الباحث : حسين صالح السبعاوي
الشيطان الأخرس هو ذلك الإنسان الذي يسكت أو يرضى على انتهاك محارم الله وعلى ما يجري من ظلم على العباد وهو قادر على النهي ورفع الظلم. أما الشيطان فهو ذلك الشيطان الملعون من الله ومن العباد سواء كان أخرساً أو ناطقاً، إلا أن الشيطان الأخرس عادة ما يكون أسوء من الشيطان الناطق وأشد ضرراً لأنه يوهم الناس بسكوته ولا يكون له موقف في أصعب الظروف التي يجب أن يكون لكل إنسان منها موقف بغض النظر عن استطاعته على تغيير الباطل. كما إن هذا الوصف السيء ينطبق على كل إنسان يسكت عن الحق مهما كان موقعه الاجتماعي أو السياسي. فما بالك بمن يدعي أنه من أهل الحل والعقد ومن الوجهاء وعليّة القوم !؟
إن أمثال هؤلاء لا ينبغي عليهم السكوت أبداً لأن المجتمع ينظر إليهم أنهم قدوة له وهو تبع لهم يردد ما يسمعه منهم، كما إن الظالم يتمادى أكثر بظلمه على العباد بسبب سكوتهم .
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهَوُن عن المنكر، ولتأخذُن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم )
فسكوت النخب وعليّة القوم على الحاكم الظالم ينذر بزيادة ظلمه وبعقوبة جماعية من الله تعالى على الشعوب الصامتة .
اليوم في العراق ينتشر الظلم بطريقة مفرطة وهمجية من قتل وتهجير واعتقال ونهب الأموال الخاصة والعامة وكأننا نعيش في غابة القوي فيها يقتل الضعيف. ثم نجد الكثير ممن يسمون نخب ووجهاء ومثقفين ورجال دين ومرجعيات وشيوخ عشائر ساكتين عن هذا الظلم وكأن الأمر لا يعنيهم أو يسكتونهم بفتاة من حطام الدنيا ويشترون صمتهم بثمن بخس يخرج من جيب المستضعفين أصلا .
ولكي لا يختلط علينا مفهوم الشيطان الأخرس فإننا لا نطالب المستضعفين أن ينطقوا بالحق ويجهروا به لأن هؤلاء هم من بحاجة الى النصرة وإن كان نطقهم أفضل، بل نطالب الصامتين القادرين على التغيير وعلى الجهر بالحق بوجه الظالم بالتحرك وعدم الوقوف مكتوفي الأيدي وهذا المأمول منهم أو فلينتظروا عواقب وخيمة.
لقد أفرد العالم الاجتماعي المسلم إبن خلدون فصلا كاملا في كتابه (المقدمة) تحت عنوان ” الظلم مؤذن بخراب العمران” بين فيه أن الظلم إذا انتشر خربت البلاد واختل حال العباد وساءت أخلاقهم ، فمثلما العدل أساس الملك فإن الظلم هو نهاية الملك. وهذه القاعدة يجب أن تفهم فهماً صحيحا بأن الظلم والعدل لا تختص به أمة دون أخرى بسبب الدين أو العرق أو الجغرافية وإن كان المسلمون أولى بتحقيق العدل. يقول ابن تيمية رحمه الله: إن الله لا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة ويقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة …”. والواقع يشهد على هذه الحقيقة. فإن الدول المسلمة اليوم ممتلئة بالظلم بينما الدولة غير المسلمة يسودها العدل ويحكمها القانون والشعوب فيها تتمتع بالحريات والرفاهية، بسبب رفضها للظلم ومطالبتها للحرية ولا يقف بوجهها الحاكم مهما كان شأنه. فمن المعيب على أكابر القوم في دولنا أن يسكتوا على ظلم الحاكم إرضاءً له أو خوفاً منه. إن الشعوب تنظر إليهم على إنهم ملح الأرض فإذا فسد الملح فمن سيصلحه؟
وأقولها بملئ الفم لو لا سكوت الخرسان من شياطين الإنس لما تمادى هؤلاء الطغاة في ظلمهم على الشعوب المستضعفة التي تعاني اليوم من التهجير والقتل والاعتقال بدون ذنب اقترفوه. لكن نبشرهم بأنهم شركاء في هذا الظلم ومن العدالة الإلهية أنهم أيضا شركاء في العقوبة والحساب .
وما يظلم ربك أحدا .
مقال خاص براسام

