تتصاعد قضية بقاء قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق من عدمها بشكل يومي مع تصاعد أخطار القرارات التي بدت بغداد تسارع الخُطى في إتخاذها بإتجاه مطالبة هذه القوات بمغادرة العراق من قِبل قوى سياسية ومليشياوية عراقية ذات صِلة بالمواقف الإيرانية المتحسسة تجاه وجود قوات أمريكية في العراق بعد سلسلة من الإستهدافات الصاروخية وفي الطائرات المسيرة على القواعد الأمريكية تجاوزت الـ140 إستهداف منذ 17 إكتوبر/تشرين الأول الماضي، * حتى 21 يناير/كانون الثاني 2042.
بدت مواقف القوى الموالية لإيران أكثر تشدداً في قضية استهداف القوات الأمريكية لفصائل تابعة للحشد الشعبي العراقي، مثل، حركة (النجباء) و(كتائب حزب الله العراق) وكتائب ( سيد الشهداء)، فيما أبدت قوى وفصائل أخرى تحفظاتها من موضوع إستهداف القواعد الأمريكية في العراق ومقار الولايات المتحدة الدبلوماسية في المنطقة الخضراء ببغداد ، واعتبرت هذه القوى ، أن التسرع في الطلب من القوات الأمريكية مغادرة العراق مع إستمرار إستهداف قواعد قوات التحالف الدولي في (عين الأسد) غرب العراق و (حرير) في محافظة أربيل ، عاصمة إقليم كردستان ، سيضر في مستقبل العملية السياسية في البلد، وبإيجاز لماهية الخطاب الذي تتبناه هذه الفصائل والقوى فإنها ترى في قرار إنهاء مهمة القوات الأجنبية في بلادهم ضرباً من المخاطرة غير محسوبة النتائج وأنها لا تراعي الأوضاع العراقية الخاصة بالقدرات العسكرية وخاصةً الجوية منها والاستخباراتية، ناهيك عن حجم تأثيراته (القرار) على الأوضاع الاقتصادية والأمنية والسياسية الداخلية والدولية للعراق. ويبدو غريباً أن يتناقل المراقبون لهذا الملف أن من بين هذه الفصائل (عصائب أهل الحق)، التي تمارس دوراً يدفع بإتجاه خلق حالة من التوازن تجاه المصالح الأمريكية كونها، أي (العصائب) تشكل الطرف الفعلي الذي يقود حكومة محمد شياع السوداني.
وفي مؤشر على التقاطع السري والعلني، برز بوضوح موقف إقليم كردستان العراق من موضوع الطلب من قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، الأراضي العراقية؛ حيث طالب رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، خلال إستقباله في التاسع من يناير/كانون الثاني الجاري، الجنرال جول فاول، القائد العام لقوات التحالف الدولي في العراق وسوريا، بـضرورة بقاء قوات التحالف الدولي في العراق قائلا”: “بقاء عملكم مهم لدرء المخاطر ومساعدة قوات الجيش العراقي والبيشمركة لمكافحة الإرهاب”. واتفاق فاول وبارزاني على أن “استقرار العراق ضروري للمنطقة، ويجب عدم إتاحة أي فرصة لظهور الإرهاب مجدداً”(1)، بما فُسر على أنه تجاهل للموقف الرسمي العراقي من هذه المسألة.
يأتي موقف حكومة كردستان العراق موحداً في هذا الملف، ورغم الخلافات السياسية العميقة بين الحزبين الرئيسيين، (الاتحاد الوطني) و(الديمقراطي)، كما أظهرا موقفاً موحداً حيال رفض الهجمات التي تشنها الفصائل الموالية لإيران على إقليم كردستان بذريعة وجود قوات أميركية هناك، هذا الموقف المعلن جاء بعد أيام من قرار حكومة بغداد الاتحادية تشكيل لجنة ثنائية مع واشنطن لتحديد ترتيبات إنهاء مهمة “التحالف الدولي”.
خطورة موقف إقليم كردستان العراق عبر عنه رئيس معهد (هدسون) الأميركي، الباحث مايكل بريكنت، حيث رأى بضرورة وجود رد أمريكي قوي على دعوة حكومة بغداد، ودعوته إلى “سحب الدعم الأميركي من بغداد، وربما نقله إلى إقليم كردستان الذي تأكد موقفه من إن وجود قوات التحالف وعلى رأسهم أميركا مطلب لحفظ وحدة العراق”.(2)
ورغم اللغة الجادة والمباشرة التي استخدمتها حكومة بغداد ، وكذلك تأكيدات رئيس وزراء العراق ، محمد شياع السوداني ، وآخرها خلال حضوره منتدى دافوس الاقتصادي ، حول قرار بغداد الطلب من القوات الدولية بقيادة الولايات المتحدة مغادرة العراق ، إلا أن موضوع خروج هذه القوات من العراق، ما زال حديث للإستهلاك المحلي، فوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، قالت إنها لا تخطط حالياً لسحب قواتها البالغ عددها نحو 2500 جندي من العراق. وقال الميجور جنرال بالقوات الجوية باتريك رايدر، في إفادة صحافية: “في الوقت الحالي ليس لديَّ علم بأي خطط (للتخطيط للانسحاب)، نواصل التركيز بشدة على مهمة هزيمة تنظيم داعش”(3).
