جاسم الشمري

بعد أن تناولنا الاعتداءات الصهيونية قبل العام 1948 وكذلك في العام 1948، نحاول في الأجزاء القادمة تكملة غالبية الاعتداءات الصهيونية على الفلسطينيين حتى يومنا هذا:

– مذبحة صبرا وشاتيلا
يبدو أن الحقد الصهيوني على الفلسطينيين لم يتوقف ضم الداخل الفلسطيني وبدليل المجازر التي لحقت الفلسطينيين في لبنان وغيرها.
ومن أبرز تلك الجرائم مذبحة صبرا وشاتيلا، وقد وقعت هذه المذبحة في 16 ـ 18 أيلول/ سبتمبر 1982 بمخيمي صابرا وشاتيلا الفلسطينيين، بعد دخول القوات الإسرائيلية الغازية إلى العاصمة اللبنانية بيروت، وإحكام سيطرتها على القطاع الغربي منها. وكان دخول القوات الإسرائيلية إلى بيروت في حد ذاته انتهاكًا للاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية والذي خرجت بمقتضاه المقاومة الفلسطينية من المدينة.
وقد هيأت القوات الإسرائيلية الأجواء بعناية لارتكاب مذبحة مروعة نفَّذها مقاتلو الكتائب اللبنانية اليمينية؛ انتقاماً من الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين.
وقد قامت المدفعية والطائرات الإسرائيلية بقصف صابرا وشاتيلا ـ رغم خلوهما من السلاح والمسلحين ـ وأحكمت حصار المداخل الذي لا يشغله سوى اللاجئين الفلسطينيين والمدنيين اللبنانيين العزل. وأدخلت هذه القوات مقاتلي الكتائب المتعطشين لسفك الدماء بعد اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل.
واستمر تنفيذ المذبحة على مدى أكثر من يوم كامل تحت سمع وبصر القادة والجنود الإسرائيليين. وكانت القوات الإسرائيلية التي تحيط بالمخيم تعمل على توفير إمدادات الذخيرة والغذاء لمقاتلي الكتائب الذين نفَّذوا المذبحة، وبينما استمرت المذبحة طوال يوم الجمعة وصباح يوم السبت، أيقظ المحرر العسكري الإسرائيلي رون بن يشاي إرييل شارون وزير الدفاع في حكومة مناحم بيجين؛ ليبلغه بوقوع المذبحة في صابرا وشاتيلا فأجابه شارون ببرود: “عام سعيد”.
وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا التي أودت بحياة أكثر من ثلاثة آلاف مدني فلسطيني ولبناني خلال ثلاثة أيام (بين 16 و18 أيلول/ سبتمبر 1982) في أعقاب انسحاب قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، وذلك على الرغم من التطمينات المعطاة بشأن حماية المدنيين. وفي أقل من أربع وعشرين ساعة، أضحت المجزرة الحدث الأهمَّ في الأنباء العالمية، وتناقلت صورها قنوات التلفزة الأجنبية والمحلية، كما زار مواقعها في اليوم التالي لخروج المهاجمين منها، عدد من الكتاب والصحافيين الأجانب البارزين، ومن بينهم الفرنسي جان جينيه والبريطاني روبرت فيسك.
يُعتبر مخيم شاتيلا من أوائل المخيمات الفلسطينية التي أقيمت في بيروت، ومن أصغرها مساحة. ومع تكاثر عدد سكانه، صارت بيوت لاجئيه المتواضعة تمتد إلى جواره في حي صبرا، الأمر الذي جعل الحديث الشائع يدور عن مخيمين هما: صبرا وشاتيلا. وقبل وقوع المجزرة كان يقطن هذين “المخيمين”، بالإضافة إلى سكانهما الفلسطينيين، عدد كبير من اللبنانيين والسوريين والمصريين والأردنيين وسواهم.
في 6 حزيران/ يونيو 1982، اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان حتى وصلت مشارف عاصمته بيروت وفرضت عليها حصاراً استمر ثلاثة أشهر تقريباً، واجهته القوات المشتركة الفلسطينية- اللبنانية بمقاومة شديدة. وبعد مساع دبلوماسية حثيثة، توصل المبعوث الأميركي فيليب حبيب ورئيس الوزراء اللبناني شفيق الوزان، إلى اتفاق في 11 آب/ أغسطس 1982، نص على أن تقوم منظمة التحرير الفلسطينية بإجلاء قواتها من بيروت الغربية بإشراف قوة متعددة الجنسيات مشكّلة من قوات أميركية وفرنسية وإيطالية، في مقابل تعهد الحكومة الإسرائيلية عدم دخول جيشها إلى بيروت الغربية، وبتقديم ضمانات التزمت بتوفيرها الولايات المتحدة في المقام الأول، فيما يخص حماية أمن المدنيين الفلسطينيين داخل المخيمات.
