لقد استعرضت ميليشيات الحشد الشعبي الاطاري في “معسكر أشرف” التابع “لحركة مجاهدي خلق الإيرانية” سابقاً، والذي يقع بالقرب من بلدة “الخالص” شمال شرق مدينة “بعقوبة” مركز محافظة “ديالى” الحدودية مع ايران، حيث تم تغير أسم هذا المعسكر الى معسكر “أبو منتظر المحمداوي” الذي قتل في عام 2016 ، علماً بأن هذا الاستعراض العسكري كان مقرراً في يوم 24 حزيران الماضي، ثم تم تأجليه الى الاول من شهر تموز ثم تم تأجليه مرة أخرى الى يوم 23 تموز الماضي، حيث نفذ هذا الاستعراض بحضور رئيس الوزراء “مصطفى الكاظمي” والسفير الإيراني، وعدد من المسؤولين الأمنيين، وقد جاء هذا الاستعراض في الذكرى الثامنة على تأسيس ميليشيا الحشد الشعبي، وهو الثاني من نوعه على مستوى العراق وعلى مستوى الحشد الذي أنقسم الى حشود متعددة حسب مرجعياته الدينية والفكرية.
لقد أعتبر العراق يوم 13 حزيران عام 2014 م ذكرى سنوية لتأسيس الحشد الشعبي، وهو اليوم الذي أصدر فيه المرجع الديني “السيستاني” في النجف فتوى الجهاد الكفائي لمواجهة تنظيم الدولة، علماً بأن الحشد شكل في 11 حزيران عام 2014 م حسب الأمر الديواني الذي أصدره نوري المالكي الذي أستغل صدور الفتوى ليقوم بتشكيل ميليشيات مسلحة خارج إطار القوات المسلحة، في تقاطع واضح مع الدستور العراقي في المادة تاسعاً، حيث أنقسم الحشد الشعبي الى ثلاثة أقسام فهناك ميليشيات تتبع الولي الفقيه في إيران وهو الحشد الاطاري الذي يحاول أن يقيم كيان موازي للدولة العراقية، وهو الأكثر قوةً ونفوذاً، وهناك ميليشيات مسلحة تابعة لمرجعية “السيستاني” وتسمى “حشد العتبات” وتضم أربعة ألوية وهي “فرقة العباس القتالية”، و”فرقة الأمام علي”، و”لواء علي الأكبر”، و”لواء أنصار المرجعية” وقد انسحبوا من هيئة الحشد الشعبي بسبب الخلافات الداخلية مع أتباع إيران، كما إن هناك ميليشيات تابعة لمرجعيات أخرى ومنها مرجعية “مقتدى الصدر” الذي تتبع له كلاً من: ميليشيا “جيش المهدي”، و”اليوم الموعود”، و”سرايا السلام”، وقد انسحبوا من هيئة الحشد أيضاً ولم يشاركوا في الاستعراض العسكري.
لقد نفذت ميليشيات الحشد الشعبي استعراضها الأول في 26 حزيران عام 2021 م، وشارك فيه(20)ألف مقاتل، واستعراض فيه الحشد طائرات مسيرة نوع “سايا” وهي مشابهة لطائرات “صماد” التي تستخدمها ميليشيا الحوثي في اليمن، كما تم استعراض طائرات مسيرة تستخدم للاستطلاع وهي مستنسخة عن المسيرات الصينية ،بالاضافة الى دبابات روسية محدثة ايرانياً، وقد تم تنفيذ هذا الاستعراض وسط خلافات داخلية كبيرة تمثلت بانسحاب حشد العتبات من هيئة الحشد الشعبي وعدم مشاركتها بالاستعراض، بالاضافة الى خلافات كبيرة بين الحكومة وبين قيادة الحشد على خلفية اعتقال “قاسم مصلح” قائد عمليات الحشد في محافظة الانبار والمتهم بقضايا أربعة أرهاب، حيث قامت ميليشيات الحشد بانتشار مسلح تضمن تطويق المنطقة الخضراء والتهديد باقتحامها، في تمرد صريح على الدولة والقانون والدستور، الأمر الذي أنعكس على طبيعة الاستعراض ومكان تنظيمه جغرافيا، خصوصاً وإن هناك خلافات حول أجراء هذا الاستعراض في مدينة بغداد أو في عدة محافظات عراقية أخرى، أو أجرائه مركزياً في محافظة ديالى فقط وهو ما حصل فعلاً، كما أنسحب الخلاف حول نوعية الاسلحة التي يمكن المشاركة فيها في هذا الاستعراض، وهذه الصورة تعكس مدى فقدان الثقة بين الحكومة وميليشيات الحشد.
