بلغ “هنري كيسنجر” سن التاسعة والتسعين في 27 مايو، وهو مولود في ألمانيا في ذروة تضخم فايمار، ولم يكن قد أكمل العقد الأول من عمره عندما وصل هتلر إلى السلطة. وصل هو وعائلته كلاجئين إلى مدينة نيويورك حين كان يبلغ 15 عاماً فقط. من المدهش إلى حد ما أن هذا الشخص الذي احتل منصب وزير الخارجية الأمريكي سابقا وكان عملاق الجغرافيا السياسية قد ترك عمله منذ 45 عاماً.
بالرغم من بلوغ “كيسنجر” مائة عام تقريبا إلا أنه لم يفقد أياً من القوة النارية الفكرية التي ميّزته عن غيره من أساتذة السياسة الخارجية من أجياله والأجيال اللاحقة. ففي الوقت الذي أمضيته في كتابة المجلد الثاني من سيرته الذاتية، لم ينشر “كيسنجر” كتاباً بل نشر كتابين: الأول، شارك في تأليفه السيد “إريك شميدت” الرئيس التنفيذي السابق لشركة “جوجل” وعالم الكمبيوتر “دانييل هوتنلوشير” وكان مضمون الكتاب يدور حول الذكاء الاصطناعي، أما الثاني فهو مجموعة من ست دراسات عن السيرة الذاتية في مهارات القيادة.
كنا نلتقي في ملاذه الريفي في أعماق غابات “كونيتيكت” حيث قضى هو وزوجته نانسي معظم وقتهما منذ ظهور مرض كوفيد. كان للوباء جانبا مشرقا بالنسبة لهما. فقد كانت هذه هي المرة الأولى منذ 48 عاماً من الزواج التي يتوقف فيها الدكتور “كيسنجر” عن القيام بجولته بشكل قهري، ويبقى بعيداً عن إغراءات مطاعم مانهاتن ومآدب بكين التي كان ينفق عليها أمواله. فعلى الرغم من أنه يمشي بعصا، ويعتمد على السمع ويتحدث أبطأ من سابق عهده، إلا أن عقله متحمس أكثر من أي وقت مضى.

كما لم يفقد “كيسنجر” موهبته لإغضاب الأساتذة الليبراليين والطلاب التقدميين أو “المستيقظين” الذين يهيمنون على هارفارد، وهي الجامعة التي بنى فيها سمعته كعالم ومفكر عام في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.
كان على وزير خارجية ومستشار الأمن القومي، وهو أول منصب شغله “كيسنجر” في الحكومة- أن يرجح بين الخيارات السيئة والخيارات الأسوأ في أحداث عاصرها لكنه تعرض إلى انتقادات واسعة، على سبيل المثال فإن يشغل السيد”أنتوني بلينكين” والسيد “جيك سوليفان” هذين المنصبين حالياً وقد تخليا العام الماضي عن شعب أفغانستان لطالبان وهذا العام يصبّون أسلحة بقيمة عشرات المليارات من الدولارات في حرب أوكرانيا، وتصرفهما لا يثير الانتقادات التي تم توجيهها إلى “كيسنجر” على مر السنين لقيامه بدور في أحداث مماثلة مثل حرب فيتنام – حيث انتقده الكثير أيضاً من حزب اليمين، وإن كان لأسباب مختلفة تماماً-.

لا شيء يمكن أن يصف قدرته على إثارة غضب حزب اليسار وحزب اليمين أفضل من الجدل الذي أثاره خطابه القصير في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (مدينة في سويسرا) في 23 مايو. فقد نشر “هنري كيسنجر مقالا في صحيفة التلغراف عنوانها: يجب أن تمنح أوكرانيا أراض لروسيا “، مما أثار أعداداً كبيرة من التغريدات الغاضبة من التقدميين الذين أضافوا ألوان علم أوكرانيا الزرقاء والصفراء إلى أحدث نسخة من علم الفخر وكذلك المحافظين الجدد الذين ينادون بانتصار أوكرانيا و تغيير النظام في موسكو. وردا على ذلك، اتهم الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” السيد “كيسنجر” بشكل لاذع لتأييد استرضاء روسيا الفاشية مثلما حدث في عام 1938
كان الشيء الأكثر غرابة في هذه الضجة هو أن “كيسنجر” لم يقل شيئاً من هذا القبيل. فهذه المجادلة هدفها الوصول إلى نوع من السلام في نهاية المطاف، فقد صرح “كيسنجر” ببساطة أن “الخط الفاصل” بين أوكرانيا وروسيا يجب أن يعود إلى وضعه السابق” أي الوضع قبل 24 فبراير، عندما كانت أجزاء من “دونيتسك” و”لوهانسك” تحت سيطرة الانفصاليين الموالين لموسكو وكانت شبه جزيرة القرم جزءاً من روسيا كما كان الحال منذ عام 2014. وهذا ما قاله الرئيس الأوكراني “زيلينسكي” نفسه في أكثر من مناسبة، على الرغم من مطالبة بعض المتحدثين الرسمين الأوكرانيين مؤخراً بالعودة إلى شكل حدود قبل عام 2014.

