بمناسبة حلول الذكرى التاسعة والتسعين لانطلاق ثورة العشرين، عقد مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام)، اليوم الأحد، ندوة علمية بعنوان (ثورة العشرين قراءة في أوراق مرحلة نهاية الثورة).

الندوة التي أقيمت في مدينة إسطنبول التركية، شارك فيها الدكتور مثنى حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق وعدد من الباحثين والمفكرين، وذلك لمناقشة أبعاد الثورة ودلالاتها وأهم النتائج التي حققتها ثورة العشرين.

pastedGraphic.png

افتتحت الندوة بتقديم للأستاذ “حارث الأزدي” أشاد فيه بالدور البطولي والملحمي الذي سطره الشعب العراقي خلال ثورة العشرين، عندما أكد الشعب موقفه الرافض للاحتلال ومشاريعه.

وقال الأزدي، “ثورة في ذكراها الـ 99 لا تزال تشتعل في ذاكرة العراقيين، وكيف لا وهي من أيامها المشهودة بحياة الشعوب والأمم تقاعس بعدد ما تقدمه البشرية والقادة والعلماء وشعراء وكاتبين، يمثلون عنوانها الكبير، في صناعة الحياة”.

pastedGraphic_1.png

وأضاف “الأزدي” قائلا، “إنها ثورة الهوية العراقية، في وجه الطغيان، وكان هؤلاء رجال حيث ينتمون لهذه الثورة بما ينتمون إليه، من عشائر أصيلة عناوينها مجد وفخر لكل عراقي أبي”.

وفي ختام كلمته أكد “الأزدي” أن الثورة لاتزال واقدة بوجه الطغيان والظلم وهي تقترب من ذكراها المئوية.

تطورات الثورة السياسية

ثم قدّم الدكتور “عدنان سامي الزرري” بحثه الموسوم “التطورات السياسية الناشئة عن الثورة (المجلس السياسي انموذجا)”، مؤكدًا على أن ذكرى ثورة العشرين ونتائج الثورة، موضوع مهم جدا؛ لأنه أسس لقيام دولة عراقية، ولا بد أن نتساءل عن كيفية تعامل العراقيين مع المحتل، هل تعاملوا كيد واحدة أم متفرقين كجماعات؟ وما هي الانجازات التي حققوها؟ ومن هم الشخصيات التي قادت الثورة؟ 

pastedGraphic_2.png

وبيّن “الزرري” أن عمل ثورة العشرين كان عمل جماعي وكان العراقيون متعاونون على مستوى، والعمل الوطني كان أساساً للعمل الثوري، استجابةً لدعوات الجهاد المقدس بعد المدة التي قضاها الاحتلال الإنكليزي للعراق.

ونوه “الزرري” إلى أن الانكليز كانوا ينظرون للعراق بأنه موقع استراتيجي مهم، حيث كان يقال في ذلك الزمان: من يسيطر على العراق؛ يتسلم مفتاح المشرق. وبالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي المهم، فيملك العراق ثروات معدنية هائلة؛ لهذا قدمت بريطانيا لاحتلال العراق.

وأشار إلى أن العراقيين انتهجوا خلال مرحلة ثورة العشرين، نهجين أحدهما المقاومة السلمية متمثلة بالجمعيات، والنهج الثاني الدفاع المسلح للتخلص من المحتل.

وأوضح الدكتور عدنان أن المقاومة السلمية للمحتل، تجلت من خلال الصحافة، ومن خلال المنابر، ومن خلال التوعية اليومية للحركة الوطنية، فجعل المحتل يفكر بأن العراقيين لا يمكن قيادته باستخدام القسوة، فانتقل المحتل إلى مرحلة الانتداب.

ولفت إلى أن العراقيين نظروا إلى انتداب هو نفسه الاحتلال لكنه مؤطر بثوب جديد، ولا بد من وقفة وطنية، فاندلعت تظاهرات، وكانت اقوى مظاهرات شهدها العراق في العام 1920 كانت في ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم وانطلقت من جامع الحيدر خانه وشكلوا مندوبين عنهم.

وفي عام 1921 نصب الملك فيصل الأول ملكا على العراق، وألقى خطابا حدد فيه مهام تأسيس مجلس وطني، يسمى “المجلس التأسيسي العراقي”، وهي: إقرار المعاهدة العراقية البريطانية، وإقرار قانون دستوري للبلاد، وثالثها إقرار قانون للانتخابات.

وذكر “الزرري” أن العراقيين رأوا في الانتخابات الاولى التي جرت بعد تشكيل الملكية برئاسة الملك فيصل انها ترسيخ للاحتلال فقاطعوها وأفشلوها، بينما انقسم العراقيون ثلاثة اقسام امام المعاهدة، منهم من رفض ومنهم من طلب التعديل.

هيمنة الاحتلال البريطاني على العراق

وتضمنت الندوة مشاركة للدكتور فالح الخطاب، حيث قدم بحثه (مؤتمر القاهرة 1921 وآثاره السياسية على العراق).

