قبل غزو الولايات المتحدة للعراق في مارس/ اذار 2003 بشهر تقريبا، كان طارق عزيز – أحد أكثر رفاق صدام حسين الموثوق بهم – يجلس في مكتبه في بغداد مرتديا زيا زيتونيا أخضر وبيده سيجار. الرجل الذي عمل لعقود من الزمان كوجه علني للدبلوماسية العراقية ذات المخاطر العالية، قدّم تحليلا سياسيا ربما كان يعرضه للإعدام في السنوات الماضية.
قال طارق عزيز وهو مسيحي عراقي وأحد الشخصيات البارزة في حكومة صدام “يمكن للولايات المتحدة الإطاحة بصدام حسين، يمكنها تدمير حزب البعث والقومية العربية العلمانية”. لكنه حذر قائلا: “ستفتح أمريكا صندوق باندورا ولن يكون بإمكانها إغلاقه أبدا”. وأضاف “إن حكم القبضة الحديدية لصدام، والمغلف بالقومية العربية هو الطريقة الوحيدة الفعالة للتعامل مع قوات مثل القاعدة أو منع توسع النفوذ الإيراني في المنطقة”.
عندما قامت الولايات المتحدة بالغزو، كان عزيز تسلسله الثامن في مجموعة البطاقات التي أصدرها البنتاغون لتوضيح تسلسل أهمية استهدافه للحكومة العراقية. تم القبض عليه في نهاية المطاف، واحتجز في سجن مؤقت في مطار بغداد. لقد توفي عزيز في الحجز بنوبة قلبية في يونيو/تموز 2015. لكنه عاش طويلا بما يكفي للتحذير مما توقع حدوثه، متهما الرئيس الأمريكي باراك أوباما بـ “ترك العراق للذئاب”.
كان غزو العراق واحتلاله عام 2003 بمثابة اللحظة التي فقدت فيها الولايات المتحدة السيطرة على لعبة الشطرنج الدموية. سمحت الفوضى التي أطلقها الغزو الأمريكي لإيران بالحصول على مستوى من النفوذ في العراق كان مستحيلا خلال عهد صدام. إن الوثائق السرية المسربة من وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، والتي حصلت عليها (ذا انترسبت)، تعطي صورة غير مسبوقة عن مدى عمق النفوذ الايراني في العراق في الوقت الحاضر. إن السيادة التي دافع عنها القوميين العرب ذات مرة، قد تآكلت بثبات منذ الغزو الأمريكي.
إن البلد الذي هيمن عليه النفوذ الايراني قد حطمته عقود من الحرب والاحتلال العسكري والإرهاب والعقوبات الاقتصادية. ما زال العراق يعاني من إرث سنوات من سفك الدماء الطائفي، وظهور جماعات متطرفة عنيفة، وفساد واسع النطاق سببه الغزو والاحتلال الأمريكي. في مواجهة هذه المأساة الوطنية، يعبر بعض المواطنين عن الحنين إلى الاستقرار السلطوي لنظام صدام. إن التحرك في هذا الموقف الفوضوي ليس مهمة سهلة لأي قوة أجنبية.
في السنوات التي أعقبت غزو عام 2003، استشهد بعض السياسيين الأمريكيين بمبدأ “بوتري بارن” (مبدأ تجاري تم سحبه على السياسة، يقوم على اساس من كسر الشيء فيجب عليه شرائه او اعادة تصليحه) لتبرير استمرار وجود طويل الأجل في العراق. لقد حطم الغزو الامريكي، المجتمع العراقي. لذا، فبعد حدوث مبدأ “بوتري بارن”، وبعد أن حطمت البلاد، أصبحت الولايات المتحدة بحاجة الآن لشرائه. في الواقع، لقد دمرت الولايات المتحدة العراق وابتعدت عنه في النهاية. وانتهى الأمر إلى إيران التي قررت ما يجب أن تفعله بالبلد المحطم.
كارثة اجتثاث البعث
قبل عقد من الزمن تقريبا على قرار جورج دبليو بوش الإطاحة بالحكومة العراقية، اتخذت إدارة والده طريقا مختلفا تماما. فبعد تدمير البنية التحتية المدنية والعسكرية في العراق بلا رحمة في حملة قصف خلال حرب الخليج عام 1991، كان بوش الأب على قناعة بأنه سيكون من الخطير جدا دخول بغداد. ليس بسبب التكاليف البشرية المحتملة، أو مقتل الجنود الأمريكيين في القتال، ولكن لأن صدام كان شخصية معروفة أثبتت قيمتها بالفعل في الثمانينات عندما هاجم إيران وأثار الحرب الوحشية بين إيران والعراق.
خلال الصراع الذي استمر ثماني سنوات، سلّحت الولايات المتحدة كلا البلدين لكنها فضّلت بغداد بأغلبية ساحقة. توفي أكثر من مليون شخص في حرب الخنادق التي تذكرنا بالحرب العالمية الأولى. وضع هنري كيسنجر نقطة جيدة على الاستراتيجية الأمريكية في تلك الحرب عندما قال مازحا إنه “من العار أن يكون هناك خاسر واحد”.