هذه التفسيرات الخاطئة ليست بالشيء الجديد على “كيسنجر”. فعندما كان يحاول “كيسنجر” إقناع الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما” بانسحاب “جو بايدن” نائب الرئيس حينها من أفغانستان، فقد أجرى “أوباما” تشابهاً مؤسفاً بين “بايدن” والرئيس الأمريكي السابق المشين “ريتشارد نيكسون”. فقد أخبر “أوباما” للدبلوماسي المخضرم “ريتشارد هولبروك”: “يجب علينا الخروج، لنفعل كما فعلنا في فيتنام”. رد “هولبروك” الممثل الخاص لأوباما في أفغانستان وباكستان، بأنه “يعتقد أن لدينا التزاماً معيناً تجاه الأشخاص الذين وثقوا بنا”. ونقل بايدن رده قائلا: “تبا لهذا. لا داعي للقلق بشأن ذلك فقد فعلنا نفس الشئ في فيتنام” وأضاف قائلا: “أفلت نيكسون وكيسنجر من العقاب”.
ومع ذلك كان الواقع مرة أخرى مختلفاً تماماً. فقد رفض “نيكسون” و”كيسنجر” كلياً فكرة التخلي عن جنوب فيتنام لتلاقي مصيرها، كما حثهم المتظاهرون المناهضون للحرب على ذلك في عام 1969. وبدلاً من الهرب، سعوا لتحقيق “سلام بشرف”. فقد كانت استراتيجيتهم المتمثلة في “الفتنمة” (صفة لفيتنام) في الواقع نسخة مما تفعله الولايات المتحدة في أوكرانيا اليوم حيث توفر الأسلحة حتى تتمكن البلاد من الكفاح من أجل الحفاظ على استقلالها، بدلاً من الاعتماد على الجنود الأمريكيين على الأرض.

سوف يحدث ضجة أكبر في الجامعات المماثلة لـ”هارفارد” و “ييل” عندما يرون “نيكسون” كواحد من النماذج الستة تحت قيادة “كيسنجر”، بالإضافة إلى المودة التي تجمعهم مع “كونراد أديناور” ( أول مستشار لألمانيا)، و”شارل ديغول” (رئيس فرنسا سابقا)، والرئيس المصري السابق “أنور السادات”، وأول رئيس وزراء لسنغافورة “لي كوان يو”، و”مارجريت تاتشر” (رئيسة وزراء بريطانيا) التي ستسبب ضجة أيضا في جامعات أكسفورد وكامبردج.
سألت “كيسنجر”: كيف يستحق نيكسون تخصيص فصل له في كتاب القيادة وهو الرئيس الوحيد الذي أجبر على الاستقالة؟ أليس هو مثال يُدرس عن كيفية عدم القيادة؟ فرد “كيسنجر” بحكمه الموجز على قضية “ووترغيت” الذي قدمه “برايس هارلو” وهو عامل الهاتف المتمرس في واشنطن الذي عينه نيكسون ليكن على اتصال بالكونغرس. حيث قال “كيسنجر”: “هناك أحمق لعين دخل إلى المكتب في البيت الأبيض وفعل ما قيل له”. هذا يعني أن شخصاً ما في البيت الأبيض أخذ كلام نيسكون بمعناه الحرفي ونفذه.

يقول “كيسنجر”: “كمبدأ عام، يدين المساعدون لرؤسائهم في السياسة بألا ينفذوا تصريحات عاطفية (حول) أشياء نعرف أنهم لن يفعلوها إذا أعادوا التفكير بها. وأضاف: ” ففي نفس اللحظة كان نيكسون يعطي أوامر شفهية مفرطة لعدة مرات، لمجرد الاندماج مع الشخص المرافق له. فقد تعلم “كيسنجر” ألا يتصرف بسرعة في كل مرة أمره فيها نيكسون بـ “أن يقصف” شخص ما “ويرسله إلى الجحيم”.
جادل “كيسنجر” قائلاً: “إذا نظرت إلى قضية ووترغيت، ستجد أنها حقاً سلسلة من التجاوزات. بدءاً من اقتحام مقر اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي المنافس، والتي أمرها عدد من السياسيين لإعادة انتخاب نيكسون في عام 1972. فقد اجتمعت تلك التجاوزات في تحقيق واحد”. واعتقدت حينها وأعتقد الآن أنهم يستحقون اللوم على ذلك ؛ فلم يطلب أحد منهم عزله من منصبه”.