وبعد أيام قليلة من اكتمال رحيل آخر دفعة من المقاتلين الفلسطينيين عن بيروت، في الأول من أيلول/ سبتمبر 1982، أعرب رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات لمبعوثَين فرنسيين زاراه في مقر إقامته بتونس، عن “تخوفاته البالغة على أمن المدنيين الفلسطينيين المتبقّين في بيروت”، وطلب منهما السعي لدى حكومتهما من أجل إبقاء الوحدة العسكرية الفرنسية في بيروت لفترة أطول من التاريخ الذي حُدد لانسحابها، بيد أن الحكومة الفرنسية، وبعد أن بقيت وحدتُها حتى النهاية، إثر انسحاب الوحدات الإيطالية والأميركية، قررت سحبها في 11 أيلول/ سبتمبر.
وبعد ظهر يوم 14 أيلول 1982، وقع انفجار ضخم في مقر ميليشيا القوات اللبنانية (التابعة لحزب الكتائب) في بيروت الشرقية أودى بحياة قائدها بشير الجميل، الذي كان البرلمان اللبناني انتخبه في 23 آب/ أغسطس 1982 رئيساً للجمهورية، فقام الجيش الإسرائيلي صبيحة اليوم التالي باقتحام بيروت الغربية، بذريعة المحافظة على الأمن في المدينة، وطوَّق المخيمات الفلسطينية وأقفل المعابر المؤدية إليها ومنع سكانها من المغادرة، ثم راح منذ صباح الخميس 16 أيلول/ سبتمبر يشدد قصفه مخيم شاتيلا، وعلى الأخص مدخله الجنوبي، الذي بدأت عنده المجزرة، وتحت إشراف جنوده وحمايتهم، دخلت المخيم بعد غروب ذلك اليوم ميليشيات مسلحة من القوات اللبنانية ومن قوات الرائد المنشق عن الجيش اللبناني سعد حداد (القوات العميلة لإسرائيل في جنوب لبنان) ومن ميليشيا حراس الأرز اليمينية، وراحت على مدى ثلاثة أيام تقريباً، تقتل وتعذب كل من يصادفها، من دون تمييز بين فلسطيني ولبناني، ولم تسلم حتى المستشفيات من عدوانها، حيث اقتحمت الميليشيات في 17 أيلول/ سبتمبر مستشفى عكا، وقتلت بوحشية عدداً من الأطباء والممرضات والمرضى الفلسطينيين المتواجدين فيه.
وفي هذه الأيام أحيا الآلاف من الفلسطينيين في يحيي في لبنان الذكرى الأربعين لمجزرة صبرا وشاتيلا التي بدأت في 16 سبتمبر/ أيلول 1982، ووفقا لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية الدولية، في تقرير عام 2014، فإن “من بين قتلى المذبحة رضع وأطفال وسيدات حوامل وشيوخ وعجائز، وتم التمثيل بجثث بعضهم”، و”أعمال القتل التي وقعت تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”.
وتنقل عن لجنة تحقيق إسرائيلية تُسمى “لجنة كاهان” إن “أرييل شارون، بصفته وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، سمح لميليشيات “الكتائب” اللبنانية بدخول المخيمين، حيث بثوا الرعب والهلع بين السكان على مدى ثلاثة أيام”.
ورغم الإدانة العالمية للمجزرة، لم يتم توقيف أي من المسؤولين عنها أو محاكمته أو إدانته.
ووقعت المجزرة بعد أيام من اغتيال رئيس الجمهورية المنتخب حينها حديثًا بشير الجميل الذي كان بالنسبة إلى اللبنانيين المسيحيين حينها “بطلًا” قادمًا لإنقاذهم من الحرب والتدخلات الفلسطينية والسورية العسكرية في بلادهم، بينما كان مكروهًا من لبنانيين آخرين كانوا مع الطرف الآخر في الحرب الأهلية وأخذوا على الجميل تعاونه مع إسرائيل.
وحمّلت لجنة تحقيق رسمية إسرائيلية بعد سنوات من وقوع المجزرة، المسؤولية غير المباشرة عنها، إلى عدد من المسؤولين الإسرائيليين بينهم وزير الحرب في حينه أرييل شارون، كما ألقت بالمسؤولية الأساسية على إيلي حبيقة الذي كان آنذاك مسؤول الأمن في “القوات اللبنانية”.
وعُرف حبيقة بعلاقاته مع المسؤولين الإسرائيليين، قبل أن يتقرّب من السوريين في المراحل الأخيرة من الحرب الأهلية (1975-1990)، وأصبح عام 1992 وزيرًا في الحكومة ونائبًا، واغتيل في 24 يناير/كانون الثاني 2002 بتفجير سيارة مفخخة في الحازمية (شرق بيروت).
وانتقدت اللجنة رئيس الوزراء الإسرائيلي في تلك الفترة مناحيم بيغن، ووزير خارجيته إسحق شامير، ورئيس أركان الجيش رفائيل إيتان، وقادة المخابرات، وقالت إنهم لم يقوموا بما يكفي لمنع “المذبحة”، أو لإيقافها حينما بدأت.
وفي 2001 رفع ناجون فلسطينيون ولبنانيون من المجزرة دعوى لدى القضاء البلجيكي ضد شارون والمتورطين الآخرين، غير أن ضغوط اللوبي اليهودي أدت إلى إدخال تعديلات على القانون البلجيكي منعت المضي قدمًا في القضية.

