قراءة تحليلية في المشهد السياسي العراقي

المقدمة:

إن الانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت في أكتوبر/تشرين الأول عام2021م، أفرزت واقع سياسياً جديداً أخلل بموازين القوى السياسية الحاكمة وقلب الموازين رأساً على عقب، بعد أن شهدت عزوفاً غير مسبوق عن المشاركة فيها، كما أفرزت نتائج الانتخابات فوز الكتلة الصدرية بمقاعد الكتلة الأكبر التي يحق لها تشكيل الحكومة القادمة، خصوصاً وأنه تحالف مع “حزب الأتحاد الديمقراطي الكردستاني”، و”تحالف السيادة” والذي أطلقوا عليه “التحالف الثلاثي” ثم أطلقوا عليه تحالف “أنقاذ وطن” حيث تم الاتفاق على تشكيل حكومة أغلبية وطنية لا يشترك فيها الفاسدين، الأمر الذي أعتراض عليه الإطار التنسيقي وأعتبره أضعاف لقوة المذهب وتفريط بحقوقه لأنه سوف يستثني شريحة واسعة من الشيعة من تشكيل الحكومة القادمة، والتي تتمثل بـ”الإطار التنسيقي” الذي يضم “حزب الأتحاد الوطني الكردستاني” و”تحالف الفتح”، وهذا ما جعل الطبقة السياسية تخفق في التوصل الى اتفاق حول تشكيل الحكومة منذ عشرة أشهر، والسبب في ذلك يعود الى بنية النظام السياسي الحاكم، والخلافات والانقسامات الداخلية، ومما زاد من تعقيد الأزمة السياسية هو أن الإطار التنسيقي لديه ميليشيات مسلحة تمتلك غطاء قانوني ضمن مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، ولديه أجنحة مسلحة أخرى تعمل خارج إطار القوات المسلحة، وهو مدعوم من الحرس الثوري الإيراني بقوة، وبنفس الوقت التيار الصدري لديه ميليشيات مسلحة لديها غطاء رسمي وتتمثل بـ”جيش المهدي”، و”اليوم الموعود”، و”سرايا السلام”، وهذا ما يجعل الطرفين يتوقفان في اللجوء الى الخيار العسكري الذي سيكون مكلف لجميع الأطراف، ومع هذا فهو قائم أكثر من أي وقت مضى، خاصةً بعد التسريبات الصوتية للمالكي التي بينت إمكانية تحول الصراع السياسي بين الفرقاء الى صراع مسلح لتصفية الحسابات من أجل البقاء.

تصاعد الخلافات حول تشكيل الحكومة بين الإطار والتيار:

إن أعلان التيار الصدري تفرده في تشكيل الحكومة بعيداً عن الإطار التنسيقي أدخل البلد في صراع جديد يخص المكون الشيعي وقضية تشكيل الحكومة القادمة، والتي يرى الإطار بأنها يجب أن تكون توافقية، وهذا ما يرفضه “مقتدى الصدر”، الأمر الذي أدخلنا في نفق جديد من الصراع السياسي المحتدم على السلطة والنفوذ والمصالح، وأدى الى تعطيل وتجاوز التوقيتات الدستورية، حيث تم أنتخاب رئيس البرلمان وتم ترديد القسم من قبل النواب الجدد، ثم بدأت قضية تشكيل الحكومة تزداد تعقيداً بعد إن فشلوا في توفير النصاب اللازم لأنتخاب رئيس الجمهورية بسبب الثلث المعطل الذي وفرته المحكمة الاتحادية للإطار التنسيقي، من خلال تفسير بعض فقرات الدستور الخاصة بالنصاب المطلوب والمدة الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية، علماً بأن هذا المنصب أصبح يشكل عقدة جديدة أمام التوافق الكردي بسبب التنافس والاختلاف على هذا المنصب بين “حزب الاتحاد الوطني الكردستاني”، الذي يرى بأن هذا المنصب كان من نصيبه طوال الفترة الماضية، وبين “حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني” الذي يرى بأن هذا المنصب ليس حكراً على حزب محدد، وهذه إشكالية جديدة ظهرت في المشهد السياسي الكردي منذ عام 2003.
اذا أردنا أن نتكلم دستورياً عما يجري في المشهد السياسي العراقي فنقول إن التيار الصدري فاز بالكتلة الأكبر في الانتخابات البرلمانية التي جرت في العام الماضي، واستطاع إن يحصل على مقاعد برلمانية وصلت الى(73) مقعد، بالاضافة الى المستقلين الذين التحقوا به لتصبح الكتلة الصدرية أمام استحقاق انتخابي وبرلماني ودستوري يؤهلها لتشكيل الحكومة القادمة، والتي وصفها “مقتدى الصدر” بأنها ستكون حكومة أغلبية وطنية لا شرقية ولا غربية، كي تتمكن من القيام بالإصلاح الذي ينشده في البلاد، في إشارة واضحة الى أنها لن تكون حكومة توافقية كما جرت عليها السنوات الماضية، الأمر الذي أثار حفيظة الإطار التنسيقي الذي يرى في ذلك تهميش وإقصاء لشريحة واسعة يمثلها الإطار الذي حاول التوصل الى اتفاق مع الصدريين ولكنه فشل في ذلك بسبب أصرار الصدر على شروطه في تشكيل الحكومة ومنع الفاسدين من الاشتراك فيها، مما دفع الإطار الى العمل على أيجاد سبل جديدة لإيقاف تشكيل الحكومة، وقد نجح في ذلك بعد أن فسرت المحكمة الاتحادية العليا النص القانوني فيما يخص الثلث المعطل، والذي جاء بما يتلائم مع مصالح الإطار التنسيقي وعلى حساب حق التيار الصدري في تشكيل الحكومة.