حتى بعد انتهاء الحرب، فاق الخوف الأمريكي من إيران أي شهية لتغيير النظام في العراق. وبقي صدام.
اتخذ بوش الابن وجهة نظر مختلفة. في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/ ايلول 2001، بدأت شخصيات رفيعة المستوى في إدارته تربط كذبا نظام صدام بالقاعدة. في الواقع، كان المتطرفون الدينيون أعداء بشدة للبعثيين، لكن عملية إزاحة صدام كان قد قررها بالفعل المحافظون الجدد الذين كانوا عازمين على شن حرب ضد العراق قبل سنوات من 11 سبتمبر/ايلول.
في غضون أسابيع من الغزو عام 2003، كان صدام خارج السلطة وهاربا. تم وضع أيديولوجي يميني ذو خبرة نتيجة عمله تحت إشراف كيسنجر، لتولي مسؤولية العراق لفترة من الزمن بعد الغزو. “بول بريمر”، أشار ذات مرة إلى نفسه على أنه “شخصية السلطة العليا الوحيدة “. على الرغم من كونه دبلوماسيا قديما، إلا أن بريمر لم يخدم مطلقا في الشرق الأوسط. وليس لديه خبرة في السياسة العراقية. لكنه أصبح مهووسا بفكرة أن حزب البعث كان مشابها للحزب النازي الألماني وكان بحاجة إلى القضاء عليه بالكامل. نفذت الولايات المتحدة تحت قيادته في سلطة التحالف المؤقتة، واحدة من أكثر السياسات كارثية في التاريخ الحديث لعملية صنع القرار بعد الحرب: وهي تصفية الجيش العراقي كجزء من سياسة تعرف باسم اجتثاث البعث.
كتب الصحفي الحائز على جائزة بوليتزر، أنتوني شديد في كتابه عن حرب العراق (اقترب الليل): “كان التأثير الصافي لقرار بريمر هو إرسال أكثر من 350 ألف ضابط ومجنّد، لديهم بعض التدريبات العسكرية، إلى الشوارع، وخلق على الفور خزان من المجندين المحتملين لحرب العصابات – كان تحت تصرفهم حوالي مليون طن من الأسلحة والذخائر من جميع الأنواع، يمكن الوصول إليها بحرية في أكثر من مائة مستودع غير خاضع للحراسة إلى حد كبير في جميع أنحاء البلاد -. كما نقلت مجلة نيويورك تايمز عن مسؤول أمريكي دون الكشف عن هويته في ذلك الوقت، وصفه قرار بريمر أكثر صراحة قائلا: “كان هذا الأسبوع الذي صنعنا فيه 450 ألف عدو على الأرض في العراق”.
يمكن تمييز تأثير قرار بريمر في برقيات المخابرات الإيرانية السرية المكتوبة بعد أكثر من عقد من الزمان. يتم وصف العديد من المتمردين السنة الذين خاضوا الحرب ضد حكومة نوري المالكي في عام 2013 في الوثائق على أنهم “بعثيون”، في إشارة إلى الجماعات المسلحة التي يقودها ضباط الجيش العراقي السابق. حددت هذه الجماعات نفسها بالحنين إلى النظام السياسي لما قبل عام 2003. وتبين الوثائق أن الإيرانيين عملوا إما على تدميرهم أو دفعهم للقتال ضد تنظيم الدولة (داعش).
كما وجد الكثير من البعثيين السابقين أنفسهم يقاتلون في صفوف تنظيم الدولة نفسها، وهي منظمة تضم قيادتها العسكرية مسؤولين كبار من جيش صدام المخلوع.
تزامن اجتثاث البعث مع تطور بشع آخر في العراق وهو صعود السياسة الطائفية. فقد لعبت الولايات المتحدة دورا حاسما في هذه الظاهرة أيضا. على سبيل المثال، قامت سلطات الاحتلال الأمريكية بعد الغزو بشن هجوم على رجل دين شيعي يدعى مقتدى الصدر. الذي اغتيل والده وإخوانه على يد أتباع صدام، كان يتحدث لغة الشعب، رغم أنه كان في كثير من الأحيان على خلاف مع زعماء رجال الدين الشيعة الآخرين. تشير البرقيات الاستخباراتية الإيرانية التي صدرت في عام 2014 إلى أفراد مؤيدين لإيران في العراق يعبرون عن إحباطهم المستمر من الصدر لرفضه الموافقة على برنامجهم. ولا يزال شوكة في جانب الحكومة العراقية الحالية والمصالح الإيرانية بشكل عام، على الرغم من أنه عاش ودرس في إيران لسنوات عديدة.
