أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
الدعوة لمقاطعة الانتخابات :
لم تكد تبدأ الانتخابات حتى دعت الحركة الوطنية الى مقاطعتها، فأدى ذلك الى استقالة اللجان الانتخابية في بعض المدن العراقية، ولم تستطيع الحكومة تأليف تلك اللجان في مناطق اخرى، وواجهت صعوبات في تشكيل الهيئة التنفيذية في بغداد. فالمعارضة اعتبرت الانتخابات اسلوبا بريطانيا لترسيخ سلطتها في العراق، وقدمت مذكرة الى الملك فيصل الأول طالبت فيها الحصول على الاستقلال التام ورفض المعاهدة واطلاق حرية الصحافة والأحزاب واعلنت معارضتها للانتخابات.
كما أصدر عددا من العلماء الفتاوى بتحريم المشاركة بالانتخابات، الا بتحقيق مطاليب الشعب، التي ذكرناها آنفا، وعدوا ذلك مطالب وطنية لإثبات حسن نية الحكومة لإجراء الانتخابات، واذا لم تستجب الحكومة لشروط ومطالب الحركة الوطنية،فإن الحركة الوطنية قررت مقاطعة الانتخابات في أغلب أنحاء العراق وخصوصا في بغداد والموصل لأنها رأت أن اجراءها في ظل الانتداب تثبيت للاستعمار.
ومن الجدير بالذكر أن المقاطعة لم تقتصر على المسلمين وحدهم، فقد ظهرت اعلانات موجهة الى المسيحيين تخبرهم أن رجال الدين المسيحيين أفتوا بمقاطعة الانتخابات تمسكا بالوحدة الوطنية وحفظا للمصالح المشتركة ومؤازرة للمسلمين.
لقد كان لاستجابة العراقيين بمختلف قطاعاتهم لمقاطعة الانتخابات أثر واضح انتهى بفشل اجراء الانتخابات التي بدأت في تشرين الأول 1922، كما لم يستطع المجلس التأسيسي الانعقاد كما كان مقررا له في كانون الثاني 1923م.
على الرغم من ان وزير الداخلية (عبد المحسن السعدون) قد بدأ باتخاذ الخطوات الضرورية لبدء عملية الانتخاب، وأصدر بيانا دعا فيه الى التضامن والتعاضد وإلتزام السكينة – لأن السعدون كان يعتقد بضرورة اتباع سياسة حازمة اتجاه المعارضة وحملها على الاستجابة لمواقف الحكومة والانصياع لأوامرها- لكنه لم ينفع، لذا توجب على الحكومة أن تتجه الى ازالة الأسباب التي أدت الى وقف الانتخابات للسير بها من جديد ليتمخض عنها مجلس تأسيسي منتخب.
وفي 12 آذار 1923 توجه الملك فيصل الأول الى الموصل، وقد استقبله الأهالي فيها استقبالا حارا، مظهرين تمسكهم بوحدة التراب العراقي. وفي مأدبة أقامها وجهاء المدينة، ألقى الملك كلمة أكد فيها ضرورة عقد المجلس التأسيسي لغرض الدخول الى عصبة الامم.
من جانبه قام علي جودة الأيوبي – وزير الداخلية- بزيارة الموصل لدعوة المعارضين فيها للإسهام في الانتخابات. ورأى الأيوبي أن الموصل كانت من أشد المناطق في العراق معارضة لهذه الانتخابات، وقال عنها: “… كانت من أشد المناطق في العراق معارضة لهذه الانتخابات” وأضاف: “… في بعض المناطق كانت تقوم معارضة شديدة لإجراء الانتخابات وأشدها معارضة في الموصل، لذلك ذهبت اليها وأقنعت المعارضين بفكرة الانتخابات ودعوتهم الى المساهمة فيها، بعد أن ضمنت لهم حرية الانتخابات وازالة أسباب الشكوى والتذمر…”.