 الصدر يسحب نوابه من البرلمان:
لقد كانت خيارات الصدر واضحة حول تشكيل الحكومة وموقفه من الإطار التنسيقي الذي خاطبه بصورة مباشرة قائلا لهم: أما إن أشكل الحكومة مع التحالف الثلاثي وأنتم تذهبون للمعارضة!، أو أنتم تشكلون الحكومة وأنا أذهب إلى المعارضة فرضوا ذلك!، وأصروا على منع التيار من المضي في تشكيل الحكومة وهددوا باستخدام السلاح لمنع ذلك، مما دفع الصدر في أيار الماضي إلى إعلان عدم نجاح كتلته البرلمانية في تشكيل حكومة أغلبية وطنية، ومعلناً تحول الكتلة الصدرية الى المعارضة لإفساح المجال أمام الكتل الأخرى لتشكيل الحكومة وأعطاهم مدة زمنية حددت بـ(40) يوماً ولكنهم فشلوا في ذلك، حيث إصر الإطار على الذهاب سوياً لتشكيل الحكومة القادمة، الأمر الذي رفضه الصدر رفضاً قاطعاً ودفعه لأتخاذ قرار بوقف المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة، ثم قام بخطوة تصعيدية أخرى تمثلت بدعوة نوابه الى تقديم استقالتهم رسمياً من البرلمان في 12 حزيران الماضي دون تردد، الأمر الذي جعلهم محل مؤاخذات وانتقادات من قبل الجهات السياسية الأخرى، التي ترى بأن مصلحة العراق هي أكبر من أي شيء أخر، كما إن هذه الدعوة تلغي شخصية النائب في البرلمان العراقي، والذين ظهروا كأنهم تابعين ينفذون ما يملئ عليهم من زعيم التيار، الأمر الذي أدخل العراق في مزيد من التأزم السياسي والتصعيد الداخلي الخطير.

شروط الصدر للإطار حول تشكيل الحكومة:
إن هذه التطورات نقلت الصراع بين التيار والإطار من قبة البرلمان الى القواعد الشعبية، وذلك من خلال الدعوة لصلاة الجمعة في شارع الفلاح بمدينة الصدر بتاريخ 15 تموز الماضي، والتي دعا فيها جميع المكونات لحضور هذه الصلاة التي حملت رسائل سياسية واجتماعية متعددة للداخل والخارج، وقد حاول الصدر من خلالها أن يقدم نفسه كزعيم وطني وليس شيعي، علماً بأن الخطبة اتسمت بالتصعيد ورفع سقف المطاليب أزاء خصومه السياسيين، حيث قال خطيب الجمعة “محمود الجياشي”: فيما يخص شروط الصدر لتشكيل الحكومة قائلاً “الى من لا نحسن الظن بهم” اذا أردتم تشكيل الحكومة فلا مانع لدينا ولكن عليكم بتنفيذ الشروط التالية:

·      أن لا تكون الحكومة كسابقاتها، وحذر من أعاد تشكيل الحكومة من قبل أشخاص تم تجربتهم سابقاً،  كي لا تعود المأساة القديمة من مجازر وصفقات لبيع الوطن، في إشارة واضحة الى المالكي.

