دخلت معركة طوفان الأقصى شهرها الرابع وما زالت حركة المقاومة الفلسطينية حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى ثابتون في أرض المعركة ويمتلكون زمام المبادرة ويتحكمون في أرض المعركة حسب المعطيات على الأرض حتى بدأ العدو الصهيوني بسحب بعض قواته من أرض المعركة بسبب ما يواجه من مقاومة شرسة كبدته المئات من القتلى وآلاف الجرحى وتدمير مئات المعدات العسكرية بجميع صنوفها.
إلا أن المواقف الرسمية العربية قد خذلت المقاومة الفلسطينية رغم كل التضحيات التي قدمتها والصمود الأسطوري أمام آلة العدو الضخمة التي دمرت ما يقارب ٦٠% من المباني والبنية التحتية في غزة، وقتل أكثر من ٢٤٥٠٠ ألف مواطن ٧٠% منهم من النساء والأطفال و أكثر من ٦٠ ألف جريح ومعاق بسبب القصف العشوائي الصهيوني على المدينة.
إن عملية التطبيع مع العدو الصهيوني فاشلة منذ بدايتها عام ١٩٨٢ عندما أقدمت مصر في عهد الرئيس محمد أنور السادات على عملية السلام مع العدو وكانت النتيجة لا شيء يذكر على الأرض ولم يتغير شيء في سياسات العدو إتجاه القضية الفلسطينية والمنطقة عموما فهذا العدو قد بنى ستراتيجته على الإحتلال والتوسع وهو لا يلتزم بأي مواثيق ولا بأي إتفاق يوقعه مع أي طرف بل مجرد يكسب وقت وتحييد الدول العربية عن القضية الفلسطينية، ثم بدأت ما يسمى بمعاهدة السلام “أوسلو” في عام ١٩٩١ مع منظمة التحرير الفلسطينية برعاية الولايات المتحدة الأمريكية وإلى هذه اللحظة لم يسمح العدو بإنشاء دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على حدود ١٩٦٧ كما ينص عليه الإتفاق لعام ١٩٩١
بل لا يعترف بالحق الفلسطيني في تواجده على أرضه!!!
ثم المبادرة العربية التي أطلقتها المملكة العربية السعودية وكذلك استمر العدو الصهيوني في تجاهله لجميع المعاهدات والمبادرات الدولية والعربية للحق الفلسطيني.
لكن أمام كل هذا كان المتابع للشأن الفلسطيني يتوقع مقاطعة عربية للكيان المحتل بسبب رفضه جميع المبادرات والمعاهدات إلا أن الأمور اتجهت نحو الأسوأ وهي انحدار في المواقف الرسمية إتجاه القضية الفلسطينية من خلال سعيهم الحثيث نحو التطبيع مع إسرائيل وتجاهل القضية الفلسطينية ومن أهم الدول المطبعة هي دول الطوق التي كان يعوّل عليها في الضغط على إسرائيل إضافة لبعض الدول المهمة في الخليج العربي التي ذهبت للتطبيع دون أي مقابل وهذا السلوك انعكس سلبا على فلسطين عموما وعلى المقاومة خاصة لأنهم أوقفوا الدعم المالي والسياسي عنها وبدأوا بمطاردة قيادات المقاومة وقد زج الكثير منهم في السجون والمعتقلات وأمام هذا التخاذل العربي الرسمي عن فلسطين بدأ الإحتلال بالتصعيد ورفع سقف المطالب على الدول المطبعة والزامها بشروطه دون أن يلتزم هو بأي شرط ودون أن يقدم أي تنازل عن أطماعه التوسعية وهذا ديدن العدو مع العرب والمسلمين يأخذ ولا يعطي.