وقد تقابل الملك فيصل الأول والمندوب السامي البريطاني (هنري روبس) في 30 أيار 1923، فأخبر الملك المندوب بأنه لن تكون هناك صعوبة الآن في اجراء الانتخابات في ولاية الموصل، كما أبلغه بأن الوقت مناسب لإجراء الانتخابات في جميع أنحاء العراق في أقرب ما يمكن.
قامت وزارة الداخلية بتوجيه كتاب سري في 13 حزيران 1923 الى جميع المتصرفين تطلب منهم توضيح الظروف التي تعيشها ألويتهم لدراسة امكانية اجراء انتخابات المجلس التأسيسي، فكانت الاجابات ايجابية، وعلى أثرها عقد مجلس الوزراء جلسة خاصة في القصر الملكي ترأسها الملك فيصل الأول وحضرها عبد المحسن السعدون (رئيس الوزراء) وبقية الوزراء، وتقرر تجديد اللجان الانتخابية في الألوية كافة، وتقرر تعيين يوم الخميس 12 تموز 1923 موعدا للمباشرة في اجراء الانتخابات.
أعربت جريدة الاستقلال بعددها الصادر في 23 تموز 1923، عن تفاؤلها بفوز الوطنيين في انتخابات الهيئة التفتيشية في كل من بغداد والموصل.
وفي 27 آب 1923 بدأت مرحلة انتخاب الناخبين الثانويين، ويبدو أن تصدر المعارضين للساحة الانتخابية في بغداد والموصل قد أثار حفيظة المندوب السامي البريطاني فوجه في 31 آب 1923 رسالة الى كوراندليس – مستشار وزير الداخلية – طالب فيها اطلاع الملك ورئيس الوزراء عليها ومما جاء فيها : ” … ويظهر من التقارير أن المتطرفين ما زالت لهم الأكثرية الساحقة …” وطالب “بتحذير الحكومة من ذلك …”.
وفي 9 شباط 1924، أصدرت وزارة الداخلية بلاغا تضمن جدولا لتقسيم النواب على الألوية، بحسب قرار ديوان الانتخاب في جلسته المنعقدة في 7 شباط 1924، مبينا فيه عدد أعضاء المجلس التأسيسي الواجب انتخابهم في اللواء عن المدن والعشائر والطوائف غير المسلمة وكما يأتي :
| ت | اسم اللواء | عدد النواب للمدن | مقطوع العشائر | مقطوع المسيحيين | الملل اليهودية | مجموع عدد النواب لكل لواء |
| 1 | بغداد | 5 | 2 | 2 | 2 | 11 |
| 2 | الموصل | 9 | 2 | 2 | 1 | 14 |
| 3 | السليمانية | 3 | 2 | – | – | 5 |
| 4 | كركوك | 3 | 1 | – | 1 | 5 |
| 5 | أربيل | 7 | 1 | – | – | 8 |
| 6 | ديالى | 2 | 1 | – | – | 3 |
| 7 | الدليم | 4 | 1 | – | – | 5 |
| 8 | الحلة | 5 | 1 | – | – | 6 |
| 9 | كربلاء | 1 | – | – | – | 1 |
| 10 | الديوانية | 7 | 2 | – | – | 9 |
| 11 | الكوت | 3 | 2 | – | – | 5 |
| 12 | المنتفك | 7 | 2 | – | – | 9 |
| 13 | العمارة | 6 | 2 | – | – | 8 |
| 14 | البصرة | 8 | 1 | 1 | 1 | 11 |
| المجموع | 70 | 20 | 5 | 5 | 100 |
وهكذا تمكنت وزارة عبد المحسن السعدون الاولى (18 تشرين الثاني1922- و 22 تشرين الثاني1923) من اتمام عملية انتخاب المنتخبين الثانويين، ولكنها استقالت قبل اجراء انتخابات النواب، فألف الوزارة جعفر العسكري في 22 تشرين الثاني 1923 وقد نص منهاجها على انهاء انتخابات المجلس التأسيسي، وجمعه بأسرع وقت ممكن. فقررت وزارة الداخلية اجراء الانتخابات في 27 شباط 1924، وقد بذلت السلطة جهدها الواسع لفوز مرشحيها في هذه الانتخابات واتضح الأمر بتدخلها المباشر فيها لتحقيق ما ترمي اليه.