– مذبحة عين الحلوة
لم تتوقف المجازر الصهيونية عند حدود صبرا وشاتيلا، ووجدنا أنها عادت من جديد لترتكب جريمة أخرى وسط صمت دولي غريب، ففي 16 أيار/ مايو 1984 وعشية الانسحاب الإسرائيلي المنتظر من مدينة صيدا في جنوب لبنان؛ أوعزت إسرائيل إلى أحد عملائها ويُدعى “حسين عكر” بالتسلل إلى داخل مخيم عين الحلوة الفلسطيني المجاور لصيدا، واندفعت قوات الجيش الإسرائيلي وراءه بقوة 1500 جندي و150 آلية، وراح المهاجمون ينشرون الخراب والقتل في المخيم دون تمييز، تحت الأضواء التي وفرتها القنابل المضيئة في سماء المخيم.
واستمر القتل والتدمير من منتصف الليل حتى اليوم التالي؛ حيث تصدت القوات الإسرائيلية لمظاهرة احتجاج نظمها أهالي المخيم في الصباح. كما فرضوا حصاراً على المخيم ومنعوا الدخول إليه أو الخروج منه حتى بالنسبة لسيارات الإسعاف، وذلك إلى ساعة متأخرة من نهار ذلك اليوم.
وأسفرت المذبحة عن سقوط 15 فلسطينياً بين قتيل وجريح، بينهم شباب وكهول وأطفال ونساء، فضلاً عن تدمير 140 منزلاً واعتقال 150، بينهم نساء وأطفال وشيوخ.