إن تأخير الاستعراض من شهر حزيران الى شهر تموز الماضي جاء لأسباب سياسية وليس لأسباب لوجستية أو فنية كما يروج له البعض، بل إن هذا التأخير جاء مقصوداً لأسباب أمنية وسياسية لا تتعلق بالعراق فقط وإنما بالمنطقة، علماً بأن هناك صمت و تكتكم أمني واعلامي شديد حول توقيت الاستعراض، ونوعية الاسلحة التي سيتم عرضها، حيث صدرت الأوامر بعدم التحدث عن هذا الموضوع ألا من قبل رئيس هيئة الحشد “فالح الفياض” أو رئيس أركان الهيئة “عبد العزيز المحمداوي” الملقب أبو “فدك”، وتشير المعلومات والتحليلات الى إن سبب التأخير هو التصعيد السياسي الداخلي الكبير الذي تمثل بانسحاب نواب الكتلة الصدرية من البرلمان العراقي وفشل الكتل السياسية في تشكيل الحكومة، وكذلك بسبب دعوة الصدر الى إقامة صلاة الجمعة بمدينة بغداد في 15 تموز الماضي، يضاف الى ذلك التطورات الإقليمية والدولية في المنطقة.
إن الاستعراض العسكري للميليشيات المسلحة التابعة للإطار التنسيقي جاء في ظروف صعبة ومعقدة يمر بها العراق والمنطقة، تتمثل على المستوى الداخلي بانقسام سياسي حاد تمخض عنه فشل القوى السياسية في تشكيل حكومة بعد عشرة أشهر من أنتهاء الانتخابات البرلمانية التي جرت في أكتوبر/تشرين الأول عام 2021 م، مما دفع نواب التيار الصدري الى الانسحاب من البرلمان العراقي بعد أن فشلوا في تشكيل الحكومة باعتبارهم الكتلة الأكبر حيث تم تجاوز التوقيتات الدستورية لذلك، كما أن هذا الاستعراض يأتي في ظروف اقليمية تتمثل بفشل إيران في التوصل الى اتفاق نووي جديد مع واشنطن، يصحبه حراك إقليمي وتقارب سعودي- تركي، واتفاقات عربية متعددة شملت كلاً من: “مصر” و “السعودية”، “الأردن”، كما إن زيارة الرئيس الأمريكي بايدن لإسرائيل، والمملكة العربية السعودية، ومشاركته في قمة “جدة” التي ضمت تسعة دول عربية، وهي العراق والاردن، ومصر، ودول الخليج العربي، جميع هذه التطورات والأحداث جعلت إيران وقادة الحشد الشعبي التابع لها ينتظر ويتحسب لهذه التطورات الخطيرة وما يمكن أن ينتج عنها من مخرجات وقرارات مهمة تخص العراق والمنطقة.
لذا فاستعراض الحشد الشعبي هو استعراض عسكري ولكنه في الحقيقة جاء في هذا التوقيت ليحمل في طياته رسائل سياسية وعسكرية داخلياً وخارجياً، وهو جزء من الرد على هذه الخطوات التصعيدية والتطورات الإقليمية والدولية، فعلى المستوى المحلي جاء لإبراز العضلات والقوة ولممارسة المزيد من الضغط على التيار الصدري وبقية الاطراف السياسية من الكرد والسنة في قضية تشكيل الحكومة وتقديم التنازلات والقبول بمرشح الإطار، خصوصاً وإن مقتدى الصدر قد دعا الى صلاة الجمعة في يوم 15 تموز الماضي وهذا يبين لنا بأن تأخير الاستعراض جاء مقصوداً لتوظيفه كجزء من المناكفات الداخلية، وهو يحمل رسالة واضحة الى التيار الصدري من خلال استعراض القوة بأننا جاهزون للرد على أي خطوة تصعيدية ضد الإطار وجمهوره وقيادته، لأن قادة الإطار يعتقدون بأن الحشد هو وسيلة لإدارة الصراع السياسي بالقوة العسكرية لفرض الأمر الواقع، كما أنه يبعث برسائل غير مطمئنة للداخل العراقي في كردستان الذي تعرض للكثير من الهجمات في الفترة الماضية بصواريخ وطائرات مسيرة.