بعد الغزو الأمريكي، ارتفعت شعبية الصدر بعد أن نظم الخدمات الاجتماعية والبنية التحتية لمعالجة الظروف المأساوية التي يواجهها العراقيون. عندما هاجمت الولايات المتحدة مدينة الفلوجة السنية لأول مرة في أبريل/نيسان 2004، في أعقاب مقتل أربعة من مرتزقة بلاك ووتر، نظم الصدر تبرعات بالدم وقوافل مساعدات وأدان العدوان الأمريكي. للحظة وجيزة، كانت الولايات المتحدة على وشك ان توحد القوى الشيعية والسنية في حرب ضد عدو مشترك.
بحلول عام 2005، أصبحت الولايات المتحدة مستثمرة بالكامل في السياسات التي فاقمت بشكل كبير الطائفية في العراق. لقد بدأت بتسليح وتدريب وتمويل فرق الموت الشيعية التي أرهبت المجتمعات السنية في حرب غيرت التركيبة السكانية لبغداد. مع ازدياد حدة موقف السنة، بدأت الجماعات في الظهور بشكل متزايد وأصبحت أكثر تطرفا، بما في ذلك تنظيم القاعدة في العراق وخليفته، تنظيم الدولة الإسلامية.
كما تظهر تقارير المخابرات المسربة، فإن إراقة الدماء الطائفية التي بدأت مع الغزو الأمريكي لم تنته حقا. ففي أواخر عام 2014، كانت وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية توثق عمليات التطهير العنيفة للسنة من المناطق المحيطة ببغداد على أيدي الميليشيات العراقية المرتبطة بحرس الحرس الثوري الإسلامي الإيراني.
حسابات إيران وغضب العراق
عندما أجرت إدارة أوباما “انسحابا” مخصصا للإعلام من العراق في عام 2011، كانت مساحات شاسعة من البلاد لا تزال في حالة انهيار سياسي وإنساني. الدولة العراقية التي كانت موجودة قبل الحرب قد دمرت بالكامل. سعت إيران لملء الفراغ الهائل في العراق الذي خلقته سياسات واشنطن. من بين أنقاض البلاد، رأى القادة الإيرانيون فرصة لإنشاء نظام جديد – نظام لن يهددهم مرة أخرى كما كان نظام صدام حسين.
الاحتجاجات التي تشل المدن العراقية الآن، هي دليل واضح على مدى السياسات الإيرانية التي لا تحظى بشعبية في العراق. قُتل عدة مئات من المتظاهرين على أيدي قوات الأمن التي أطلقت الذخيرة الحية على الحشود. لقد تم القضاء على سيادة العراق فعليا من خلال الغزو الأمريكي عام 2003، لكن فكرة الأمة العراقية ما تزال موجودة لدى الشباب في الشوارع الذين يواجهون الرصاص لتأكيد استقلالهم.
يجب النظر إلى نهج إيران العدواني تجاه العراق في سياق التاريخ. في الواقع، من الصعب تخيل وجود ممثل لدولة قومية لن يتبع مسارا مماثلا في ظل نفس الظروف. لقد أدى الغزو إلى مخاوف في إيران من أن المحطة التالية للجيش الأمريكي ستكون طهران. وتصاعدت هذه المخاوف بعد أن رفضت إدارة بوش “الصفقة الكبرى” المقترحة من إيران في عام 2003 والتي عرضت محادثات تهدف إلى حل الخلافات بين الجانبين. وبدلا من ذلك، استمرت الولايات المتحدة في معاملة إيران كعدو واتبعت طريق الاحتلال في العراق، والذي ترك في أعقابه سلسلة من الإخفاقات ومئات الآلاف من القتلى العراقيين.
إن اغتنام إيران الفرصة لتأكيد نفوذها في العراق ليس صدمة. وفي حين أن دور إيران لم يكن إيجابيا. فقد فقدت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة أي ادعاء بأنها وسيط شرعي فيما يتعلق بمستقبل أي بلد آخر. في عام 1963، ساعدت الولايات المتحدة في إطلاق كابوس طويل في العراق عندما ساعدت في الإطاحة بالحكومة الشعبية لعبد الكريم قاسم، التي سعت إلى تأميم النفط العراقي وإنشاء برامج الرعاية الاجتماعية. دعمت الولايات المتحدة صعود صدام واستمرت في دعم نظامه على مر السنين، وبشكل أساسي كحصن ضد إيران.
على مدار أكثر من ستة عقود، لعبت الولايات المتحدة دورا رئيسا في إثارة الكوارث التي دمرت حياة أجيال بأكملها في العراق وإيران. لا يمكن لأي انتقادات لدور إيران اليوم أن تلغي هذا السجل القبيح. كيف سيستجيب العراقيون للمعلومات حول النهج السري الإيراني في بلدهم؟. ربما ستكون مشورات ونصائح بعض المنظمات الدولية والدول موضع ترحيب. ولكن بالنظر إلى إرثها الوحشي في العراق، ينبغي ألا تكون الولايات المتحدة من بينها.
ذا انترسبت / جيرمي سكاهيل ومرتضى حسين
ترجمة وتحرير: راسام

