شاهو القره داغي

بعد مرور أكثر من تسعة أشهر على الانتخابات النيابية المبكرة، والتي كان من المفترض أن تؤدي إلى تشكيل حكومة مختلفة وتغييرات جذرية تستجيب لتطلعات المواطنين في العراق، إلا أنه رغم مرور هذه المدة لم تتشكل الحكومة الجديدة نتيجة للخلافات السياسية بين الأحزاب الشيعية الفاعلة التي تمثلت في التيار الصدري الفائز الأول في الانتخاب والإطار التنسيقي الذي يجمع الأطراف الشيعية التقليدية وأغلب الفصائل المسلحة الموالية لإيران .

أعلن مقتدى الصدر منذ اليوم الأول بعد نهاية الانتخابات المبكرة أنه ينوي المضي في مشروع حكومة الأغلبية الوطنية بمشاركة حلفائه من السنة والكورد ورفض العودة إلى التوافقية التي وصفها بالمسؤولة عن مشاكل العراق، كما وضع شروطا لخصومه في الإطار التنسيقي للقبول بمشاركتهم في الحكومة الجديدة، كما أنه قدم العديد من المبادرات، منها أن يقوم التيار الصدري بتشكيل الحكومة ويذهب خصوم التيار إلى المعارضة، أو أن يحدث العكس ويذهب التيار إلى المعارضة، أو يتم تشكيل الحكومة من قبل التيار مع مشاركة جزء من الاطار التنسيقي وذهاب (نوري المالكي) و (قيس الخزعلي) إلى المعارضة، إلا أن الإطار رفض هذه المبادرات وحاول جاهدا عرقلة مشاريع التيار الصدري وخاصة مشروع الأغلبية التي كانت ستؤدي إلى كسر قاعدة المحاصصة والتأثير على الكثير من الجهات السياسية التي تعتاش على النظام الحالي وتوفر لها الدعم اللازم للاستمرار والبقاء.

أدى تصرفات الإطار التنسيقي إلى دفع مقتدى الصدر لاتخاذ قرارات حاسمة أهمها كان الانسحاب من البرلمان على الرغم من أنه الفائز الأول في الانتخابات المبكرة بواقع ٧٣ مقعد برلماني، ثم توجيه انصاره لاحقا لاقتحام المنطقة الخضراء والدخول إلى مبنى البرلمان والسيطرة عليه والتهديد بدخول مبنى مجلس القضاء الأعلى والذي يعتبره التيار الصدري متواطئا مع خصومه في تعطيل مشاريع التيار الصدري ومنعه من الوصول إلى الاستحقاق الدستوري له، وليس آخرا دعوته لإجراء انتخابات مبكرة أخرى.

حاول الإطار التنسيقي أن يحشد أيضا جماهيره في مواجهة الصدر، ولكن التجمع لم يدم كثيرا، فقد كانت عبارة عن أعضاء الميليشيات والفصائل المسلحة التي تُشكل هيئة الحشد الشعبي ولم تنجح هذه الأطراف في تحشيد الشارع كما فعل مقتدى الصدر الذي نجح في إرسال رسالة واضحة إلى خصومه بأن التيار يستطيع أن يضغط بالجماهير دون الحاجة إلى نواب البرلمان وأن قوة أنصار التيار وسلاح سرايا السلام تساعد التيار إلى العودة للساحة السياسية وفرض الشروط على الآخرين وعدم قبول الهزيمة.

ضعف الإطار أدى بالتيار الصدري إلى رفع سقف مطالبه، حيث طالب زعيم التيار الصدري بتغيير النظام والدستور دفعة واحدة، مع وضع عدة شروط للموافقة على إجراء الحوار مع الإطار التنسيقي، في اعتراف واضح من قبل هذه الأطراف السياسية بأن النظام السياسي العراقي لم يعد قادرا على الاستمرار بهذه الصورة، حيث تغيب المؤسسات الحقيقية التي من الممكن أن تلعب دورا فعالا في إنهاء الأزمات السياسية عن الدولة العراقية، ويستقوي كل طرف سياسي بجماهيره وسلاحه لإرسال الرسائل وفرض الشروط على الأطراف الأخرى، وامتلاك الفواعل السياسية للسلاح سيرفع من مستوى الخطر في ظل وجود إمكانية استخدام كل طرف لسلاحه لتصفية الحسابات السياسية، كما يجري اليوم مع ضعف الدولة وعجز الحكومة عن تطبيق القانون واختيار موقف المتفرج مع طرح المبادرات وإصدار البيانات في محاولة لإطفاء الحرائق بأقل الخسائر.

وعلى عكس كل السياسيين وكل دول العالم من الذين يستفيدون من تجاربهم السابقة وأخطاء الآخرين ، يبدو جليا أن الفاعلين السياسيين في العراق لم يتعلموا بعد من أخطائهم أو أخطاء غيرهم، بل ولديهم استعداد لتكرار الأخطاء السابقة وإدخال البلاد مجددا في دوامة من العنف والفوضى، فمن خلال متابعة التسريبات المنسوبة لزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ونيته في إدارة الميليشيات وتوزيع الاتهامات وتخوين كافة الأحزاب تمهيدًا لإقصائهم، يبدو أنه ما يزال يحمل نفس العقلية التي كان يحملها أثناء حكمه العراق لمدة ٨ سنوات والذي تسببت بهدر ملايين الدولارات وتدمير العديد من المحافظات والدخول في أزمات لا زال الشعب العراقي يدفع ثمنها حتى اليوم.

غياب رجال الدولة والمؤسسات الرصينة بعد ١٩ عام على بناء (عراق ديمقراطي) يجعل العراق أمام سيناريوهات مفتوحة من صدام عسكري داخلي إلى حروب وصراعات المسلحة والمزيد من التدخلات الخارجية، في ظل غياب السيادة الوطنية وانشغال الأطراف السياسية في تحقيق المكاسب الآنية بصورة سريعة دون التفكير في تبعات ذلك على مستقبل البلاد.

وفي ظل وجود أزمة ثقة بين الأطراف السياسية وخاصة الشيعية الحاكمة فإن ذلك سيقلل من إمكانية الدخول في حوارات داخلية للخروج من الأزمة السياسية، وسيقوي احتمالات دخول أطراف خارجية كوسطاء لمعالجتها، عبر تقديم الضمانات الكافية للقبول بمبادراتها التي ستعمل على إدامة الوضع الحالي.

تنازُل أو تخلي الصدر عن مشروع الأغلبية والموافقة بالدخول مجددا في التوافقية وتوزيع الحصص على الجميع سيشعل الشارع العراقي مجددا لأنه كان ينتظر تغييرات حقيقية خلال الفترة الماضية، وهذا يعني أننا قد نكون أمام حراك جديد مشابه لحراك تشرين في ظل انتشار اليأس وفقدان الأمل وتراجع الأوضاع المعيشية واستمرار الفساد وانتشار السلاح المنفلت.

مقال خاص براسام