من وجهة نظر “كيسنجر”، كانت قضية ووترغيت كارثة لأنها دمرت استراتيجية السياسة الخارجية البارعة التي ابتكرها هو ونيكسون لتعزيز موقف الولايات المتحدة والتي كانت ستخسر الحرب الباردة بالفعل عندما تولى السلطة في يناير 1969، وأضاف “كيسنجر” متذكرا ما حدث: “كانت لدينا خطة رائعة”. فقد أراد (نيكسون) إنهاء حرب فيتنام بشروط شريفة حيث أراد أن يمنح حلف الناتو توجهاً استراتيجياً جديداً. وقبل كل شيء أراد تجنب الصراع (النووي) (مع الاتحاد السوفيتي) من خلال سياسة الحد من التسلح.
وبعد ذلك كان لغز الصين المجهول. فقد أعلن (نيكسون) منذ يومه الأول أنه يريد الانفتاح على الصين.
لقد أدرك أن هذه كانت فرصة استراتيجية، وإن كان هناك خصمين للولايات المتحدة في صراع مع بعضهما البعض”. ففي إشارة إلى الحرب الحدودية التي اندلعت بين الاتحاد السوفيتي والصين في عام 1969، بعد أن انقسمت أكبر قوتين شيوعيتين حول قضايا أيديولوجية قبل ذلك بثماني سنوات. فقد أعرب “كيسنجر” قائلا: “بالنيابة عنه أعطيت تعليمات لمحاولة تقوية علاقتنا مع الصين وروسيا لتصبح أقوى من علاقتهما ببعض. وأضاف: “حدثت هذه الاتجاهات في العام الذي سبق اندلاع فضيحة ووترغيت”.

“بحلول نهاية (رئاسة نيكسون) كان هناك سلام في فيتنام كان من ضمن شروطه أنه رئيس مشرف ومستدام من قبل رئيس يتمتع بدعم محلي من فيتنام. فقد قمنا بإعادة صياغة سياسة الشرق الأوسط”. حيث طُرد السوفييت فعليا من المنطقة وتم اعتبار الولايات المتحدة كوسيط سلام بين العرب والإسرائيليين. وأضاف قائلا: “لقد انفتحنا على الصين و (تفاوضنا على الحد من الأسلحة الاستراتيجية) مع روسيا. ولكن للأسف تفكك الدعم المحلي. فبدلا من استغلال تلك الفرص، أجبرتنا حادثة نيكسون الكارثية على أن نحافظ على تمسكنا ببعض فقط”.
يعد نيكسون الذي خرج من قيادة “كيسنجر” شخصية مأساوية وخبير استراتيجي محاط بأشخاص منعدومي الضمير. فحتى الجريمة التي ارتكبها الفريق الذي كان السبب في إعادة انتخابه لم تدمر رئاسته فحسب، بل دمرت أيضاً فيتنام الجنوبية. ولم يكن هذا كل شيء. وبحسب “كيسنجر”، كانت الهزيمة في فيتنام هي التي وضعت الولايات المتحدة على دوامة من الاستقطاب السياسي.
فحسب ما ذكره “قدّم الصراع نوعا من النقاش العام الذي تم إجراؤه بشكل متزايد وهو أقل جوهرية من الدوافع والهويات السياسية. لقد حل الغضب محل الحوار كوسيلة لحدوث جدال، وأصبح الجدال صراعا بين الثقافات”.
وأضاف “كيسنجر”: “أتساءل ما إذا كانت الولايات المتحدة أكثر انقساما اليوم مما كانت عليه في زمن فيتنام”.
الإجابة: “نعم، أكثر بكثير”.

طلبت منه منذهلا أن يوضح سبب ذلك. وبحسب ما ذكره فأنه في أوائل عام 1970 كان لا يزال هناك احتمال حدوث شراكة بين الحزبين. حيث أعرب “كيسنجر”: “يعد مصطلح المصلحة الوطنية ذا معنى، فهو أمر لا جدال فيه. حيث تواجه كل إدارة الآن العداء المتواصل للمعارضة وبطريقة مبنية على فرضيات مختلفة. يدور جدل الآن في أمريكا – وهو غير معلن ولكنه حقيقي للغاية – حول ما إذا كانت القيم الأساسية لأمريكا قانونية “، أي المكانة المقدسة للدستور وأولوية الحرية الفردية والمساواة أمام القانون.
يعد “كيسنجر” جمهوريا منذ عقد 1950 فهو يتجنب القول صراحة بأن هناك عناصر في اليمين الأمريكي تشكك الآن في تلك القيم. لكن من الواضح أنه لم يكن متحمسا لمثل هذه الأنواع الشعبوية أكثر مما كان عليه في أيام “باري غولدووتر” المرشح الرئاسي لعام 1960 الذي كان مدافعا عن الفردية ومناهضا شرسا للشيوعية.
وأضاف “كيسنجر” إن الناس يجادلون الآن بخصوص اليسار التقدمي وأعرب قائلا: “ما لم يتم قلب هذه القيم الأساسية، وتغيير مبادئ تنفيذها فلن يكون لدينا حق أخلاقي حتى في تنفيذ سياستنا الداخلية، ناهيك عن سياستنا الخارجية. وعلق : ” هذا ” ليس رأياً شائعاً حتى الآن، لكنه خبيث بما يكفي لدفع كل شيء آخر في اتجاهه ومنع توحيد السياسات. فهو رأي مجموعة كبيرة من المجتمع الفكري، وربما تسيطر على جميع الجامعات والعديد من وسائل الإعلام”.
وسألته: “هل يمكن لأي قائد أن يقوم بإصلاح هذا؟”
رد قائلا: “ماذا سيحدث إذا كان لديك انقسامات لا يمكن تجاوزها، فأنت أمام أحد الأمرين. إما أن ينهار المجتمع ولن يعود قادرا على تنفيذ مهامه تحت أي من القيادتين، أو أنه – القائد – يتجاوز الأمر”.
فسألته: “هل يحتاج الأمر إلى صدمة خارجية أو عدو خارجي؟”
فأجاب: “نعم هي طريقة للقيام بذلك. أو يمكن أن يكون لديك أزمة داخلية لا يمكن السيطرة عليها”