– مذبحة حمامات الشط
ولم تتوقف المجازر الصهيونية الدموية، وقد أرتكب الصهاينة كجزرة جديدة، ففي 11 تشرين الأول/ أكتوبر 1985 بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت بنحو ثلاثة سنوات؛ تعقبت الطائرات الإسرائيلية مكاتبها وقيادتها التي انتقلت إلى تونس؛ وشنت هذه الطائرات في 11 أكتوبر 1985، غارة على ضاحية حمامات الشط جنوبي العاصمة التونسية، وأسفرت عن سقوط 50 شهيداً ومائة جريح؛ إذ انهمرت القنابل والصواريخ على هذه الضاحية المكتظة بالسكان المدنيين التي اختلطت فيها العائلات الفلسطينية بالعائلات التونسية.
واستمراراً في نهج الإرهاب الصهيوني الإسرائيلي؛ لم تتورَّع تل أبيب عن إعلان مسئوليتها عن هذه الغارة رسمياً متفاخرة بقدرة سلاحها الجوي على ضرب أهداف في المغرب العربي.
وللحديث عن الاعتداءات الصهيونية على أهلنا في فلسطين حتى يومنا الحاضر تتمة.

– مذبحة المسجد الأقصى 8/10/1990
في يوم الاثنين الموافق 8/10/1990 وقبيل صلاة الظهر حاول متطرفون يهود مما يسمى بجماعة “أمناء جبل الهيكل” وضع حجر الأساس للهيكل الثالث المزعوم في ساحة الحرم القدسي الشريف وقد هب أهالي القدس لمنع المتطرفين اليهود من تدنيس المسجد الأقصى، مما أدى إلى وقوع اشتباكات بين المتطرفين اليهود الذين يقودهم غرشون سلمون زعيم “أمناء جبل الهيكل” مع نحو خمسة آلاف فلسطيني قصدوا المسجد لأداء الصلاة فيه، وتدخل جنود حرس الحدود الإسرائيليون الموجودون بكثافة داخل الحرم القدسي، وأخذوا يطلقون النار على المصلين دون تمييز بين طفل وامرأة وشيخ، مما أدى إلى استشهاد أكثر من 21 شهيدا وجرح أكثر من 150 منهم، كما اعتقل 270 شخصا داخل وخارج الحرم القدسي الشريف.

– مذبحة الحرم الإبراهيمي
بدأت مذبحة الحرم الإبراهيمي في يوم 25/2/1994 حين دخل باروخ غولدشتاين ومجموعة من مستوطني كريات أربع المسجد الإبراهيمي وقت صلاة الفجر، وقد وقف غولدشتاين خلف أحد أعمدة المسجد وانتظر حتى سجد المصلون وفتح نيران سلاحه الرشاش على المصلين وهم سجود، فيما قام آخرون بمساعدته في تعبئة الذخيرة التي احتوت رصاص دمدم المتفجر. واخترقت شظايا القنابل والرصاص رؤوس المصلين ورقابهم وظهورهم لتصيب أكثر من ثلاثمائة وخمسين منهم.
وعند تنفيذ المذبحة قام جنود الاحتلال الإسرائيلي الموجودون في الحرم بإغلاق أبواب المسجد لمنع المصلين من الهرب، كما منعوا القادمين من خارج الحرم من الوصول إلى ساحته لإنقاذ الجرحى، وفي وقت لاحق استشهد آخرون برصاص جنود الاحتلال خارج المسجد وفي المقابل أثناء تشييع جثث شهداء المسجد، وقد راح ضحية المجزرة نحو 50 شهيدا قتل 29 منهم داخل المسجد.
وللحديث عن الاعتداءات الصهيونية على أهلنا في فلسطين حتى يومنا الحاضر تتمة.

المصادر:
الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية
الجزيرة نت
وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية
صحيفة عربي 21
مجلة آفاق فلسطينية
جريدة المنار الفلسطينية
مجلة آفاق الفلسطينية
وكالة الأناضول التركية
صحيفة يني شفق التركية.
وكالة زاد الأردن الإخبارية
عربي بوست
وكالة النيل 24
موقع (فلسطيننا) / حركة فتح لبنان
الموسوعة الحرة
المكتبة الشاملة
ألاعيب تل أبيب: من النيل إلى الفرات 1917-2017، شيماء أبو عميرة

مقال خاص براسام