسال حملة عسكرية لفك الحصار عن مدينة الشطرة تولى قيادتها (محي الدين باشا) والتي حققت نصراً وقد تزامن ذلك الانتصار مع تعيين (ناظم باشا) والياً على بغداد.
كانت أولى إجراءات (ناظم باشا) سحب القوات الحكومية الموجودة في لواء المنتفك في إطار سياسته القائمة على جمع القوات الحكومية في بغداد، وحلاً لمشكلة استيفاء الضرائب المفروضة على المنتجات الزراعية قرر استيفاءها من التجار التي يشترونها بدلاً من الطريقة القديمة القائمة على استيفائها من العشائر مباشرة.
وفي إطار جهود ناظم باشا لكسب العشائر صدرت الأوامر إلى سليمان نظيف بالتوجه إلى لواء المنتفك في الخامس والعشرين من حزيران ١٩١٠م، لإجراء مشاورات مع شيوخ العشائر.
توجه (نظيف) عبر نهر الفرات وكانت أولى محطاته هي سوق الشيوخ التي امضى فيها يوماً واحداً زار بعدها مدينة الناصرية ومكث فيها خمسة أيام وكانت محطته الأخيرة (الشطرة) التقى فيها بعدد من الشيوخ وقبل مغادرته أرسل (نظيف) برقية إلى (ناظم باشا) أكد فيها أن “قبائل اللواء قدمت له طاعتها وخضوعها”.
استقالة (نظيف) :
واجه (سليمان نظيف) أثناء مدة ولايته القصيرة مشاكل عديدة حالت دون استمراره في مهامه الإدارية في ولاية البصرة، منها :
أولا : خلافاته مع والي بغداد (ناظم باشا) وقائد الفيلق السادس وعدد من القادة العسكريين ومنهم يوسف باشا وتحديداً فيما يتعلق بتوزيع المسؤوليات، وكثيراً ما عانى (سليمان نظيف) من هيمنة وتدخلات القائد العسكري (يوسف باشا) في إدارة أمور ولاية البصرة في وقت كانت فيه الولاية تواجه واحداً من أخطر التمردات العشائرية في لواء المنتفك.
الظاهر إن التحديات (الداخلية والخارجية) كانت أقوى بكثير من الإمكانيات المتوفرة التي تزامنت مع الضغوطات البريطانية لدى الباب العالي لعزل (سليمان نظيف) بحجة تهديد مصالحها الاقتصادية في البصرة إزاء ذلك لم يكن أمام (نظيف) إلا تقديم استقالته إلى والي بغداد (ناظم باشا) في أيلول ١٩١٠م الذي تولى رفعها إلى ناظر الداخلية ( طلعت باشا) فوافق عليها، عندها قرر (نظيف) العودة إلى إستانبول إلا أن بقاءه فيها لم يستمر طويلاً، فقد صدر فرمان سلطاني جديد يقضي بتعينه والياً على ولاية قسطمونو، ويبدو أن ذلك الاختيار جاء في أعقاب الظروف الاستثنائية التي كانت تمر بها الولاية وما خلفته الفيضانات فيها من خراب وتدمير، ليعين بعدها والياً على ولاية الموصل – كما سنرى –
المصادر المعتمدة :
١ – جاسم محمد حسن العدول، العراق في العهد الحميدي (١٨٧٦ – ١٩١٩م)، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، كلية الآداب، ١٩٧٥م.
٢ – موضي عبيد عبد الرحمن المطيري، نشاط سعدون السعدون في لواء المنتفك وعلاقته بالحكومة العثمانية ١٩٠٨- ١٩١١م، مجلة آداب، البصرة، العدد (٧٧)، ٢٠١٦م.
٣ – محمود أحمد محمود، أحوال العشائر العراقية وعلاقتها بالحكومة (١٨٧٢ – ١٩١٨م) رسالة ماجستير كلية الآداب، جامعة بغداد، ١٩٨٠م.
٤ – فردوس عبد الرحمن اللامي، لواء العمارة (ميسان) في العهد العثماني، تاريخها، حكامها، متصرفيها، أنسابها، طوائفها ومجالسها ١٨٦١ – ١٩١٤م. الدار العربية للموسوعات (بيروت، ٢٠١٧م).
٥ – الكسندر آداموفا، ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها، ج١، ترجمة عن الروسية، هاشم صالح التكريتي، مركز دراسات الخليج العربي، قسم الدراسات التاريخية والجغرافية رقم (٩٦)، البصرة، ١٩٨٢م).
مقال خاص براسام