لقد ظهرت آثار التطبيع السلبية على المقاومة الفلسطينية في هذه المعركة عندما أغلقت عليهم الحدود وخاصة معبر رفح من جهة مصر، وغياب المواقف السياسية المساندة للمقاومة، إضافة لإيقاف الدعم الإنساني والاغاثي لغزة بحيث يعاني اليوم ٢ مليون و ٤٠٠ ألف مواطن مهدد بالموت والمجاعة إضافة لنقص حاد في الأدوية ولأبسط مقومات الحياة بينما أغلب الدول العربية تتفرج على ما يفعله الإحتلال ضدهم، بل حتى في المحافل الدولية لم يعد الموقف الرسمي العربي يهتم بالشأن الفلسطيني وهذا ما رأيناه عندما تقدمت دولة جنوب أفريقيا بشكوى ضد إسرائيل في محكمة لاهاي الدولية بينما النظام الرسمي العربي صامت ولم يحرك ساكنا وكان يفترض أن يكون هو المبادر لهذه المواقف لو لا سياسة التطبيع التي تبناها مع العدو الصهيوني.
ولم تقف الآثار السلبية لسياسة التطبيع على الأنظمة والمواقف الرسمية بل تركت أثارها على الشعوب أيضا بحيث لا تستطيع الشعوب لهذه الأنظمة أن تبادر لنجدت إخوانهم في فلسطين ولا يستطيع أحدا أن يعلن عن موقفه من هذا الصراع ولا يستطيع أن يعبر عن رأيه فقط وخاصة النخب والعلماء والمفكرين الذين يقيمون على أراضي هذه الدول وكأنهم مخنوقين خنقاً.
أما موقف المزايدين على القضية الفلسطينية وخاصة إيران وحلفائها ما هو إلا موقف غادر نكث عن كل ما كان يدعيه من نصرة للأقصى وللمقاومة الفلسطينية فما أن بدأت المعركة يوم ٧ أكتوبر حتى بدأت التصريحات الرسمية الإيرانية تتوالى بأن هذه المعركة لا علاقة لهم بها وقد جاءت هذه التصريحات على أعلى المستويات بدأً من الرئاسة الإيرانية إلى وزارة الخارجية والحرس الثوري الإيراني جميع هؤلاء صرحوا بأن معركة طوفان الأقصى هي معركة فلسطينية خالصة لا علاقة لهم بها، لكن عندما أظهرت حماس صمودها في المعركة ومقاومتها الباسلة التي كبدت العدو خسائر فادحة بدأ محور الممانعة بالتراجع عن بعض تصريحاته لغرض ركوب الموجة وسرقة هذا النصر العظيم، فبدأ حليفها حزب الله في لبنان بالدخول ببعض المناوشات من الجهة الشمالية للعدو وضمن قواعد الاشتباك التي يفرضها نتنياهو وجيشه المهزوم لغرض حفظ ماء الوجه وهكذا بقية الحلفاء لمحور الممانعة يقومون بنفس الأدوار، وبهذا قد تحولت إيران من الموقف المبدئي ذو السقف العالي إلى الموقف البرغماتي المبني على النفعية والمصلحية وهذا النوع من المواقف وفي هذا التوقيت يكون من أحقر المواقف سيما أنه يصدر من محور يدعي انه “إسلامي” ومبدئي من القضية الفلسطينية وعلى رأسها القدس الشريف.
إن كلا الموقفين ورغم ما لهما من آثار سلبية على غزة إلا أنهما وبالنهاية هما الخاسرين، وإن القضية الفلسطينية انتقلت من الإقليمية إلى العالمية وقد شاهدنا مواقف الشعوب الأوروبية والأمريكية والأفريقية كيف انحازت لغزة وللمقاومة الفلسطينية بعدما كانت محصورة قضيتها عربيا وإقليمية، وإن من يقف مع القضية الفلسطينية هو من ينال التشريف بموقفه، ومن يخذلها فلن يصيبه إلا الذل والخذلان بسبب عدالة هذه القضية وقذارة هذا العدو الذي أصبح منبوذ من قبل جميع أحرار العالم.
الباحث

