شاهو القره داغي

نجحت حكومة كردستان العراق في الحفاظ على الاستقرار وتحقيق التطور و النمو خلال الأعوام الماضية مقارنة ببغداد و المحافظات الجنوبية التي لاتزال تعاني من غياب البنى التحتية على الرغم من الإيرادات و الثروات الكثيرة لهذه المحافظات ، وقد يكون من ابرز أسباب هذه النجاحات عدم وجود الميليشيات الموالية لإيران وعدم السماح بالفوضى الأمنية كما نراها في باقي مناطق العراق.
خلال الأعوام الماضية طالب الكثيرون بضرورة نقل نموذج الإقليم وخاصة من ناحية الأمن و الاستقرار والتطور العمراني إلى باقي مناطق العراق وخاصة بغداد التي تعتبر عاصمة لدولة لها تاريخ عريق في المنطقة والعالم ، والتي تستحق أن تكون أفضل و أكثر تقدما مما هو عليه الآن ، ودائما كانت المقارنات تحوم حول ضرورة إنهاء سطوة الميليشيات و تحجيم نفوذها و خلق بيئة طاردة لها وليس جاذبة كما هو الآن، لضمان تحقيق الحد الأدنى من التطور و استئناف المشاريع و جذب رؤوس الأموال و التجار من الخارج.
على عكس هذه الرؤية التي تحاول تعميم النجاح و التطور ، هناك رؤية أخرى تعمل على تعميم الفوضى و الإرهاب، حيث يتركز جل تفكير هذا المحور حول كيفية نقل نموذج الميليشيات وخلايا الكاتيوشا و الفوضى إلى إقليم كردستان العراق أيضا ، و تحويل الإقليم إلى ساحة صراع لتصفية الحسابات و إطلاق الصواريخ اليومية لزعزعة الاستقرار و خلق بيئة مضطربة لإيقاف عجلة التقدم.
وتجسيدا لهذه المحاولات قامت مجموعة إرهابية بعنوان (سرايا أولياء الدم) بتنفيذ هجمات صاروخية على عدة مواقع في مدينة أربيل عاصمة الإقليم وضواحيها، من بينها قاعدة عسكرية تستخدمها قوات التحالف الدولي التي تقوده الولايات المتحدة الامريكية في العراق.
وبحسب التحالف الدولي فإن الاستهداف الصاروخي أدى إلى مقتل متقاعد مدني أجنبي ، علاوة إلى إصابة تسعة أشخاص آخرين و إلحاق أضرار مادية بمواطنين مدنيين بسبب سقوط أكثر من صاروخ على الاحياء المدنية في المدينة .
هذا الهجوم الثاني من نوعه خلال أقل من عام ، حيث قامت الميليشيات التابعة للحشد الشعبي في اكتوبر الماضي بإطلاق ستة صواريخ على مطار أربيل الدولي من محافظة نينوى من مناطق تقع ضمن حدود اللواء 30 للحشد الشعبي .
من خلال النظر إلى طريقة الهجوم و المواقع المستهدفة يتضح أن الميليشيات الموالية لإيران هي التي تقف وراء الهجوم، و تهدف إلى إرسال رسائل إيرانية إلى الأطراف المحلية داخل العراق و الدولية لفرض واقع جديد و إبراز القوة الإيرانية وقدرتها على زعزعة الاستقرار ليس فقط في بغداد بل حتى في الإقليم الذي يتمتع بإجراءات أمنية مشددة واكثر تحصينا من باقي مناطق العراق.
لا يمكن فصل ما يجري في بغداد من تدهور للوضع الأمني و عمليات القتل و الاختطاف و الاغتيالات و القصف العشوائي عن الهجمة الأخيرة في أربيل ، وخاصة أنها تأتي بعد هدوء دام لشهرين تقريبا في ظل خشية طهران من ردة فعل قاسية في أواخر مرحلة إدارة ترامب ، ويبدو أن طهران تعمل على إرسال عدة رسائل من خلال هذا الهجوم ، منها إفهام الجانب الكوردي بخطورة التنسيق والتعاون مع أطراف إقليمية و دولية بعيدا عن طهران، وخاصة أن الهجوم يأتي بالتزامن مع تدهور الوضع الأمني في سنجار و محاولة فرض القانون بالتنسيق بين أربيل وبغداد ما سيعني إخراج الميليشيات الموالية لإيران من المنطقة و إضعاف النفوذ الإيراني فيها.
في المقابل حصلت إقليم كردستان على تعاطف إقليمي و دولي بعد الهجوم ومن الممكن أن يؤدي الهجوم إلى تعزيز الجانب الأمني و الدفاعي للإقليم لتجنب تكرار هذه الهجمات، إضافة إلى ضرورة تفعيل ملف التعاون الأمني بين أربيل وبغداد وخاصة في المناطق المتنازع عليها والتي باتت مرتعا للميليشيات تنطلق منها إلى باقي المناطق وتشكل تهديدا أمنيا مستمرا على الإقليم .
من الواضح أن خلايا الكاتيوشا لا تساهم في تقويض الأمن في بغداد فقط، بل في الإقليم و كافة أراضي العراق ، وهي ترسل رسالة واضحة بأن سلاحها للإيجار وأنها تعمل على إيصال الرسائل الإيرانية للأطراف الإقليمية والدولية على حساب زعزعة الاستقرار الداخلي و تدمير الامن و تشويه سمعة البلاد .
بالتزامن مع احتفال العالم المتقدم بهبوط المسبار الأمريكي على المريخ لأول مرة في تاريخ البشرية ، ينتظر العراقيون بخوف وقلق تطاير الصواريخ العشوائية فوق رؤوسهم بسبب الميليشيات التي أصبحت ترسل الرسائل السياسية عن طريق التفجيرات و الصواريخ و تبدع في ابتكار الطرق الإرهابية لترويع الآمنين و زعزعة الاستقرار.
كانت هناك محاولات لترويض الفصائل المسلحة والعصابات الإرهابية عن طريق اعلان الهدن و الدخول معها في المفاوضات، ولكن يبدو أن الميليشيات يستحيل ترويضها بل على العكس فهي تحاول نقل نشاطاتها لتوسع من نطاق الدمار عن طريق الهجمات التخريبية ، والسلطة السياسية في العراق ستدفع ثمن مجاملة الميليشيات و التعامل معها بودية وتسليمها مفاصل السلطة إذا لم تتدارك الخطر و لم تتعامل مع الإرهاب بصورة واحدة دون ازدواجية .

مقال خاص براسام