ويربط د. الخطاب بين التاريخ والحاضر، فيقول، “هناك اشياء في التاريخ تتكرر، والعراق الآن من الشيء العجيب أنه يمر بمحنه كبيرة جدا، بسبب الاحتلال، وأكثر من الاحتلال الآن فيه شركاء كثيرون متشاكسين، والعراق هو ذات البلد والعوامل كثيرة الان تبدو متشابهة عما حدث سابقًا خلال تلك الفترات التي نتحدث عنها اليوم في هذه الذكرى”.

pastedGraphic_3.png

وأشار الدكتور في بحثه إلى مؤتمر القاهرة الذي عقده الاحتلال البريطاني عام 1921، مؤكدا أن مؤتمر القاهرة كان من اهم المؤتمرات، لأنه حدد السياسة البريطانية في الوطن العربي، ووضع لترتيبات النهائية لتجزئة المنطقة وبقاءها على وضعها الذي نعرفه الان.

وعن أسباب الاهتمام البريطاني بالهيمنة على العراق، قال الدكتور الخطاب، “كان للعراق موقع خاص بالنسبة لبريطانيا لأكثر من سبب، منها النفط الذي جعله العامل الابرز في تحديد اهمية البلدان، بالإضافة الى المصالح التجارية حيث كانت تستحوذ احدى الشركات البريطانية على أكثر من 10 ملايين باونت من المستوردات العراقية، بالإضافة الى ان الموقع الجيوستراتيجي للعراق كان مهم جدا، حيث ان وكما هو شاهد غزو بوش للعراق عام 2003 وكيف سبب انهيارات كبيرة في المنطقة العربية لم تقف حتى الان”.

وعن السر وراء إصرار بريطانيا على تنصيب الملك فيصل الأول، يعتقد “الخطاب” أن بريطانيا اختارت الملك فيصل لحكم العراق كون شخصيته تفتقر الى القوة الحقيقية ويعتمد على بقاء الحكومة البريطانية، واعتبرت الادارة البريطانية ان الملك فيصل حليفها خلال الحرب، وان خسارته لإدارة سوريا جعلته يقبل اي عرض مغري يعرض عليه يوافق عليه بسهولة.

وأضاف الدكتور “الخطاب”، بعدها تم تشكيل جيش عراقي دخل فيه أكبر عدد من الضباط مع الملك فيصل من سوريا وانيط به الامن الداخلي للبلاد، وشارك ضباط الجيش العراقي بدور كبير بالتواصل مع شيوخ العراق واعيانه من اجل بلورة وانطلاق ثورة العشرين.

pastedGraphic_4.png

وانتهى بالقول، “عندما نشهد المشاركة الوطنية لضباط الجيش العراقي اثناء الفترة السياسية التي اعقبت تأسيس النظام، وهذا أمر مهم يدعونا الى التساؤل عن الدور الحقيقي الذي تمكنت من تنفيذ ثورة العشرين، والادعاءات الاخرى التي تقول ان هذه ثورة طائفية وأنها كانت بنتائج معينة”.

محاولة إعادة بعث الثورة

وكان مسك ختام الندوة في ورقة بحثية قدمها الأمين العام لهيئة علماء المسلمين الدكتور “مثنى حارث الضاري” تحت عنوان “الحركات العسكرية شمال العراق وجنوب تركيا لمحاولة إعادة بعث الثورة”.

وقال الدكتور مثنى الضاري في كلمته، “ثورة العشرين كانت ثورة عراقية وطنية خالصة، بل كانت ثورة عربية ذات أبعاد كثيرة”.

pastedGraphic_5.png

مبيّنا أن هناك اعمال عسكرية كبيرة توجت بها ثورة العشرين لأن العراق لم يكن منقسما وحده بثلاث ولايات اذ لم يكن هناك حدود طبيعية او سياسية بين العراق والعرب مما جعله مترابطا بثورته وهمومه مع اشقائه.

وأشار الدكتور مثنى الضاري إلى أنه وبعد انتهاء ثورة العشرين رفض قسم من الضباط العراقيين وشيوخ العشائر وكثير من الوطنيين التعاون مع الاحتلال البريطاني، وقادوا ثورة العشرين ضد المحتل.

وأضاف، “ولاتفاق المصالح بين الأتراك والثوار العرب من أجل إنشاب معركة لوقف تقدم الاحتلال البريطاني أولا، ومحاولة إعادة ثورة العشرين وتحرير العراق ثانيا”.

pastedGraphic_6.png

وعن دور الشريف السنوسي في الثورة ذكر الدكتور “الضاري”، أنه بعد تحرير تلعفر أرسل الشريف السنوسي رسالة إلى ثوار العشرين، يدعوهم للتعاون ومشجعا وناصحا وموجها لهم. وبعد تحرير تلعفر مباشرة بعث الشريف السنوسي اهم شخصية عربية دعمت ثورة العشرين رسالة يدعم فيها الثوار ويدعوهم للوحدة ومواصلة تحرير البلاد”.

ونوّه الدكتور مثنى الضاري، أنه من المظاهر المهمة كانت؛ أن الضباط الذين انسحبوا من العراق وسوريا، رفضوا التعاون مع حكومة الملك فيصل في العراق، على خلاف الضباط الآخرين لم ينسحبوا إلى الجانب التركي وانضموا إلى هذه الحكومة.