أعدته بالحديث إلى أقدم القادة الذين ورد ذكرهم في كتابه وهو “كونراد أديناور” الذي أصبح في عام 1949 أول مستشار لألمانيا الغربية. ففي اجتماعهم الأخير – وبالطبع كان كيسنجر يعرف الستة (المذكورين سابقا) شخصيا- سأل “أديناور”: “هل لا يزال أي قادة قادرين على اتباع سياسة حقيقية بعيدة المدى؟ هل القيادة الحقيقية لا تزال ممكنة اليوم؟”

هذا هو بالتأكيد السؤال الذي يطرحه “كيسنجر” نفسه حتى بعد ما يقرب من ستة عقود.
حيث أعرب “كيسنجر” قائلا: “لقد أصبحت القيادة أكثر صعوبة بسبب الجمع بين الشبكات الاجتماعية والأساليب الجديدة للصحافة والإنترنت والتلفزيون، وكلها تركز الاهتمام على المدى القصير”. وهذا يقودنا إلى وجهة نظره المميزة جدا للقيادة. فالصفات المشتركة التي تجمع بين مجموعة القادة المختارة هي خمس صفات: يبصرون حقائق صعبة، ولديهم رؤية وكانوا يملكون الجرأة. لكنهم كانوا أيضاً قادرين على قضاء الوقت بمفردهم في عزلة. ولم يخشوا الانقسام.
وأعرب “كيسنجر” قائلا: “يجب أن تكون هناك لحظة في حياة القائد”، مشيراً إلى زمن “أديناور” في المنفى الداخلي في ألمانيا النازية في عهد “شارل ديغول” (رئيس فرنسا حينها) حيث كان أول سجين ألماني في الحرب العالمية الأولى ؛ وكذلك سنوات الحياة البرية لنيكسون في منتصف الستينيات بعد أن خسر عطاءاته لمنصب الرئاسة وحاكم كاليفورنيا ؛ والسادات دخل السجن عندما كانت مصر لا تزال تحت السيطرة البريطانية. فتدور بعض المقاطع الأكثر لفتاً للانتباه في الكتاب حول فترات العزلة هذه. فقد كتب “ديغول”: “يجب أن تصبح السيطرة على النفس نوعاً من العادة أي أنه رد فعل أخلاقي يكتسبه المرء فيكون مرنا ومليئا بالإرادة وخاصة في أصغر الأشياء: اللباس والمحادثة، والطريقة التي يفكر بها”.
أطلق الرئيس الفرنسي المستقبلي في عام 1932 على “الانضباط الذاتي المستمر” أنه ثمن القيادة أي “تحمل المخاطر باستمرار، والصراع الداخلي الدائم”. فقد تختلف درجة المعاناة باختلاف مزاج الفرد ؛ ولكن لا بد أن يكون معذبا بدرجة لا تقل عن قماش الخيش “. كان “ديغول” شخصية شديدة التعاطف من الداخل، كما كشف حبه لابنته “آن” التي كانت مصابة بمتلازمة داون. ولكنه من الخارج كان رجلاً صارماً، منعزلاً، معادياً حتى للحلفاء.
ننتقل إلى “مارجريت تاتشر” والتي أوضح كيسنجر من خلال حديثه أنه يكن لها كل المودة والاحترام. ففي مرحلة مبكرة من حرب “الفوكلاند”، وبعد أن أطلعها وزير الخارجية البريطاني “فرانسيس بيم”، سألها “كيسنجر” عن شكل الحل الدبلوماسي الذي تفضله، فردت بغضب: “لن يكون لدي أي حل وسط! كيف يمكنك يا صديقي القديم؟ كيف يمكنك أن تقول هذه الأشياء؟”