والتجارب التاريخية يقول، أنه في عام 2021م، وبعد مفاوضات مستفيضة، قال مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي ” لقد إتفقنا على إنهاء المهام القتالية لقوات التحالف الدولي وإنسحابها من العراق وأن العلاقة معا ستستمر في مجال التدريب والاستشارة والتمكين”(4) ، فيما عبر حينها رئيس مجلس الوزراء السابق عن مخاوفه من هذا التصريح بالقول “إن ما أسفرت عنه جولات الحوار الإستراتيجي 2020-2021م مجرد تغيير صفة من جنود مقاتلين إلى مستشارين ومدربين”.
إن قررت واشنطن رفض إخراج قواتها من العراق فإن هذا سيفتح كل الاحتمالات، على العراق ، منها وأهمها الوضع الجديد الذي سيتشكل في إقليم كردستان العراق ، حيث تشير الدلائل إلى إبقاء الإقليم على قوات التحالف في أراضيه وسماءه ، بما يعني مواصلة فصائل عراقية مسلحة استهداف هذه القوات وقواعدها، وأيضاً سيدفع الجيش الأمريكي إلى الرد على تلك الهجمات، ولا يستبعد في حال استمرار هذه الأوضاع ، إلى تغييرات في العراق قد تلامس تغيير منظومة الحكم أو تشعل فتيل حرب شعبية مدعومة من واشنطن وطهران ، طهران التي أعلنت رسمياً دعمها لحكومة السوداني في سعيها لإنهاء وجود التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، وأكد المتحدث بإسمها ناصر كنعاني في مؤتمر صحفي “إن القوات العراقية تملك السلطة والقوة اللازمتين لضمان الأمن في البلاد .وأضاف أنه حان وقت رحيل القوات الأميركية عن العراق”.
إن الأوضاع في قطاع غزة الفلسطيني منحت إيران فرص الاستهداف للمصالح الأمريكية عبر أذرعها في العراق على وجه الخصوص، وهو أمر يتحمل العراق نتائجه السياسية والأمنية والاقتصادية في كل الأحوال , ورغم تأكيد مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي في 24 يناير/كانون الثاني 2024م من ، أن بلاده تسعى أن لا تكون ساحة للصراع بين الآخرين، وأن سياستها هي حل المشاكل بالطرق الدبلوماسية والحوار، والنأي عن الدخول في أي محور للصراع، وأن العراق حريص على أن تكون علاقاته إيجابية ومتوازنة مع الجميع ” (5) والجميع هنا يقصد بها الولايات المتحدة ، فهو يعلم أن واشنطن ستقوم بردع الفصائل العراقية التي تقوم باستهداف قواعدها في العراق وسوريا ومقارها الدبلوماسية ، كما أن كل القوى السياسية في العراق من خارج كابينة القوى الموالية لإيران ، أن خروج الولايات المتحدة من قواعدها في العراق سيعني تمكن طهران من بسط نفوذها وتأمين كامل إنسياحها في بلاد الرافدين ، أو قيام حرب فصائلية بين مكونات الشعب العراقي ، أو أن تدعم الإدارة الأمريكية إنقلاباً في العراق تعترف به وتؤمن الحماية اللازمة له والاعتراف الدولي به ، وفي كل الأحوال فإن الخاسر الأكبر سيكون الشعب العراقي الذي يجب أن يكون له الدور التاريخي الذي يُحاسب من خلاله طبقته السياسية التي عبثت طيلة أكثر من 20 عاماً بمقدرات البلد الاقتصادية والسياسية والتعليمية والأمنية ، ولم تستطع حكومات متعاقبة بناء قوات مسلحة بكافة صنوفها قادرة على حماية الوطن وحفظ سيادته، ولم يتمكنوا من بناء علاقة نموذجية مع إقليم كردستان العراق تحافظ من خلالها على وحدة العراق وإحساس كل قومياته فيه بالأمان ، ولم تحقق السيادة اللازمة للعراق وتركت مقدراته لدول بعينها تحكّمت ومازالت بكل شؤونه السياسية والإقتصادية.
المراجع:
1-https://www.kuna.net.kw
2-https://aawsat.com/home/article
3-https://arabic.rt.com/world/
4-https://www.ina.iq/201786
5-https://gate.ahram.org.eg/News/