إن استعراض الحشد لأسلحة جديدة ومتطورة يثير القلق لدى الكثير من الجهات الداخلية والخارجية، فقد تضمن الاستعراض مجموعة ضخمة من الاسلحة المختلفة، التي تضمنت دبابات وعجلات مدرعة وطائرات مسيرة ومدفعية وراجمات صواريخ وهاونات واسلحة ثقيلة ومتوسطة وخفيفة، كما أستعرض الحشد منظومة “الراصد” و”الحسيب” للقيادة والتحكم بالطائرات المسيرة المصنعة من قبل المديرية الفنية الخاصة بالهيئة، كما استعرض دبابات طراز تي(52)وتي(72)وعجلات مدرعة مع اضافات جانبية من قبل شركة كرار الايرانية، وعجلات عالية الاداء، واسلحة ثقيلة، وصواريخ، وراجمات بعيدة المدى، واجهزة تشويش، وابراج اتصالات متطورة ونظام”VAST”فيست للاتصالات اللاسلكية، لذا فقد كان الاستعراض شاملاً لجميع الاسلحة التي يمتلكها الحشد لإظهار القوة، علماً بأن هناك تسريبات تشير الى إن الكاظمي تحفظ على استعراض الطائرات المسيرة التي تمتلكها ميليشيات كتائب حزب الله، والنجباء، والعصائب،؟، لأنها تبعث برسائل غير مطمئنة ومقلقة ومزعزعة لاستقرار المنطقة ودول الجوار.
لقد حمل الاستعراض رسائل واضحة للداخل والخارج العراقي عن قدرة الحشد العسكرية والتطور الكبير في إمكانياته وتنوع الياته وألويته وقدرته على مواجهة أي تهديد، كما أنه يحمل رسالة تهديد واضحة لدول الجوار التي ترى في تشكيله وإمكانياته وقدراته العسكرية تهديد للأمن القومي العربي لما يمتلكه من أسلحة متطورة وطائرات مسيرة وصواريخ قادرة على الوصول الى الكثير من بلدان المنطقة، وهناك اتهامات لميليشيا الحشد بضرب شركة أرامكوا السعودية بطائرات مسيرة وصواريخ ايرانية الصنع، لذا فهو رسالة تهديد واضحة للدول العربية التي تحاول جر العراق الى محيطه العربي على حساب إيران، كما أنه رسالة واضحة للدول التي تحاول اقامة علاقات اقتصادية مع العراق وأنه لن يسمح بمثل هذا التقارب على حساب المصالح الإيرانية، وخاصةً المملكة العربية السعودية وقضية الربط الكهربائي، وتوفير الغاز الطبيعي لمحطات الكهرباء، واستغلال واستثمار الصحراء الغربية، وزيادة التبادل التجاري بين البلدين، يضاف الى ذلك التوافقات العراقية- الأردنية- المصرية فيما يخص تصدير النفط واستيراد الكهرباء، لذا فهذا الاستعراض يحمل رسائل داخلية وخارجية تؤكد على استمرارية الحشد في نهجه الطائفي الموجه ضد دول المنطقة، وخاصة المملكة العربية السعودية التي تقود المحور العربي في المنطقة لمواجهة إيران، كما أنه يحمل رسالة الى المحور الامريكي- الاسرائيلي تقول بأن الحشد والعراق هو جزء من المحور الايراني ولن نسمح بتقليص النفوذ الإيراني، وأننا نحن القوى الحقيقية المتحكمة بمجريات الأمور في العراق سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