يتذكر “كيسنجر” ما حدث قائلا: “لقد كانت غاضبة جداً”، لم يكن لدي قلب لأشرح أن الفكرة لم تكن لي وإنما هي فكرة رئيسها الدبلوماسي”.
أعتقد أن رئيس الوزراء الحالي “بوريس جونسون”، هو تقريبا عكس كلمة زعيم كما يصفه “كيسنجر”. من المؤكد أنه لم يكن هناك الكثير من الانضباط الذاتي المستمر ل”ديغول” في “داونينج ستريت” مؤخراً. وأدهشني إجابة كيسنجر مرة أخرى حين قال: “فيما يتعلق بالتاريخ البريطاني، كان لديه مسيرة مهنية مذهلة لتغيير اتجاه بريطانيا في أوروبا، والتي سيتم إدراجها بالتأكيد كواحدة من التحولات المهمة في التاريخ”، وأضاف قائلا: “ولكن غالباً ما يحدث أن الأشخاص الذين يكملون مهمة واحدة عظيمة لا يمكنهم تطبيق صفاتهم على تنفيذها، أي كيفية إضفاء الطابع المؤسسي عليها”.
وبخصوص اختيار قادة اليوم بعناية بشكل عام أعرب قائلا : “لن أقول الحقيقة إذا قلت أن مستوى (القيادة) مناسب للتحدي”، وأضاف: ” أنا أعارض فكرة أننا حاصلين على ماجيستير في القيادة، قياسا لرئيس أوكرانيا لأنه ممثل كوميدي تحول فجأة إلى بطل حرب”. ويوافق كيسنجر على ذلك قائلاً: “لا شك في أن زيلينسكي قد أدى مهمة تاريخية”. إنه أتى من خلفية لم تظهر قط في القيادة الأوكرانية في أي فترة من التاريخ”. بالمناسبة زيلينسكي يهودي مثل كيسنجر. وأضاف “كيسنجر” قائلا: “لقد كان رئيساً بالصدفة بسبب غضب الأوكران من السياسة الداخلية. ثم واجه محاولة روسيا لإعادة أوكرانيا تابعة كلياً لها. فقد حشد دولته ووضع رأي العالم خلفه بطريقة سيتذكرها التاريخ. هذا إنجاز العظيم”.

ومع ذلك يبقى السؤال: “هل يمكنه الحفاظ على ذلك ويصنع السلام، وخاصة السلام الذي يحتاج إلى بعض التضحية؟”

سألته عن أفكاره بشأن عدو “زيلينسكي” وهو الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، الذي التقى به في مناسبات عديدة، فيعود بالتاريخ إلى لقاء بالصدفة في أوائل التسعينيات، عندما كان بوتين نائب عمدة “سان بطرسبرج”، أعرب “كيسنجر” قائلا: “اعتقدت أنه كان محللاً محنكاً وذلك استناداً إلى نظرتي إلى روسيا كنوع من الكيان الروحاني الذي تماسك معاً عبر 11 منطقة زمنية عن طريق بذل نوع من الجهد الروحي. فمن منطلق تلك الرؤية، أعتقد أن أوكرانيا لعبت دوراً خاصاً. فقد جاء السويديون والفرنسيون والألمان من قبل عبر تلك المنطقة (عندما غزوا روسيا) وهُزموا جزئياً لأن روسيا أرهقتهم”. هذه هي وجهة نظره بشأن (بوتين).
ومع ذلك، فإن وجهة النظر تلك تتعارض مع فترات من تاريخ أوكرانيا التي ميزتها عن الإمبراطورية الروسية. فيقول “كيسنجر”: ” إن مشكلة بوتين هي أنه “رئيس دولة آخذة في التدهور” و فقد إحساسه تدريجياً مع هذه الأزمة”. فليس هناك (عذر) لما فعله هذا العام”.
يذكرني “كيسنجر” بالمقال الذي كتبه في عام 2014، وقت ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، حيث كان ضد فكرة انضمام أوكرانيا إلى الناتو، واقترح بدلاً من ذلك وضعاً محايداً مثل فنلندا، وحذر من مواصلة الحديث عن شروط عضوية الناتو حتى لا نتعرض لمخاطرة الحرب. والآن بالطبع، تقترح فنلندا الانضمام إلى الناتو إلى جانب السويد.

هل الناتو الآن يتسع أكبر من اللازم؟
رد “كيسنجر” على هذا السؤال قائلا: “الناتو هو التحالف المناسب لمواجهة روسيا العدوانية والذي يمثل التهديد الرئيسي للسلام العالمي”. “، وقد نما الناتو ليصبح مؤسسة تعكس التعاون الأوروبي والأمريكي بطريقة تكاد تكون فريدة من نوعها لذلك من المهم الحفاظ عليها. ولكن من المهم أن ندرك أن القضايا الكبرى ستحدث في العلاقات بين الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا وأمريكا. وحلف الناتو هو مؤسسة لا تحتوي بالضرورة على آراء متوافقة. فهم اجتمعوا معاً في أوكرانيا لأن ذلك يذكرنا بالتهديدات (القديمة) وقد قاموا بعمل جيد للغاية، وأنا أؤيد ما فعلوه”.
السؤال الآن هو كيفية إنهاء تلك الحرب. ففي نهاية المطاف يجب إيجاد مكان لأوكرانيا ويجب إيجاد مكان لروسيا. هذا إذا كنا لا نريد أن تصبح روسيا بؤرة استيطانية للصين في أوروبا”.