وبالفعل اجريت الانتخابات في 25 شباط 1924، وأعلنت عن الفائزين لعضوية المجلس التأسيسي وكما مبين أدناه :
| ت | اسم اللواء | العدد | اسماء الفائزين |
| 1 | بغداد | 11 | ناجي السويدي/ياسين الهاشمي/الشيخ أحمد داود/نوري السعيد/عبد الرزاق منير/الحاج أحمد الشويش/الحاج ناجي رئيس بلدية الكرادة/عبد الجبار الخياط/يوسف غنيمة/مناحيم صالح دانيال/الياهو حسقيل. |
| 2 | كربلاء | 1 | الشيخ عمران الحاج علوان |
| 3 | البصرة | 11 | عبد المحسن السعدون/عبد اللطيف المنديل/حامد النقيب/ياسين العامر/الشيخ حمد أمين علي/صالح ال عبد الواحد/عبود الملاك/عبد علي أفندي/فاخر حمد زكي/المحامي يوسف عبد الواحد/روبين سوميح. |
| 4 | الحلة | 6 | عبد الرزاق شريف/الشيخ عمران السعدون/رؤوف الجادرجي/مزاحم الباجه جي/سلمان البراك/الشيخ عداي الجريان. |
| 5 | اربيل | 8 | ابراهيم الحيدري/صبيح نشأت/داود الحيدري/ملا محمد/عبد الله مخلص/محمد شريف/الحاج بير داود/حسين الملا. |
| 6 | كركوك | 4 | صالح نفطجي زادة/الشيخ حبيب الطالباني/جميل بابان دارا/اسحق افرايم. |
| 7 | ديالى | 3 | جعفر العسكري/محمود النقيب/الشيخ حبيب الخيزران. |
| 8 | السليمانية | 6 | سعيد زادة/الشيخ قادر/عثمان زادة عزت/ميرزا فرج/فتاح زادة محمد/توفيق زادة أحمد. |
| 9 | الدليم | 5 | الشيخ علي السليمان/فخري جميل/عبد الرحمن الحيدري/فؤاد الدفتري/مهند تركي. |
| 10 | الديوانية | 9 | الشيخ عبد الواحد الحاج سكر/عباس علوان الياسري/عبد الرزاق الرويشيدي/الحاج عبد المحسن شلاش/عبد السادة عبد الحسين/الشيخ سلمان الظاهر/الشيخ رايح العطية/الشيخ شعلان أبو الجون/الشيخ مظهر الحاج كصب. |
| 11 | الموصل | 14 | آصف وفائي آل قاسم آغا/أحمد الغزري(وزير العدلية)/أمجد العمري/عبد الغني النقيب/علي جودة الايوبي/أمين المفتي/محمد شمدين أغا/الدكتور داود الجلبي/حمدي جلميران/الشيخ عجيل الياور/محمد رشيد تترخان البراوري/فتح الله سرسم/دكتور حنا زبوني/دكتور يحيى سميكة |
| 12 | المنتفك | 9 | السيد عبد المهدي/الشيخ موحان الخير الله/الشيخ سالم الخيون/الشيخ منشد الحبيب/عبد اللطيف جلبي معروف/محمد حسين حيدر/عبد الكريم السبستي/الشيخ زامل المناع. |
| 13 | العمارة | 8 | الشيخ صالح/الشيخ شبيب المزبان/الشيخ محمد العريبي/سلمان الحميد/الشيخ اسماعيل المحمود/الشيخ غضبان البنية. |
هكذا تمكنت السلطة من انهاء عملية الانتخابات في أجواء سياسية عاصفة خصوصا في بغداد والموصل بعد تمكنها بالتهديد والقمع والابعاد من ازاحة العناصر الوطنية عن ساحة الانتخابات . كما ظهر للعيان أن السلطات البريطانية قد اطمأنت الى النتائج التي تحققت بفوز أغلبية تميل الى ابرام المعاهدة العراقية – البريطانية – كما سنرى –