إن هذا الاستعراض العسكري جاء لإضفاء الشرعية على هيئة الحشد باعتبارها جزء من القوات المسلحة، على الرغم من عدم مشاركة حشد العتبات وميليشيات مقتدى الصدر بهذا الاستعراض، وما حضور الكاظمي لهذا الاستعراض ألا ليقولوا بأن الحشد ضمن المنظومة الأمنية بعد أن ارتفعت الاصوات التي تنادي بحل الحشد الشعبي بعد أن انتفت الحاجة اليه، خصوصاً وإنه متهم بجرائم كثيرة أرتكبها أثناء أستعادة المدن السنية من تنظيم الدولة، فقد ارتكب جرائم القتل والتغيب والتعذيب في مناطق كثيرة مثل الصقلاوية والرزازة والموصل وديالى وصلاح الدين، وصولاً الى جرائم الفرحاتية والهواشة بنهر الامام ومنطقة البدور في محافظة صلاح الدين، بالأضافة الى قتل المتظاهرين بدم بارد، وكذلك تداعيات خلية الدورة وأعتقال “قاسم مصلح” عندما تمرد الحشد على الأوامر الصادرة من القائد العام للقوات المسلحة الذي حاول تحجيم هذه الميليشيات المسلحة ووقف هجماتها على البعثات الدبلوماسية والقواعد العسكرية ولكنه فشل في ذلك، كما إن هذه الميليشيات رفضت الخروج من المناطق السنية بعد استعادتها في جرف الصخر والعوجة ويثرب ومناطق كثيرة في محافظة ديالى، كما أنها ترفض تطبيق أتفاق سنجار، وهي تقاتل في سوريا واليمن لتنفيذ مشروع طائفي وأجندة إقليمية طائفية وأخيراً قاموا بمحاولة أغتيال القائد العام للقوات المسلحة، وجميع هذه الممارسات تعطي دلالة واضحة وغير قابلة للبس على إن الحشد فقد حاضنته الأجتماعية وفقد غطائه القانوني والرسمي، وإنه يعمل خارج المنظومة الأمنية والعسكرية للدولة العراقية، وهو ينفذ أجندة خارجية لا تصب في مصلحة العراق أو المنطقة، الأمر الذي أفقد الحشد شرعيته القانونية والدستورية، لذا فهو يحاولون أضفاء الشرعية عليه من جديد بحضور رئيس الوزراء لهذا الاستعراض على اعتباره جزء من القوات المسلحة وهذا يجافي الحقيقة تماماً.
إن الاستعراض العسكري للحشد الشعبي الولائي جرى بحضور السفير الايراني “محمد كاظم آل صادق” وعدد من القيادات الأمنية ومستشارين إيرانيين وآخرين من حزب الله اللبناني، كما حضره ممثل عن ميليشيا الحوثي، وهذا يثير الاستغراب! فعندما يكون هناك أستعراض عام للقوات المسلحة تدعى أليه البعثات الدبلوماسية بشكل رسمي، ولكن عندما يكون هناك أستعراض داخلي لا يتم استدعاء الممثليات الدبلوماسية لمثل هذا الاستعراض، لذا فحضور السفير الإيراني يبن لنا مدى التدخل الإيراني على مجريات الأوضاع في العراق، علماً بأن قائد القوة الجو فضائية للحرس الثوري الإيراني “أمير علي حاجي زاده” الذي ظهر في مؤتمر صحفي حول الضربات الإيرانية على قاعدة “عين الأسد” في محافظة الانبار، وعلى قاعدة “حرير” في أربيل، رداً على مقتل “قاسم سليماني” وأبو “مهدي المهندس”، أظهر خلفه أعلام الميليشيات المسلحة التابعة لإيران ومنها ميليشيا الحشد الشعبي العراقي مما يعطي دلالة واضحة على تبعية الحشد لإيران، لذا فهذا الاستعراض هو رسالة واضحة للدولة العراقية ولدول المنطقة والعالم بأن هذه الميليشيات هي عابرة للحدود، وتابعة بشكل مباشر للحرس الثوري الإيراني، لذا ستبقى إشكالية الحشد قائمة طالما أستمر التدخل الإيراني في الشأن العراقي، وطالما بقيت الحكومة ضعيفة وغير قادرة على حصر السلاح بيد الدولة، وطالما بقيت الميليشيات المنضوية تحت مسمى هيئة الحشد الشعبي تدين بالولاء للولي الفقيه في إيران.