ذكرته بمحادثة أجريناها في بكين في أواخر عام 2019، عندما سألته عما إذا كنا بالفعل في “الحرب الباردة الثانية”، ولكن الآن تلعب الصين دور الاتحاد السوفيتي. فأجاب بشكل لا يُنسى قائلا: “نحن في قمة جبال الحرب الباردة.” وبعد ذلك قام بتحسين ذلك إلى “في الممرات الجبلية للحرب الباردة”. فأين نحن الان؟
وأضاف قائلا: “الولايات المتحدة والصين هما دولتان تتمتعان بالقدرة على الهيمنة على العالم. حيث تواجهان بعضهما البعض باعتبارهما المتنافسين النهائيين. فكل منهما تحكمها أنظمة محلية غير متوافقة. وهذا يحدث عندما يعني مصطلح التكنولوجيا أن الحرب ستؤدي إلى انتكاس الحضارة، إن لم تكن ستدمرها”.
وبعبارة أخرى، هل من المحتمل أن تكون الحرب الباردة الثانية أكثر خطورة من الحرب الباردة الأولى؟ إجابة “كيسنجر” هي نعم، لأن كلتا القوتين العظميتين لديهما الآن موارد اقتصادية مماثلة (وهو ما لم يكن كذلك في الحرب الباردة الأولى) وتقنيات التدمير أكثر رعباً، خاصة مع ظهور الذكاء الاصطناعي. لذلك فإن “كيسنجر” ليس لديه أدنى شك في أن الصين وأمريكا هما الآن خصمان. إن انتظار الصين أن تصبح غربية لم يعد استراتيجية معقولة، وأضاف قائلا: “لا أعتقد أن الهيمنة على العالم مفهوم صيني، لكن من الممكن أن تصبح قوية للغاية. وهذا ليس في مصلحتنا “. وحسب “كيسنجر” ومع ذلك فإن القوتين العظميتين “لديهما حد أدنى من الالتزام المشترك لمنع حدوث (تصادم كارثي)”. وكانت هذه في الواقع وجهة نظره الرئيسية في قضية “دافوس” (مدينة في سويسرا)، على الرغم من أنها مرت دون أن يلاحظها أحد إلى حد كبير.

وأعرب “كيسنجر” قائلا: “يبدو أننا في الغرب لدينا مهام غير متوافقة. فأنت بحاجة لمنشآت دفاعية قادرة على مواجهة التحديات الحديثة. وفي نفس الوقت تحتاج إلى نوع من التعبير الإيجابي عن مجتمعك بحيث تكون هذه الجهود باسم شيء ما، وإلا فلن تستمر. ثانياً، أنت بحاجة إلى مفهوم التعاون مع المجتمع الآخر، لأنه لا يمكنك الآن العمل على أي مفهوم لتدميرهم. لذا فإن الحوار ضروري”.
وعلقت قائلا: “لكن هذا الحوار توقف الآن”.

“بصرف النظر عن بث المظالم التي تحدث. ما يقلقني بشدة ما نحن بصدد الذهاب إليه وهو أنه دول أخرى ستسعى لاستغلال هذا التنافس دون فهم جوانبها الفريدة. ففي اعتقادي بالنسبة إلى العدد المتزايد من البلدان التي تسعى إلى الحصول على مساعدات اقتصادية وعسكرية من قوة عظمى واحدة أو أخرى. فنحن مقبلون على فترة صعبة للغاية”.

تساءلت عما إذا كان “كيسنجر” يفكر في نفسه كقائد. فأجابني قائلا: “سابقا ربما لم أفعل. ولكني أفعل الآن. ليس بالمعنى الكامل (لكن) أحاول أن أكون قائداً. حيث تحتوي جميع الكتب التي كتبتها على عنصر “كيف تصل إلى المستقبل؟”

أعتقد أن هذا حياء مفرط منه. فبعد أن ترأس “كيسنجر” مجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية، وفي بعض الأحيان خلال ووترغيت تولى حكومة الولايات المتحدة بشكل فعلي، فهو قائد مؤهل بالكامل، حتى لو لم يكن منتخباً على الإطلاق.
جاء وقت المغادرة. ربما لا يزال الرجل البالغ تسعة وتسعين من عمره يتحدث لمليء الأسطوانات، ولكنني كنت مرهقا ولدي طائرة لألحقها.
يدفعني إلهام أخير إلى التساؤل عن النتيجة الطبيعية الضرورية للقيادة. فتساءلت: “ماذا عن التبعية؟ هل مهارات التبعية انخفضت أيضاً؟ هل الناس أقل استعداداً ليقودهم شخص ما؟”

أومأ برأسه مجيباً: “نعم” والمفارقة هي أننا بحاجة إلى القيادة أكبر من أي وقت مضى”.

