عندما تكون السلطات الحكومية عاجزة عن مواجهة القتلة والمجرمين أذن فهناك مشكلة في إدارة الدولة التي تطبق القانون على فئة بينما تفشل في تطبيقها على فئات أخرى، وهذا يفسر لنا استمرار مسلسل جرائم القتل الطائفي في مناطق محددة والتي تنفذ لأسباب كثيرة منها: عدم وجود إرادة سياسية لدى صناع القرار العراقي لمواجهة وردع مرتكبي هذه الجرائم ومن يقف ورائها من طبقة سياسية وميليشيات مسلحة، كما إن تواطؤا السلطات التنفيذية و القضائية وتراخيها في عدم تقديم القتلة والجناة للعدالة هو سبب رئيسي في انتشار واستمرار الجريمة المنظمة وغياب مبدأ الحساب والعقاب، وبالتالي غياب العدالة، مما يعني بأن شريعة الغاب هي التي تسود وتحكم، خصوصاً وإن هذه الحادثة ليست الاولى في محافظة ديالى ولن تكون الاخيرة أذا ما بقيت الأوضاع على ما هي عليه، والدليل بأنه لم يقدم أي مسؤول عن هذا الفشل الأمني للمحاسبة أو حتى للتغير في هذه المناطق.
إن بقاء القيادات الأمنية والإدارية في المحافظة لفترة طويلة حسب المحاصصة الطائفية هو سبب رئيسي في تكرار الفشل الأمني والأداري، خاصةً وإن محافظ ديالى “مثنى التميمي” شهد تنفيذ جميع هذه الجرائم في محافظة ديالى دون أن يكون هناك أي تغير أو تبديل في سياسية الحكومة المحلية لردع هذه الميليشيات، علماً بأن المعلومات تشير الى إن الحكومة المحلية في المحافظة ضالعة في تنفيذ هذه الجرائم بالتواطؤ من مع أحزاب السلطة والميليشيات الطائفية المسلحة، وهناك تتواطأ وتستر على المجرمين والقتلة الذين ينتمون لأحزاب وميليشيات مسلحة، الأمر الذي تسبب في أحداث هذه الفوضى الأمنية والاجتماعية التي تمر بها المحافظة، وخاصةً انتشار السلاح المنفلت، وكثرة الاغتيالات، وعودة الجريمة المنظمة، وفرق الموت، ومن هنا نقول بأنه يجب العمل على تبديل وتغير القيادات الامنية والعسكرية والادارية والقضائية في المحافظة، ويجب أشراك أهالي هذه المناطق في القرار الأمني والأداري، لكي يكون الخرق الأمني من مسؤولية الجميع، كما يجب منع تسيس العشائر من قبل الميليشيات الطائفية المسلحة التي تعمل على أثارة الفتنة بينها من خلال تقديم الدعم اللازم لبعضها و تستقوي على بعضها الأخر، ثم تدفعها لتنفيذ جرائم قتل وتنكيل ستؤدي في نهاية المطاف الى تدمير النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي، وتدمير السلم الأهلي والمجتمعي أكثر مما هو موجود حالياً.
جميع هذه الجرائم هي رسالة للداخل العراقي بأن من يسيطر على الأوضاع في العراق هي هذه الميليشيات الطائفية المسلحة، كما أنها تبين ضعف وعجز الطبقة السياسية السنية وعدم قدرتها على حماية مناطقهم من بطش الميليشيات، لذا نجد ردود أفعالها عبارة عن أدانات واستنكارات خجولة لعدم إزعاج حلفائهم من الطرف الآخر لضمان مصالحهم، ولماذا لا تتخذ إجراءات ومواقف سياسية قوية لإجبار الحكومة وميليشياتها المسلحة على تغيير سياستها الطائفية، كما أنها تبين ضعف الدولة وعدم قدرتها على حماية المواطنيين وتطبيق القانون على الجميع، خصوصاً وإن هناك التفاف كبير على الاحكام القضائية التي تصدر ضد المجرمين الذين نفذوا جرائم قتل وتهجير، حيث تم تغير الكثير من الاحكام القضائية بعد سنوات من صدور الحكم عليهم بالإعدام بعد أن أعترفوا بتنفيذ هذه الجرائم، كما جرى في مجزرة جامع “مصعب بن عمير” التي راح ضحيتها (73) شخصاً، وصدرت بحقهم أحكام الاعدام شنقاً في 26 أيار عام 2015، ثم تم تبرأتهم في 14 أب عام 2020، مما يجعل السلطات القضائية والتنفيذية شريكاً حقيقياً في هذه تنفيذ هذه الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، خصوصاً وإن الحكومة تمتلك من القوة القانونية ما يمكنها من وقف هذه الاجراءات المخالفة للقانون والدستور، بحيث أصبح القتلة خارج السجون والابرياء يسجون حتى الموت، الأمر الذي أدى الى أستمرار تنفيذ هذه الجرائم طالما الإفلات من العقاب مكن في ظل حكم الميليشيات للوضع العراقي، وهنا نقول بأن الافلات من العقاب هو إهانة للدولة والحكومة وإهانة للسلطات القضائية، وإهانة للقوات الأمنية التي فقدت المواطن الثقة بها في أنفاذ القانون وفرض هيبة الدولة والأمن والاستقرار، كما أنها استهانة بدماء الابرياء الذين أصبحوا بين خيارات صعبة منها التهجير القسري أو القتل أو الاعتقال أو التغييب.