·      لا يمكن تشكيل حكومة مع وجود ميليشيات مسلحة منفلتة.

·      يجب محاسبة الفاسدين وإن يكونوا تحت طائلة القضاء النزيه.

·      اخراج ما تبقى من القوات المحتلة بالطرق الدبلوماسية، وحل جميع الفصائل وإن عاد المحتل عدنا، ويجب أبعاد الميليشيات عن المناطق المحررة، وأن تبنى بيد أبنائها، ويجب اعادة تصنيف الحشد وتصفيته وتنظيمه وتنقيته وأبعاد العناصر الغير منضبطة.

·      التسريبات الصوتية تثير حفيظة التيار الصدري:

·      إن هذه الشروط بينت بشكل واضح وغير قابل للبس بأن تشكيل أي حكومة لا تراعي شروط التيار الصدري ستكون هي الشرارة للقيام بخطوات تصعيدية أخرى، مما يوحي بأن الصلاة التي دعا إليها الصدر لن تكون الأخيرة وإنما ستتبعها دعوات أخرى حسب تطور الموقف وهذا مالم يفهمه الإطار التنسيقي بشكل دقيق، كما إن التسريبات الصوتية للمالكي جاءت بمثابة صب الزيت على النار لتزيد من حدة التوتر والانقسام الداخلي للوضع السياسي والأجتماعي الشيعي، الأمر الذي ألقى بظلاله على الشارع الشيعي وعلى الحاضنة الأجتماعية بشكل غير مسبوق لأن هذه التسريبات كشفت عمق الخلافات الداخلية بين القوى السياسية الشيعية، حيث أثارت التسريبات الصوتية ضجة كبيرة وخلافات خطيرة مرعبة تنذر بخروج الوضع عن السيطرة وتزيد من تعقيد ملف تشكيل الحكومة، كما إنها تزيد من تأزم العلاقات الشيعية-الشيعية، وذلك لما احتوت عليه من تهديد ووعيد بالدخول الى النجف، وتخوين للكرد، والسنة، والحشد، والمرجعية، والشركاء بالعملية السياسية، وهي صورة دقيقة وحقيقة لتوجهات المالكي الذي لم يسلم منه أحد حتى شركاؤه من المكون الشيعي لم يسلموا منه.

 

·      إن التسريبات الصوتية للمالكي أدت الى ظهور خلافات داخلية كبيرة بين مكونات الاطار التنسيقي، الأمر الذي أنعكس بصورة أو بأخرى على فشلهم في تشكيل حكومة توافقية رغم أنسحاب نواب التيار الصدري من البرلمان العراقي، كما إن هذه التسريبات جعلت قادة الإطار يلجؤون الى ترشيح شخصية من قيادات الخط الثاني لرئاسة الحكومة المزمع تشكليها، مما يعني بأن قادة الخط الأول وخاصة المالكي أصبح خارج المنافسة حول منصب رئيس الوزراء، وهذا ما كان ليحدث لولا هذه التطور الخطير الذي أطاح بطموحات المالكي لرئاسة الحكومة، حيث كان هناك قلق كبير من تحركات الصدر وتخوف حقيقي من ردة فعل عنيفة على التسريبات الصوتية التي فتح بها تحقيق قضائي للتأكد من صحتها، وبنفس الوقت جاء هذا الأجراء لنزع فتيل الأزمة وامتصاص غضب الشارع الصدري، كما إن تشكيل لجنة تحقيقية جاء لطمس الحقيقة وتسويفها وإدخالها ضمن المجال القانوني والقضائي لوقف أي تصعيد، وبالنهاية ستكون على غرار المئات من اللجان التحقيقية التي سبقتها حول التفجيرات، والاغتيالات، والفساد المالي والأداري، والتهريب، وقتلة المتظاهرين وغيرها من القضايا الأخرى التي شكلت ولكن بدون نتائج، كون هذه اللجان تخضع للضغوطات والمساومات السياسية والتهديد بالقتل والابتزاز، علماً بأن أنتخاب المالكي رئيساً للوزراء، حسب التسريبات يعني بأن الحرب على التيار الصدري ستكون أولية لحكومته، وكذلك لبقية المكونات الأخرى، بل سنكون على أعتاب حرب أهلية جديدة لا محالة.