هناك من سيواصل بلا شك نقد “هنري كيسنجر” وتجاهل أو الاستخفاف بما يقول. يمكنه تجاهل الكارهين بما أنه يبلغ التاسعة والتسعين. ومع ذلك لم يفقد دافعه للقيادة. فحسب ما كتبه: “القيادة ضرورية لمساعدة الناس على الوصول من حيث هم إلى حيث لم يكونوا من قبل، ففي بعض الأحيان، هم بالكاد يمكن أن يتخيلوا مستقبلهم. فبدون القيادة، تنحرف المؤسسات، وتتحايل الدول على اللامبالاة المتزايدة، وفي النهاية، تقع كارثة”.

أنت غير ملزم بأن تكون تابعا. ولكن الانجراف إلى كارثة دون أي قيادة أو الأسوأ من ذلك، هي قيادة مزيفة محرومة من الانضباط الذاتي فتبدو بالنسبة لي فكرة أسوأ.

مؤلف كتاب “كيسنجر” هو “نيال فيرجسون” 1923-1968 وهو زميل أول في عائلة ميلبانك في مؤسسة هوفر. وسيتم الانتهاء من المجلد الثاني في عام 2023.

مقاومة رئيس الوزراء البريطاني السابق لدخول أي نوع من الوسطاء تركت انطباعاً دائماً
منذ لقائنا الأول (في عام 1973، عندما كانت تاتشر وزيرة التعليم)، ثبتت حيوية تاتشر والتزامها ومفهومها عن القيادة في ذهني. وقد راهن الكل على سياسي آخر في تلك الحقبة تقريباً بأنه سيفوز بالانتخابات، وأنه يجب على المرء أن يسيطر على المركز. ولكن اعترضت تاتشر. وأكدت أن هذا النهج يرقى إلى مستوى تقويض الديمقراطية. فلا بد من أن تتعارض وجهات النظر المختلفة، مما يخلق خيارات حقيقية للناخب.
كان الحدث الذي ساعد في تشكيل علاقتنا المزدهرة هو زيارة تاتشر إلى واشنطن في سبتمبر 1977. فقد نصح مستشار الأمن القومي “زبيغنيو بريجنسكي” الرئيس “كارتر” بأن يقوم بعمل جدول زمني ثقيل ورفض مقابلة تاتشر. كارتر كان ملزما بذلك. ونتيجة لذلك، تمت معاملة تاتشر باهتمام أقل مما كانت تتوقعه نظراً لمشاعرها الدافئة تجاه الولايات المتحدة.
وأضاف “كيسنجر” قائلا: “دعوتها أنا ونانسي زوجتي لتناول العشاء في إحدى الأمسيات، مع شخصيات بارزة في واشنطن من كلا الطرفين، وهي مناسبة غير رسمية ولكنها حددت نغمة اجتماعاتنا المستقبلية. وبعد أن أصبحت تاتشر رئيسة للوزراء، دعتني عموماً لإجراء مناقشات خاصة لتبادل وجهات النظر حول الموضوعات الدولية أو ببساطة لمراجعة الآراء السائدة في وزارة الخارجية مقابل تحليلي الخاص للشؤون الدولية”.
بعد فترة وجيزة أصبحت تاتشر زعيمة لحزب المحافظين، فقد أوضحت مفاهيمها في اجتماع معي خلال وجبة إفطار إنجليزية تقليدية في مطعم “كلاريدج”. وأوضحت بتعبير واضح ومدروس إن لم يكن طموحها أقل من تغيير البلاد. فقد كانت تهدف إلى القيام بذلك ليس من خلال اتباع حل وسط غامض، ولكن من خلال صياغة برنامج يجعل الوسطاء يرون الأشياء كما هي فعلت. فإن خطابها وسياساتها سيضربان تناقضاً حقيقياً مع الحكمة التقليدية الراسخة التي حُكمت على بريطانيا بالركود من وجهة نظرها. وبعد فوزها في الانتخابات التالية، ستقوم بإصلاحات جوهرية للتغلب على الحكمة التقليدية، وعقيدة الرضا عن الذات، والسلبية المتعلقة بويلات التضخم، وسلطة النقابات العمالية أو عدم كفاءة المؤسسات المملوكة للدولة.