إن تجنب القوات الحكومية المواجهة المباشرة مع هذه الميليشيات خشية الاستهداف أسهم بشكل كبير في تمادي هذه الميليشيات المسلحة في تنفيذ جرائمها الطائفية بحق الأبرياء، خصوصاً وإنها أخطات في تصورها بأن ستكون بمنأى عن هذه التصفيات الجسدية التي يمكن أن تطال قيادات مهمة في هذه المؤسسات الحكومية، والتي يمكن أن نقول بأنها بعضها لا يزال غير خاضع لسلطة هذه الميليشيات، ومع هذا نرى بأن التصفيات طالت الكثير من القيادات الأمنية وخاصةً في جهاز المخابرات العراقي، وهذا يفسر لنا سبب بقاء القوات الأمنية تتفرج على تنفيذ هذه الجرائم دون أن تتدخل لفرض القانون وسيادة وهيبة الدولة، وإن من يتدخل سيكون مصيره القتل أو الاعتقال، ولن تكون الحكومة قادرة على تأمين الحماية الشخصية والقانونية اللازمة له، مما يعني بأن هذه الأجهزة أمام خيارات صعبة ومعقدة تنحصر بين التصفية الجسدية، أو المواجهة المسلحة، أو الاستجابة الكاملة لرغبات وأهداف هذه الميليشيات بما فيها التبعية الكاملة لها.
إن من يراقب ردود أفعال الحكومة يجد بأنها تنحصر في تشكيل اللجان التحقيقية التي ساهمت في طمس الحقائق، وساعدت على إفلات الجناة من العقاب والمحاسبة، والدليل على ذلك إن جميع الحكومات السابقة فشلت في تقديم الجناة للعدالة خاصةً قتلة المتظاهرين ومجرمي الميليشيات المسلحة التي غيبت الألاف من المناطق السنية أثناء العمليات العسكرية، وكل هذه الجرائم تجري بسبب هيمنة و تغول هذه الميليشيات في جميع مؤسسات الدولة، والتي استخدمها كغطاء لتنفيذ جرائمها الطائفية بذريعة مواجهة الإرهاب، بما فيها السلطة القضائية التي صمتت و تواطأت وتسترت على جرائم هذه الميليشيات التي نفذت حسب مصالحها وأجندتها الإقليمية، لأنها لن تسمح بتغير الوضع القائم أو المساس به، لكون التغيير يضر نفوذها ومصالحها المحلية والخارجية، لذا فهي تصر على العودة الى المشهد الطائفي الذي دمر ومزق البلاد وأضعفها لأنه يلبي طموحاتها وأهدافها، خصوصاً وأنها تلجأ الى القانون والدستور عندما يصب في مصالحها!، وتضعه على الرف عندما يتقاطع معها، وهنا نقول الى متى ستبقى السلطة التنفيذية فاقدة لقرارها السياسي والأمني.
إن السؤال المهم الذي يجب أن تجيب عنه حكومة بغداد هو الى متى سوف يستمر مسلسل القتل والاغتيال والتهجير والتغيير الديمغرافي ومنع الأهالي من العودة الى منازلهم ومناطقهم في العراق؟، والى متى سوف تستمر هذه الميليشيات المسلحة التابعة لإيران بتنفيذ جرائمها بحق الأبرياء في الداخل العراقي بدون أن يكون هناك ردع ومحاسبة لهذه الميليشيات؟، والى متى ستبقى القوات الأمنية على الحياد ولا تتدخل فيما تفعله هذه الميليشيات؟، والى متى ستبقى الاجراءات الحكومية خجولة ولا ترتقي الى مستوى الأحداث، والى متى ستبقى السلطات القضائية عاجزة عن تطبيق القانون وانفاذه على الجميع؟، والى متى سيبقى السلاح المنفلت هو الحاكم في المشهد العراقي؟، والى متى سيستمر التعدي على هيبة الدولة وسيادة القانون؟، والى متى ستبقى الحكومة ضعيفة وغير قادرة على ردع هذه الميليشيات المسلحة الطائفية التي تعمل خارج إطار الدولة؟، والى متى ستبقى الميليشيات في المناطق السنية؟، والى متى ستبقى ترفض الخروج من المناطق التي تم استعادتها من تنظيم الدولة منذ عام 2014 وإلى يومنا هذا؟ والى متى ستبقى هذه الميليشيات تحتفظ بسلاحها لقتل الابرياء؟، ولماذا لا يتم نزع سلاح هذه الميليشيات وحلها؟، وجميع هذه التساؤلات يجب أن تجيب عنها حكومة السوداني!، بل وتعمل على معالجتها، وألا فهي شريكة في كل الجرائم التي ترتكبها هي الميليشيات والجهات المسلحة التي أصبح سلاحها أقوى من سلاح الدولة، بل أنها أصبحت قادرة على فرض أرادتها السياسية والقضائية بقوة السلاح.