مبيّنًا أن المراسلات والبرقيات الخاصة بين المندوب السامي في العراق ووزارة الخارجية لشؤون المستعمرات، كشفت تحركات هؤلاء الضباط والشيوخ وكشفت تخوف البريطانيين من هذا التحرك العربي.

حيث أن مخاوف البريطانيين الكبيرة من تحركات الضباط والشيوخ والاعيان من سوريا والعراق لم تكشف الا قبل سنوات قليلة عندما نشرت برقيات الاحتلال ومراسلاته.

مداخلات الحضور والأسئلة

ومع انتهاء تقديم البحوث من قبل المشاركين، فتحت الندوة باب المداخلات للحاضرين للإجابة عن أسئلتهم بما يتعلق بمحاور الندوة والأوراق البحثية المطروحة.

أسئلة عديدة طرحها الحضور منها كيف وقف العرب وتكاتفوا في ثوراتهم ضد الاستعمار وما هي النتائج الإيجابية على الواقع؟ 

pastedGraphic_7.png

فأجاب د. عدنان الزرري، بالقول، لم نقرأ ثورة العشرين الى الان قراءة شاملة علمية وما حملته من احداث ومواقف للشعب بكافة اطيافه، كان هنالك توحد في القرارة وتنسيق بين الشعب في ثورة العشرين.

وأضاف د. عدنان الزرري هناك عوامل مساعدة لقيام ثورة العشرين من جمعيات ووعي واصطفاف للرأي بين الوطنيين.

ورأى د. فالح الخطاب، أن عدم وجود دولة في العراق اثناء ثورة العشرين، كان أحد العوامل التي دفعت لتوحد الشعب ووقوفه مع الثورة. 

كما طرح تساؤل عن أسباب اصرار البريطانيين على تنصيب ملك على العراق، وهو ليس من أصول عراقية.

فكان جواب د.فالح الخطاب، إن اصرار الاحتلال البريطاني على تنصيب ملك غير عراقي للعراق لكون البيت الهاشمي الذي اختير منه الملك فيصل كان لها قبول واعتبار عند العرب عامه، وبذلك يكسب الراي العام العراقي.

مضيفًا، كثير من الحقائق والأحداث في ثورة العشرين، لم يسجلها التاريخ ولم يوثقها، ولك لأسباب عديدة ومختلفة، فالعراق مليء بالقضايا التاريخية لم يسلط عليها الضوء، وهي تواجهنا الآن، حيث وضعنا الحالي في العراق، ليس حالة طبيعية، بل هي تراكمات بدأت منذ تأسيس الدولة العراقية، وتضاخمت لأنها بقيت دون حلول ليومنا هذا.

pastedGraphic_8.png

وتساءل صحفيون واعلاميون حضروا الندوة عن أنه بعد مرور قرن على ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، هل تغيرت نظرة جزء من الشعب للاحتلال ويتقبله، وهل أصبح بعض العراقيين يتقبلون الاحتلال ولا ينظر إلى ما يحصل في العراق حاليا على أنه احتلال.

كما وجه أحد الصحفيين الحاضرين سؤالا إلى الدكتور مثنى حارث الضاري، عن العراق اليوم يحتاج إلى كثير من التعديلات في الداخل، هل تعتقد أن هذا الأمر قابل للتنفيذ حاليا؟

وتساءل البعض عن أوجه الاتفاق والاختلاف بين احتلال العراق 1914-1917 وبين احتلال العراق 2003؟ وما هو دور علماء العراق في ثورة العشرين؟

فأوضح د. مثنى الضاري ردًا على التساؤلات، بأن وجه الاختلاف بين الاحتلالين الانكليزي عام 1914-  والأمريكي عام 2003، هو أن مقومات الوحدة بين الشعب العراقي موجودة في زمن الاحتلال الأول، عكس  الاحتلال الثاني فهذه العوامل غير موجودة، مشيرا إلى أنه كان يوجد عدو واحد وواضح وهو الاحتلال البريطاني، بخلاف الحال عام 2003 حيث كانت  العوامل مختلفة تماما.

هناك جوانب كثيرة في التصدي للاحتلال البريطاني لم تذكر ومنها مواقف الكثير من العلماء المتميزة والتي دفعوا نتيجتها ارواحهم

كما أكد على دور الضباط العراقيين كان كبيرا جدا في التصدي والوقوف بوجه الاحتلال البريطاني ومنهم ضباط بارزون.

وردا على سؤال أحد الصحفيين، أوضح أن هناك قبول (ظاهري) من قسم من العراقيين بالقبول للاحتلال وذلك لوجود عوامل خارجية وداخلية وهجمة كبيرة من الاحتلال واعوانه.

ولفت أثناء رده على التساؤلات إلى أن ديالى شهدت في ثورة العشرين معارك قتل على اثرها العديد من ضباط وجنود الاحتلال البريطاني ومقتل واغتيال العديد من الثوار وهي من المغيبين.