حسب “تاتشر”، هناك عقبات لا يمكن التغلب عليها. ولكن كانت السياسة كلها تخضع للتدقيق. وصرحت أنه لم يكن كافياً بالنسبة للمحافظين أن يتخلصوا من الأطراف الخشنة للاشتراكية. فقد اضطروا إلى دحر الدولة قبل أن ينهار الاقتصاد البريطاني بطريقة كارثية. كانت صادقة بشكل قاطع في مجال الشؤون الخارجية بسبب قلة خبرتها، معترفة بأنها لم تصغ بعد أفكارها التفصيلية الخاصة بها. ولكنها أوضحت أنها تؤمن بشدة بـ “العلاقة الخاصة” مع الولايات المتحدة.
استمرت اجتماعاتنا لفترة طويلة بعد ترك “تاتشر” لمنصبها ولباقي حياتها. فيمكنني وصف علاقتنا بهذه الطريقة لإثبات نقطة: فعلى عكس رئيس الولايات المتحدة، لا يملك رئيس الوزراء البريطاني القدرة على تجاوز مجلس الوزراء والحفاظ على حكومته أو حكومتها. فقد كانت تاتشر تدرك هذه الحدود. وكانت تدعو أصدقاءها في بريطانيا وحول العالم لمناقشة رؤيتها وخياراتها لتعويضها عن ذلك.

لقد غيرت إصلاحات “تاتشر” الاقتصادية بريطانيا بشكل لا رجوع فيه. فقد تولت منصباً رفيعاً بعد سنوات من التدهور الوطني الواضح. وبلغ معدل التضخم 18 في المائة في عام 1980، وانخفض إلى 8 في المائة بحلول عام 1990 عندما تركت منصبها. وبالمثل، انخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة بحلول عام 1990. وفي عام 1983، غادر ما يقرب من 100 ألف عامل بريطانيا، ولكن بحلول عام 1990 كان يصل أكثر من 200 ألف سنوياً. وانخفض عدد أيام العمل الضائعة بسبب النزاعات العمالية من 29.5 مليون في عام 1979 إلى 1.9 مليون في عام 1990.
قادت “تاتشر” حزب المحافظين إلى ثلاثة انتصارات انتخابية متتالية مع تحسن الاقتصاد. ومن ناحية أخرى، لم تنجح تاتشر أبداً في كسب إجماع واسع لصالح إصلاحاتها الاقتصادية، حتى بعد أن بدأت تظهر نتائجها. ولقد كانت موضع إعجاب الكثيرين وأحبها البعض، ولكن استاء منها كثير من الطبقة العاملة والمثقفين ذوي الميول اليسارية بسبب جهود فترة الإصلاح. تم إحياء مفهوم تاتشر في عام 1988 على أنها فاترة القلب من خلال تبنيها لـ “مسئولية المجتمع” (وهي ضريبة ثابتة تم فرضها لتمويل الحكومة المحلية والتي أطلق عليها اسم “ضريبة الاقتراع”)، والتي أثارت احتجاجات واسعة النطاق وساهمت في تشكيلها السياسي في نهاية المطاف. وأدى إلى سقوطها.

وأضاف “كيسنجر” قائلا: “على النقيض من ذلك، حققت “تاتشر” تأثيراً دائماً على الآراء الاقتصادية للناخب المتوسط والنخب السياسية. وبعد سبع سنوات من مغادرة تاتشر للمنصب، تم انتخاب حكومة حزب العمال الجديد برئاسة “توني بلير” في عام 1997. وكتبت لها رسالة تهنئة لوضع الأساس لهذا التحول الكبير بعيداً عن حزب اليسار فكان نص الرسالة:
“لم أعتقد أبداً أنني سأهنئك على فوز حزب العمال في الانتخابات البريطانية، لكن لا يمكنني تخيل أي شيء من شأنه أن يؤكد أن ثورتك أكبر من برنامج بلير. يبدو لي جيداً أنه من اليمين من حكومة المحافظين التي سبقت حكومتك”

على الرغم من المعاناة التي واجهتها “تاتشر” بسبب الظروف التي أجبرت في ظلها على ترك منصبها، إلا أنها فرحت بسبب هذه المناسبة بشكل كبير. فقد ردت على رسالتي قائلة: “أعتقد أن تحليلك هو الصحيح، لكن جعل خصم المرء السياسي قابلاً للانتخاب ثم انتخابه لم يكن بالضبط الاستراتيجية التي كنت أفكر فيها”.

بعد أسبوعين من تولي “بلير” مهام منصبه والذي أثار ذعر جناحه الأيسر فقد دعا “بلير” السيدة “تاتشر” لتناول الشاي في 10 داونينج ستريت. فظاهرياً، كان الغرض من الاجتماع هو طلب مشورتها فيما يتعلق بالقمة الأوروبية المقبلة، ولكن من الواضح أنه كان هناك أيضاً عنصر الإعجاب الشخصي. وبالمثل، وبعد عشر سنوات، حرص خليفة بلير “جوردون براون”، على توجيه دعوة مماثلة لـ”تاتشر” خلال الأشهر الثلاثة الأولى له كرئيس للوزراء. وفي تلك المناسبة، شوهدت تاتشر وهي تغادر منزل رئيس الوزراء ومعها مجموعة من الزهور في يديها. وكان هذا دليلاً على أنها حققت الهدف الذي وضعته في السبعينيات المشؤومة وهو إنشاء مركز جديد لها.

ترجمة وتحرير: مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام)
المصدر: صحيفة التايم اللندنية